Back To Top

foto1 foto2 foto3 foto4 foto5
المجلة الافريقية للعلوم السياسية أكاديمية دولية محكمة--------------- رئيس التحرير:الأستاذ بشير شايب

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

مجلة أكاديمية دولية محكمة

Choose your language

online now

46811 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

يمكنكم الإنضمام إلى قائمة
شركائنا في النجاح
من خلال إرسال شعار
 مؤسستكم العلمية  
الى البريد التالي

bnsbanis@gmail.com

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
 

مقدمــة :

 شهدت المجتمعات البشرية، العديد من التطورات في مختلف الميادين، خاصة الميدان الاقتصادي، فبات يشكل هذا الأخير أكثر النشاطات فعالية في حياة الجماعة، فلم تعد الدولة قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي أمام كل التطورات، لذا سارعت  إلى التدخل في الحياة الإقتصادية بشكل كبير من أجل حماية الأنشطة الاقتصادية وضمان حس تنفيذ خططها.

وأمام التقدم التكنولوجي الذي تحقق في العقد الأخير من القرن السابق جعل العالم قرية كونية صغيرة، حيث نتج على هذا الوضع عدم قدرة الأجهزة الرقابية للدول على السيطرة، كما صاحبها ظهور العديد من الجرائم الاقتصادية من أبرزها جريمة تبيض الأموال والجرائم المعلوماتية ... إلخ.

و نتيجة ما سبق كان لا بد القانون الجنائي([1]) يدخل النشاط الاقتصادي كوسيلة وقائية وكرادع للتجاوزات خاصة والاعتقاد السائد كان يرى أن الحماية التي توفرها فروع القانون الأخرى، كالقانون المدني سوف يؤدي إلى التسليم بالأمر الواقع أمام محترفي الخداع. ومن ثم يظل القانون الجنائي قادرًا على معالجة عدم كفاية الجزاءات المدنية والإدارية ([2]).

لكن هذا الدخول لم يمر دون القيام بأقلمة القواعد التقليدية حتى تتناسب والميدان الجديد  الذي سوف ينظمه مما أدعى الحديث عن نشوء فرع جديد هو القانون الجنائي الاقتصادي.

 وقد عرفه الفقه هو ذلك الفرع من فروع القانون الجنائي للأعمال الذي يعالج صور التجريم والعقاب لحماية النظام العام للدولة، وهو النظام التي قررته السياسة الاقتصادية، إذ يختلف باختلاف النظام الاقتصادي التي تتبعه الدولة و على  هذا الأساس فإن طبعة المصلحة المحمية جنائيا في إطار التجريم الاقتصادي هي المصلحة الاقتصادية العامة.

وعليه فإن عملية تحديد نطاق الجريمة الاقتصادية ليس بالأمر السهل، طالما أن الإطار العام للتجريم يختلف من نظام إقتصادي إلى نظام آخر.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن طرح الإشكال التالي :

إلى أي مدى ساهمت قواعد الموضوع والشكل في إبراز خصوصية الجريمة الاقتصادية لضمان المصلحة الاقتصادية العامة ؟

ومن هنا ارتأينا تجزئة هذه الدراسة إلى مبحثين نتناول في المبحث الأول ما هية الجريمة  الاقتصادية وقسمنا هذا المبحث إلى مطلبين نتاول في المطلب الأول التحليل الفقهي للجريمة الاقتصادية وفي المطلب الثاني التحليل انقضائي ، أما المبحث الثاني الإطار الموضوعي للجريمة الاقتصادية وقسمناه أيضا إلى مطلبين، تناولنا في المطلب الأول، أركان الجريمة الاقتصادية أمّا المطلب الثاني نتناول نظام المتابعة والعقاب، فإذا انتهينا من هذا كله صلناه بخاتمة.

ـ المبحث الأول : ما هية الجريمة الاقتصادية.

لم يستقر الرأي على تعريف محدد للجريمة الاقتصادية حيث تعددت الآراء الفقهية والمواقف القضائية لمفهوم الجريمة الاقتصادية .

واستنادا إلى ذلك  قسمنا هذا المبحث إلى مطلبين، خصصت المطلب الأول إلى التحليل الفقهي أما المطلب الثاني إلى التحليل القضائي.

ـ المطلب الأول : التحليل الفقهي.

لقد تبنى الفقه اتجاهان، اتجاه ضيق لتعريف الجريمة الاقتصادية أما الاتجاه الثاني فتبنى المفهوم الواسع.ومن أقطاب الاتجاه الأول نجد الفقيه الفرنسي « Jean Pradel » الذي عرّفها "أنها تلك الممارسات والسلوكات والمبادلات التجارية المنافية لقواعد السوق سواء كانت هذه المبادلات تجمع بين منتج وموزع".[3]

أو بين موزع ومستهلك سواء كانت هذه المبادلات تتعلق بمنتوج أو خدمة إلا أنه يعاب على هذا التعريف كونه ضيق من نطاق الجريمة الاقتصادية أما الفقيه « J, Larguer »  فقد اعتمد معيار آخر في تحديد المدلول وعرّفها على أنها "تلك الجريمة التي ترتبط برأس المال"[4].

إلا أن هذا التعريف، انتقد حيث أثبت الواقع أنّ للجريمة الاقتصادية معايير أخرى تختلف من نظام اقتصادي إلى آخر و لا يقتصر فقط على الرأس المال".[5]

أمّا الاتجاه الموسع، فقد نال هذا الاتجاه مساندة من قبل الشراح والفقهاء حيث عرفت على أنها "كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقواعد إذا نصت على الجريمة في هذا القانون أو في القوانين الخاصة به"[6].

ـ المطلب الثاني : موقف القضـاء.

إن الاختلاف في تحديد مفهوم الجريمة الاقتصادية لم يقتصر فقط على رجال الفقه بل امتد حتى إلى القضاء، نجد ما وضعت  محكمة النقض الفرنسية سنة 1969م  تعريفا بأنها"كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقانون الاقتصادي الذي يضم مجموعة النصوص التي تنظم إنتاج وتوزيع وتداول السلع و كل ما يلحق ضررًا مباشرًا باقتصاديات البلاد".

كما عرفت محكمة النقض السورية الجريمة الاقتصادية في أحد أحكامها الصادرة سنة 1967 "كل السلوكات والحوادث تهدف إلى مقاومة الاقتصاد القومي وتشكل عثرة في طريقه ونموه، فإذا كانت أسباب الجريمة الاقتصادية وأهدافها لا تأثر لها على الاقتصاد الوطني، اعتبرت الحادثة فردية تطبق عليها أحكام القوانين النافذة"[7].

على الرغم من التعقيدات التي يطرحها مفهوم الجريمة الاقتصادية، إلا أن الجميع يجمع على أن مفهوم الأمثل للإجرام الاقتصادي، يقتضي أن يقوم على مجموعة من الضوابط والأسس التي من أبرزها تحديد أهداف السياسة الاقتصادية لدولة، وهذا عن طريق إبراز المصلحة التي يتوخى القانون الجنائي حمايتها، أكثر من ذلك لا بد الاهتمام والنظر إلى الآثار السلبية التي تلحقها الجريمة الاقتصادية بالاقتصاد الوطني[8] بل تمتد حتى إلى الاقتصاد العالمي هذا ما عبر عنه الأستاذ I : h ; Leigh  ـ أستاذ القانون بجامعة لندن  من خلال ورقة عمل قدّمها للمؤتمر السنوي الثاني للجرائم الاقتصادية، والذي عقد في لندن في 17 جانفي 1977.

 بعد تطرفنا في المبحث الأول إلى معالجة ماهية الجريمة الاقتصادية باعتبارها إحدى خصوصيات الجريمة الاقتصادية، ومن أجل إكمال بحثنا لا بد  أن نتطرق إلى بيان  الإطار الموضوعي للجريمة الاقتصادية من خلال البحث عن عناصر النموذج القانوني ومسألة المتابعة والعقاب.

ـ المبحث الثاني : عناصر النموذج القانوني للجريمة الاقتصادية.

سيتم  التطرق في المطلب الأول إلى أركان الجريمة الاقتصادية ومدى خروجها على القواعد العامة أما المطلب الثاني سنخصصه إلى مسألة المتابعة والعقاب.

ـ المطلب الأول : أركان الجريمة الاقتصادية.

من المعلوم  أن النموذج القانوني للجريمة محدد من المشرع و ذلك بموجب قواعد تشريعية واضحة المعالم ،  بما أن لكل جريمة نموذجها القانوني الخاص بها و الذي يميزها عن غيرها من الجرائم  وتتميز الجرائم الاقتصادية في بنيانها عن غيرها من الجرائم المنصوص عليها في القواعد العامة لهدف واحد هو حماية المصلحة الاقتصادية العامة .

فمقارنة بجريمة الحق العام  تغيرت ملامح الركن الشرعي في الجريمة الاقتصادية (الفرع الاول) و اكتنف الغموض ركنها المادي( الفرع الثاني ) و ضعف فيها الركن المعنوي (الفرع الثالث).

     ـ الفرع الأول : تغيير ملامح  الركن الشرعي.

يعتبر الركن الشرعي أهم ركن حتى يحق لنا القول بوجود جريمة ما ونقصد في هذه الحالة مبدأ الشرعية[9] مفاده أنه لا يجوز تجريم فعل إلا إذا نص القانون صراحة على الجريمة ، كما لا يجوز توقيع على الجاني عقوبة خلافا تلك المقررة قانونا.

بمعنى أن نص التجريم يصبح أمرا ضروريا لقيام الجريمة بانتفائه تنتفي هذه الأخيرة وهو ما يتجسد فعلا في المادة الأولى من قانون العقوبات الجزائري " لا جريمة و لا عقوبة أو تدبير أمن بغير قانون".أكثر من ذلك ارتفع من مبدأ قانوني إلى مبدأ دستوري ويستفيد من كافة الضمانات التي يمنحها الدستور لمبادئه[10].

ولعل أبرز خصائص القوانين العائدة للجرائم الاقتصادية، النص كثيرًا على التفويض التشريعي  ومع أن هذا الأخير محدد في القانون العام بحيث لا يرد غالبا إلا على المخالفات وفي غير ما يفرض قيودًا على الحرية الشخصية، إلا أنه شانع و صانع في بعض الجرائم الاقتصادية كالتشريعات الجمركية نظرًا لما يتطلب من خبرة فنية، قد لا تتوفر لدى السلطة المفوضة بالإضافة إلى المرونة والسرعة المطلوبين في علاج الظواهر الاقتصادية . و هذا يظهر جليا في إعطاء بعض الوزارات و الولاة و إدارات الجمارك هامشا من التشريع من حيث تحديد النطاق الجمركي و من حيث تعيين السلع الخاضعة لرسم مرتفع  و من خلال تحديد المواد الحساسة و المواد الخاضعة لرخصة التنقل ، فالقانون نص على هذه الأمور و لكن ترك الأمر تحديدها و تعيينها للسلطة التنفيذية.

و كمثال على ما تقدم فإن المادة 29 من قانون الجمارك في فقرتها الأخيرة خولت للوزراء المكلفين بالمالية و الدفاع الوطني و الداخلية بالتدخل عن طريق قرار وزاري بتمديد عمق المنطقة البرية من النطاق الجمركي ، و المادة 226  تعطي الحق للوزير المكلف بالمالية و الوزير المكلف بالتجارة بإصدار قرار وزاري مشترك يحدد قائمة البضائع الحساسة.                                                    ـ الفرع الثاني :  غموض الركـن المادي.

إنّ الجريمة الاقتصادية لا تقوم إلا بتوافر العناصر المؤلفة للركن المادي{ السلوك، النتيجة، العلاقة السببية} لكن سيلاحظ خصوصيات سنقوم بتبيينها[11]

ـ أولا : خصوصية النشاط الإجرامي : مفاده قيام شخص ما يعمل قاصدًا من ورائه تحقيق نتيجة إجرامية معينة، إما بسلوك ايجابي أو سلوك سلبي.

أ ـ السلوك الايجابي : يقصد به قيام الجاني بإتيان سلوك خارجي نهى القانون القيام به و رتب  عليها آثارا قانونية كجرائم القتل مثلا، أما في إطار الجرائم الاقتصادية نذكر على سبيل المثال جريمة المضاربة غير المشروعة المنصوص والمعاقب عليها في المادة 172 من قانون العقوبات وجريمة خداع المتعاقد. المنصوص والمعاقب عليها في قانون العقوبات المادة 429 حيث يقوم الجاني بسلوك ايجابي يتمثل في خداع المتعاقد أو في الصفات الجوهرية للسلعة ... إلخ.

ب ـ السلوك السلبي : مفاده يتمثل في إحجام الشخص عن إتيان فعل وأن يكون في استطاعة الممتنع القيام به[12]، كإحجام الأم عن إرضاع طفلها.

ومن الأمثلة في إطار الجرائم الاقتصادية، جريمة عدم الإبلاغ عن أفعال التهريب المنصوص والمعاقب عليها بموجب المادة 18 من الأمر 05ـ06 المتعلق بمكافحة التهريب، وجريمة عدم الفوترة المنصوص عليها في المادة 33 من القانون رقم 04ـ02 المتعلق بالممارسات التجارية.

ـ ثانيًا : طبيعة النتيجة الجريمة  في الجرائم الاقتصادية :

يقصد بها  الأثر الناجم عن النشاط الإجرامي سواء تحققت النتيجة (جرائم الضرر) أو لم تتحقق (جرائم الخطر).

أ ـ جرائم الضرر في التشريع الاقتصادي : أو ما يطلق عليها بالجرائم  المادية بمعنى آخر هي تلك الجرائم التي يشترط للمعاينة عليها حصول نتيجة جريمة معينة أو احتمال حصولها كالمحاولة، لذلك فإن جرائم الضرر تفترض سلوكا إجراميا معينا تترتب عليها آثار يتمثل في العدوان الفعلي  على الحق الذي يحميه القانون([13]).

إن من أهم التطبيقات التشريعية للجرائم المادية في التشريع الجزائري نذكر على سبيل المثال لا على سبيل الحصر الجرائم الجمركية ما نصت عيه المادة 281 فقرة 1 من قانون الجمارك الجزائرية.

ب ـ جرائم الخطر في التشريع الاقتصادي : يوجد نوع من الجرائم التي لا يترتب فيها على السلوك الإجرامي حدوث نتيجة معينة، ومن ثم إن الأفعال التي يتم تجريمها اقتصاديا كانت بقصد منع أي  تهديد قد يلحق بالنظام الاقتصادي للدولة لأن هذه السياسة العقابية  تقوم على الخوف والوقاية من تحقق الضرر بالاقتصاد الوطني في آن واحد ([14]).

ومن التطبيقات التشريعية للجرائم الشكلية في التشريع الاقتصادي نذكر جريمة حيازة مواد غذائية مغشوشة أو فاسدة أو مسمومة ... إلخ.

ـ ثالثا : العلاقة السببية : هي الصلة التي تربط بين الفعل السلوك الإجرامي  و النتيجة الجرمية أو بوصف آخر تقوم بذلك وحدة الركن المادي وكيانه والجدير بالملاحظة أن موضوع العلاقة السببية  لا يثير أية خصوصية في نصوص الجرائم الاقتصادية لآن معظمها تعد من جرائم السلوك ونتيجتها تتحقق بمجرد إتيان السلوك.

ـ الفرع الثالث :ضعف الركـن المعنـوي.

لا يحق لقيام المسؤولية الجزائية أن يصدر عن الفاعل سلوك إجرامي يعاقب عليه بل يتعدى اتجاه إرادته إلى ارتكاب سلوك إجرامي معين مع علمه بأن هذا الفعل يعاقب عليه القانون[15].

ولكن في إطار الجرائم الاقتصادية لا يتقيد الركن المعنوي فيما يخص الأحكام المقررة في القانون العام لهدف واحد هو حماية السياسة الاقتصادية للدولة من خلال تقلص الركن المعنوي، وهذا ما عبر عنه العميد الفرنسي "هوريـو" يكفي فقط وجود الرابطة السببية بين السلوك المادي للفاعل، وبذلك فهو يرى إبعاد العنصر النفسي  الذي يقوم على العلم والإرادة وهناك من يبرر على أساس حرص الشارع على حماية المجتمع من جهة ولأهمية المصلحة الاقتصادية التي ينبغي حمايتها من جهة أخرى، و من الأمثلة التشريعية على تقلص الركن المعنوي في إطار الجرائم الاقتصادية ما نص عليه المشرع الجزائري  في جريمة تبيض الأموال في المادة 389 مكرر من قانون العقوبات.

ـ المطلب الثاني : المتابعة والعقاب.

تهدف السياسة الاجتماعية والاقتصادية للدولة إلى تحقيق الكفاية والعدل و لا سبيل ذلك إلا إذا دعمت القوانين الاقتصادية بالجزاء.ولهذا فإن خصوصية الجريمة الاقتصادية برزت أكثر من خلال قواعد المتابعة (الفرع الأول) ومن خلال نظام العقاب (الفرع الثاني).

ـ الفرع الأول : المتابعـة.

بادئ ذي بدء، أبرز ما يلاحظ في القانون الجزائي الاقتصادي هو إسناد وإعطاء صلاحيات واسعة لأعوان الإدارات في القيام بمعاينة بعض الجرائم الاقتصادية ولقد حدد القانون لكل إدارة اقتصادية هيكل من الأعوان المختص في معاينتها و لعلّ أبرز مثال المحضر الذي يحرر من طرف عونين محلفين على الأقل من الجمارك وله حجية مطلقة ما لم يطعن بالتزوير  و هذا ما نصت عليه المادة 254 من قانون الجمارك.

أما فيما يخص أحكام الدعوى العمومية فإن المبدأ العام أن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العمومية ولكن في إطار قانون العقوبات الإقتصادية يبرز اختلاف بسيط وهو على مستوى قيام وانقضاء الدعوى العمومية، حيث أصبحت للإدارة علاقة وثيقة بالميدان الاقتصادي ولها مكانتها في الدعوى العمومية لتفادي بطئ الإجراءات العادية، كالغش الضريبي ، حيث أوكلت النصوص الضريبية سلطة تحريك الدعوى العمومية لإدارة الضرائب وحدها بتقديم شكوى و هذا مثل ما نصت عليه المادة 305 من قانون الضرائب المباشرة و الرسوم المماثلة  "   تباشر المتابعات من أجل تطبيق العقوبات الجزائية  المنصوص عليه في المادة 303 من قانون الضرائب المباشرة و الرسوم المماثلة وفقا الشروط المنصوص عليها في المادة 104 قانون الاجراءات الجبائية "  و إذا رجعنا إلى المادة 104  من قانون الاجراءات الجبائية نجدها تنص على مايلي " تتم المتابعات بهدف تطبيق العقوبات الجزائية المنصوص عليها في القوانين الجبائية بناء على شكوى من  مديري الضرائب للولاية ".

بالإضافة إلى ما سبق ، قيد المشرع الجزائري على بعض الجرائم بضرورة تقديم طلب من الإدارة مثل ما تنص عليه المادة 259 فقرة 2 من قانون الجمارك الجزائري فيما يتعلق بالمخالفات المتعلقة بالتشريع و التنظيم الجمركي  و التي تشكل دعوى جبائية.

  أما انقضائها فقد تدخل قانون العقوبات الاقتصادية لتنظيمها وأهم ميدان نجد المصالحة باعتبارها طريقة من طرق انقضاء الدعوى العمومية كسبب خاص لهدف واحد هو إعادة التوازن الاقتصادي بدون توقيع العقاب على المخالف ومنحه فرصة أخرى لتكييف مع الواقع الاقتصادي.

ومن أمثلة المصالحة التي تتم بين الإدارة و المخالف ما نصت عليه المادة 265 فقرة 02 من قانون الجمارك[16] و كذلك ما نصت عليه المادة 09  مكرر من الأمر رقم 96-22 المؤرخ في 09 جويلية 1996 المتعلق بقمع مخالفة التشريع و التنظيم الخاصين بالصرف و حركة رؤوس الأموال من و إلى الخارج ، و على ضوء التعديل الذي أجري عليه بالأمر رقم 10-03 المؤرخ في 26 أوت 2010 على أن المصالحة تضع حدا للمتابعة عندما يقوم  المخالف التنفيذ الكامل للإلتزامات المترتبة عليه ، و ذلك في حالة كون قيمة محل الجنحة يساوي أو يقل عن 20 مليون دينار جزائري .فيما لم تعد المصالحة جائزة بموجب المادة 09 مكرر 1 المستحدثة بالقانون رقم 10-03 في حالة ما إذا كانت قيمة محل الجنحة تفوق 20 مليون دينار جزائري ،أو كان عائدا أو كانت جريمة الصرف مقترنة بجريمة تبييض الأموال أو المخدرات أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية .

كما تتاح المصالحة في مجال المنافسة فيمكن لمجلس المنافسة اتخاذ بعض الإجراءات حول المخالفة المرتكبة التي ترتكب أي المذكورة في المادتين 14 و 15 من الأمر رقم 03-03 المعدل و المتمم كإتخاذ شكل تعهدات تأخذها المؤسسسة المكلفة على عاتقها و ما أكدته المادة 60   من الأمر رقم 03-03 ، كما يمكن   دفع غرامة الصلح من طرف التدخل    جراء الأضرار الذي سببها و هذا ما دلت عليه المادة 86 فقرة 1 من القانون رقم 09-03 المتعلق بحماية المستهلك و قمع الغش.

     ـ الفرع الثاني العقاب.

لعلّ ما يثير خصوصية العقاب في الميدان الاقتصادي هو تنوع الجزاءات (اقتصادية، إدارية، ميدانية، جزائية) وعدم وجود العقوبات المالية للحرية بشكل موسع في قانون العقوبات الاقتصادية بالإضافة إلى الغياب الشبه الكلي للجنايات والاقتصار فقط على الجنح والمخالفات وهذا يعود أساسًا إلى السياسة الجنائية المنتهجة من قبل الدول التي تعمل على الرفع من الطابع العقابي الزجري في الميدان  الاقتصادي ([17]). La dépénalisation  لما يعود على ميزانية الدولة إيرادات إضافية تساهم في دفع عجلة التنمية و الإنتاج.[18]

أكثر من ذلك، تبرز خصوصية أخرى حيث أعطت لبعض الهيئات 2  صلاحية توقيع جزاءات إدارية في حق المخالفين للتشريع والتنظيم المعمول به و لا تستطيع الإدارة هنا إلا توقيع العقوبات المالية بالإضافة إلى العقوبات التكميلية ،و قد تبنى القانون الجزائري هذا النظام  أي حق الإدارة في بعض الجرائم الاقتصادية كما ظاهر في بعض القوانين الاقتصادية ، و يتضح من هذا الغرض أن المشرع ساير أغلب التشريعات المقارنة في إعطاء السلطات الإدارية الفصل في المخالفات الاقتصادية كصدور غرامات إدارية من مديرية التجارة من دون الرجوع للقضاء بالإضافة ما نص عليها التشريع المتعلق بنشاط الوساطة في عمليات البورصة  الذي يمنح  لجهاز  إداري و هو الغرفة التأديبية و التحكيمية لدى لجنة تنظيم عمليات البورصة و مراقبتها و التي تختص بتوقيع جزاءات إدارية على الوسطاء المعتمدين في حالة مخافتهم للقانون .

 

ـ الخاتمــــــــة :

من خلال هذه الدراسة الموجـزة توصلنا إلى العديد من العناصر والصفات التي تميزها عن غيرها من جرائم القانون العام ومن ثم توصلنا إلى مجموعة من النتائج :

1 ـ إن اختلاف الدول في بناء سياستها الاقتصادية الأمر الذي ترتب عليه عدم وجود ضوابط محددة لمفهوم الجريمة الاقتصادية.

2 ـ إذا كانت الأحكام العامة في القسم العام من قانون العقوبات تطبق على الجرائم كافة، إلا أن الجرائم الاقتصادية تتميز في بنيانها القانون الخاص عن غيرها من الجرائم وهذا يتجلى أساسا من خلال طبيعة النشاط المجرّم الذي يتصف بالاتساع والغموض  في بعض الأحيان ، وقد لاقى هذا التوسع في التجريم ترحيبا من طرف الفقـه  الجنائي  إذا اعتبر الأستاذ Andre Vitu  أن الرقابة الاقتصادية لا تكون فعالة إذا كان في استطاعة الأفراد التخلص من نصوص السلطة الموجهة.

3 ـ كما تبرزذاتية الركن المادي من خلال خصوصية النتيجة الجرمية  التي تعكس الطابع الشكلي أو ما يسمى بجرائم الخطر.أما بخصوص الركن المعنوي فهو يتميز  بطبيعة خاصة فأغلب الجرائم الاقتصادية هي جرائم موضوعية لا يتطلب فيها المشرع ضرورة توافر القصر الجنائي، لأن طبيعة المصلحة المحمية جنائيا تقضى عدم إعطاء المخالف فرصة للتذرع بحسن نيته.

كما لاحظنا في إطار البحث أن القواعد المتابعة والنظام العقابي في الجرائم الاقتصادية يتميز بنوع من الخصوصية  فبالنسبة لقواعد المتابعة إعطاء المشرع لبعض الإدارات الاقتصادية الحق في معاينة الجرائم الاقتصادية وتحريك الدعوى العمومية، أما فيما يخص النظام العقابي تتبنى الشارع نظام الغرامات كأهم وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية للدولة.

       ـ قائمـة المراجع.

ـ أولا باللغـة العربيـة :

1 ـ أنور صدقي المساعدة، المسؤولية الجنائية للجرائم الاقتصادية، الطبعة الأولى، دار الثقافة للنشر و التوزيع، الأردن، 2002.

2 ـ بن قلة ليلى، الجريمة الاقتصادية في التشريع والقضاء الجزائري، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة تلمسان، الجزائر، 1997.

3 ـ سميح مسعود، الموسوعة الاقتصادية، الطبعة الثانية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان، 1997.

4 ـ عبد الحميد الشواربي، الجرائم المالية والتجارية، الطبعة الرابعة، منشأة المعارف الإسكندرية، مصر، 1999.

5 ـ  غسان رباح، قانون العقوبات الاقتصادية، منشورات الحلبي الجامعي، الطبعة السادسة، لبنان، 2012.

6 ـ محمد سعيد بوسعدية، مدخل إلى دراسة قانون الرقابة الجزائرية ، الطبعة الأولى، دار القصبة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2014.

7 ـ محمد شبلي، الإجرام الاقتصادي والمالي الدولي وسبل مكافحته، الطبعة الثانية، دار هومة، الجزائر، 2004.

8 ـ محمد علي سويلم، القانون الجنائي الاقتصادي، الطبعة الأولى، دار المطبوعات الجامعية، مصر، 2015.

9 ـ محمود داوود يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2008.

10 ـ محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن الجزء الأول، الطبعة الثانية، مطبعة جامعة القاهرة، مصر، 1979.

ـ ثانيا : باللغـة الفرنسيـة :

1 – Jean Paradel, droit pénale, économique ; édition Dalloz, France , 1999.

2 – Jean Arguier, droit pénale des affaires, France, 1999.

 

[1] - إن التدخل الجنائي في الميدان اقتصادي كان منذ العصور القديمة، منذ وجود الفراعنة والرومان ففي مصر الفرعونية عرف استخدام قانون الجنائي في الاقتصاد، فكانت الدولة تتدخل في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، وتفرض عقوبات على الأشخاص الذين يخالفون أوامرها، أما بالنسبة للرومان فقد اهتموا بتنظيم الاقتصاد والمعاقبة على مخالفة هذا التنظيم و قد عرف قانون الرومان نصوصًا تتعلق باستيراد الحبوب وتجارتها وارتفاع الأسعار والتموين.

[2] - أنظر، محمد علي سويلم، القانون الجنائي الاقتصادي الطبعة الأولى، درا المطبوعات الجامعية، مصر، الصفحة 119.

[3] -  Voir Jean Pradel, droit pénal économique, édition Dallons, France, 1994, page, 03

[4] - Voir : J. Larguier, droit pénal des affaires, France, 1994, page 12.

[5] - إن غالبية التشريعات التي عالجت موضوع الجريمة الاقتصادية كانت تهدف من وراء ذلك إضفاء الحماية الجنائية على المصلحة الاقتصادية العامة وعلى هذا الأساس اختلفت الدول في أسلوب التجريم، فقد  اعتمدت بعض الدول الأسلوب التقليدي بعدم وجود قانون مستقل يعالجها كالتشريع الجزائري، الفرنسي، الإيطالي ... إلخ على عكس هناك بعض الدول انتهجت في التجريم قانون خاص يسمى قانون العقوبات الاقتصادي كالتشريع السوري، الأردني ... إلخ.

[6] - أنظر، عبد الحميد الشواربي، الجرائم المالية والتجارية الطبعة الرابعة، منشأة المعارف الإسكندرية، مصر، 1999، الصفحة 12.

[7] - أنظر، أنور صدقي المسعدة، المسؤولية الجنائية للجرائم الاقتصادية الطبيعة الأولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، 2002، الصفحة 100.

[8] - من الآثار السلبية للجريمة الاقتصادية التي ترتبها على الاقتصاد الوطني، انخفاض قيمة العملة الوطنية، تحول الاستثمارات إلى قطاعات غير منتجة ، خسارة المداخيل الجبائية، ... أكثر تفصيلا.أنظر، محمد شلبي، الإجرام الاقتصادي والمالي الدولي وسبل مكافحته، الطبعة الثانية، دار هومة، الجزائر، الصفحة 37 ـ 38.

[9] - وتجسد مبدأ الشرعية لأول مرة في قانون العقوبات الفرنسي في سنة 1971، بعد أن تطمئنه وثيقة إعلان حقوق الإنسان لسنة 1789.

[10] - أنظر، بن قلة ليلى، الجريمة الاقتصادية في التشريع والقضاء الجزائري، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسة، تلمسان، الجزائر، 1997، الصفحة 68.

[11] - أنظر، غسان رباح، قانون العقوبات الاقتصادية ، منشورات الحلبي الجامعي، الطبعة السادسة لبنان، 2012 الصفحة 29.

[12] - أنظر، عبد الحميد الشواربي، المرجع السابق، الصفحة 16.

[13] - أنظر، سمير عالية، شرح قانون العقوبات القسم العام دراسة مقارنة، بدون طبعة، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، لبنان، 2002، الصفحة 219.

[14] - أنظر، أنور صدقي المساعدة، المرجع السابق، الصفحة 174.

[15] - أنظر، محمود محمود مصطفى، الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن، الجزء الأول، الطبعة الثانية، مطبعة جامعة القاهرة، مصر، 1979.

[16] -إن التعديل الذي أجراه  المشرع الجزائري على قانون الجمارك  سنة 2017  منع إجراء المصالحة بعد صدور حكم نهائي.

[17] - قلفاط شكري، قانون العقوبات الاقتصادية محاضرة غير منشور ملقاة على سنة أولى ماستر ، قانون جنائي للأعمال، جامعة تلمسان، الجزائر، 2011 ـ 2012.

 

شارك هذا المنشور على مواقع التواصل

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

شركائنا في النجاح...

عن المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

ISSN: 2661-7323

ISSN ONLINE:2661-7617

Indexed in The PKP Index includes 897630 records indexed from 3478 publications.under ref 4107

مدير التحرير الناشر المسؤول :الأستاذ بشير شايب

نائب رئيس التحرير مسؤول القسم العربي :الدكتورة براك صورية

جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة الجزائر

بريد التحرير

نظام الإدارة الإلكتروني للمجلة

لنشر مقالاتكم يرجى التسجيل في البوابة الرقمية للمجلة

 

Copyright © 2019 المجلة الأفريقية للعلوم السياسية كل الحقوق محفوظة.