Back To Top

foto1 foto2 foto3 foto4 foto5
المجلة الافريقية للعلوم السياسية أكاديمية دولية محكمة--------------- رئيس التحرير:الأستاذ بشير شايب

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

مجلة أكاديمية دولية محكمة

Choose your language

online now

46819 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

يمكنكم الإنضمام إلى قائمة
شركائنا في النجاح
من خلال إرسال شعار
 مؤسستكم العلمية  
الى البريد التالي

bnsbanis@gmail.com

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

  

 ملخص:

ظل دور مصر الإقليمي والعربي قائماً وفاعلاً عبر تاريخها الطويل، ورغم انحساره في بعض المراحل إلا أنه كان حاضراً ومؤثراً في العديد من قضايا المنطقة، وخاصة الصراع العربي الإسرائيلي. ولقد أصابه الضعف والوهن خلال السنوات الماضية، وذلك نتاج الانخفاض التدريجي لمستوى القوة الشاملة للدولة، ونظراً للسياسات والمواقف الخاطئة التي اتخذت من قبل النظم السابقة، فضلاً عن مساهمة عدد من القوى الدولية والإقليمية بقوة في تحجيمه وإقصائه، مستغلة حالة الضعف العام والتحديات التي عانت منها مصر خلال مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير 2011. ومع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم في الثامن من يونيو 2014، دخلت مصر حقبة جديدة في تاريخها المعاصر، حيث بذلت جهوداً كبيرة من قبل النظام لتحقيق الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية وتحديث القوات المسلحة من أجل تعزيز القوة الشاملة للدولة، وزيادة فرص استعادة هذا الدور وعودته لممارسة وظائفه في دائرة نفوذه التقليدية، وذلك بعد أن تحررت مصر إلي حد كبير من القيود التي فرضت عليها خلال العقود السابقة، وهو ما كان محلاً للتحليل في سياق الدراسة . 

الكلمات المفتاحية: دور، مصر، عربي، النظام الإقليمي، السيسي، تحديات، مستقبل .

 

Résumé :

Au cours de sa longue histoire,  l’Égypte a toujours joué un rôle régional et arabe très actif. La présence égyptienne a toujours été significative dans nombre de problèmes régionaux notamment le conflit arabo-israélien. Cependant, ce rôle s’est affaibli lors des dernières années en raison du déclin graduel des pouvoirs de l'État et des mauvaises politiques adoptées à la suite de la révolution du 25 janvier 2011. De nombreuses puissances internationales et régionales ont fortement contribué à l'exclusion de l'Egypte exploitant l'état de faiblesse générale et les défis auxquels le pays a été confronté. Avec l’avènement au pouvoir du président Abdel Fattah Al-Sissi le 8 juin 2014, l'Égypte entre dans une nouvelle ère de son histoire moderne. Des mesures importantes ont été prises afin d’instaurer la stabilité intérieure, de redresser la situation économique et de moderniser les forces armées. Ces mesures visent à renforcer la force globale de l’État et lui permettre, par conséquent, de récuperer sa place sur le plan régional et de jouer pleinement le rôle qui lui incombe. Dans le présent article, nous nous efforçons d’analyser cette situation et de montrer comment l’Egypte a pu se libérer, à certains égards, de toutes les contraintes qui lui ont été infligées lors des dernières décennies . 

Mots-clés : Rôle, Egypte, Arabe, Ordre Régional, Sissi, Défis, Avenir .

 

مقدمة:

"إن مصر كانت دائماً مركزاً لدائرة، ضاقت أو اتسعت، ولكنها دائماً لها محيط وأبعاد، هى مركز ثقله وجاذبيته، ولها الدور القيادي فيه، وكانت باستمرار قطب قوة وقلب إقليم، حتى وهى مستعمرة ومحتلة"، كلمات اطلقها الراحل العظيم د. جمال حمدان، تعبر بوضوح عن حقيقة وضع مصر ودورها الإقليمي، ذلك الدور الذي ظل قائماً وفاعلاً عبر عقود بعيدة، حيث كان حاضراً ومؤثراً في الكثير من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والذى شكل التحرك الفاعل فيها حجر الأساس لمكانة مصر العربية والاقليمية. إلا أن هذا الدور قد أصابه الضعف والوهن خلال السنوات الماضية، نتاج الانخفاض التدريجي لمستوى القوة الشاملة للدولة من جانب، والمواقف والسياسات الخاطئة التي اتخذت من جانب آخر، إلى أن حدث التراجع شبه الكامل لهذا الدور في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، حيث بدا واضحاً أن  مصر لم تعد تمتلك من المقومات ما يؤهلها لممارسة ذلك الدور، فضلاً عن بروز العديد من القوى الاقليمية التي ساهمت وبقوة في إبعاد مصر عن القيادة الاقليمية، مستثمرة حالة الضعف العام والتحديات التي عانت منها مصر وقتئذ، فضلاً عن توجهات السياسة المصرية وانكفائها علي مشكلات الوضع الداخلي المتفاقمة، إلا أنه مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم في الثامن من يونيو 2014، دخلت مصر عهداً جديداً في تاريخها المعاصر، فتزايدت التطلعات في أن يشهد ذلك العهد عودة مصر إلي مكانتها المتميزة التي حظيت بها عبر تاريخها، وتجدد الأمل ـ داخلياً وخارجياً ـ في استعادة الدور المصري على الصعيد الاقليمي والعربي، وذلك بالتزامن مع تلك الجهود المبذولة من قبل النظام لتحقيق الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية وتحديث وتطوير القوات المسلحة ، بما يعزز من القوة الشاملة للدولة، ويزيد من فرص عودة هذا الدور لممارسة مهامه في دائرة نفوذه التقليدية، بعد أن تحررت مصر إلي حد كبير من القيود التي فرضت عليها خلال العقود السابقة، وأصبحت تمتلك القدرة على مراجعة سياستها الخارجية في مختلف الدوائر.  

إشكالية وهدف الدراسة:

تدورالدراسة حول اشكالية أساسية مفادها: إن تنامى أدوار القوى الاقليمية الأخرى بالمنطقة بصورة سريعة وفاعلة على حساب الدور المصري التقليدي، الذى يعانى من تراجع شديد مدفوع من قبل التدهور الحادث في عناصر ومقومات القوة الشاملة للدولة، يرجح أن يكون لها تداعياتها السلبية على المصالح الاستراتيجية المصرية في اطارها العربي والإقليمي، لاسيما على ضوء التوجهات الأمريكية الإسرائيلية ـ عبر مخططات عديدة كالشرق الأوسط الجديد والشرق الأوسط الكبير وغيرها ـ والرامية إلى اعادة ترتيب وهيكلة المنطقة، خدمة لأهدافهما ومصالحهما الحيوية، ما ينعكس بالسلب على مدى فاعلية وتأثير الدور المصري العربي والإقليمي المنشود استعادته وتفعيله.

في حين يتمثل الهدف الأساسي للدراسة في محاولة رصد وتحليل طبيعة الدور المصري إقليمياً وعربياً خلال فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي الأولى (2014 ـ 2018)، من خلال الوقوف على طبيعة التراجع في قوة وتأثير هذا الدور، والتداعيات المختلفة لذلك على المصالح المصرية والأمن القومي المصري، وصولاً إلى رؤية مستقبلية لكيفية استعادة هذا الدور ومتطلبات ذلك، في ظل الأوضاع الراهنة داخلياً واقليمياً ودولياً.

منهجية الدراسة:

اعتمد الباحث على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال التعامل مع الظاهرة محل الدراسة لتحديد طبيعتها وعلاقاتها المتداخلة ومتغيراتها، اعتماداً على التحليل الموضوعي من خلال المراجع المتخصصة والدراسات ذات الصلة، أيضا تم الاعتماد على "المدخل الوظيفي" في اطار نظرية الدور، حيث يرتبط الدور بالوظيفة أو الوظائف المؤداة على المستويين الإقليمي والدولي على السواء، إلى جانب "مدخل المصلحة الوطنية"، الذي يفترض أن القوة الرئيسة المحركة لسياسات الدول لاسيما الخارجية، تكمن في السعي المستمر لحماية وتنمية مصالحها القومية في حدها الأقصى، حاضراً ومستقبلاً في مواجهة الأطراف الأخرى .

فروض وتساؤلات الدراسة:

وتنطلق الدراسة من فكرة مؤداها أن ممارسة مصر لدورها الإقليمي يرتبط بالعديد من المتغيرات الداخلية والخارجية، وأن هذا الدور يتأرجح ما بين الفاعلية وعدم التأثير، وفقاً لطبيعة وحجم المحددات والقيود وكذا الفرص التي تواجه صانع القرار المصري، ومن ثم فإن الباحث يفترض الفروض الآتية:

  1. 1. إن تراجع الدور الإقليمي والعربي لمصر يترتب عليه تهديداً خطيراً لأمن مصر القومي ومصالحها الوطنية.
  2. 2. إن الدور الإقليمي والعربي لمصر يرتبط صعوداً وهبوطاً بمستويات القوة الشاملة للدولة المصرية.
  3. 3. إن الاستقرار السياسي والاقتصادي ستكون له نتائجه الايجابية على استعادة مصر لدورها إقليمياً وعربياً.
  4. 4. إن هناك فرصة سانحة خلال فترة حكم الرئيس السيسي لاستعادة مصر لمكانتها ودورها إقليمياً وعربياً.

* إضافة إلي ذلك يطرح الباحث عدداً من التساؤلات تدور في ذات الإطار، منها:

  1. 1. ما هي الأسباب الحقيقية وراء تراجع وانحسار هذا الدور؟
  2. 2. ما هي محددات وأبعاد الدور المصري اقليمياً وعربياً خلال فترة حكم الرئيس السيسي الأولى؟
  3. 3. ما طبيعة التحديات التي أحاطت بهذا الدور خلال فترة حكم الرئيس السيسي الأولى؟
  4. 4. ماهي مقومات ومتطلبات الدور المصري الفاعل إقليمياً وعربياً ؟
  5. 5. ما هي الفرص والآفاق التي ينبغي ارتيادها تحقيقاً لفاعلية هذا الدور في المستقبل المنظور؟
  6. 6. كيف تحافظ مصرعلى دور إقليمي فاعل يضمن لها مصالحها وأمنها القومي مستقبلاً ؟

الإطار النظري للدراسة:

 قسمت الدراسة إلى خمسة مباحث أساسية، إضافة إلي مقدمة وخاتمة، وذلك كالتالي:

 

 

المبحث الأول

مفهوم الدور الإقليمي

 

أولاً. ماهية الـدور:

وفقاَ لأدبيات العلاقات الدولية فإن تعامل الدولة مع النسق الدولي ووحداته المختلفة، يتطلب أن تحدد كل دولة لذاتها وللآخرين موقعها في هذا النسق، والوظيفة أو الوظائف التي يمكنها القيام بها في إطاره، وطبيعة علاقاتها بأطرافه، وهو ما اصطلح علي تسميته بـ "الدور"([1])، والذي يشكل أحد مكونات سياستها الخارجية([2]).

ولقد قدمت الدراسات العديد من التعريفات لمفهوم الدور، حيث تعامل معه "رالف تيرنر" كمفهوم قيمي، فعرفه بأنه: "مجموعة من القيم التي تشير إلى سلوك متوقع من قبل كيان معين، قد يختلف عن أو يتطابق مع السلوك الفعلي الممارس في وضع معين"، وعرفه "جيمس روزيناو" بأنه: "التوقعات الخاصة لسلوك أو توجهات دولة ما في وضع معين، والتي تتشكل لدى الدول الأخرى، على أنه جوهر السياسة الخارجية للدولة صاحبة الدور"، بينما عرفه "دوران" بكونه : "التعبير عن اهتمامات وغايات الدولة"، و"هولستى" بأنه: "النشاط الخارجي للدولة أين كانت طبيعته سواء كان بهدف القيام بوظيفة معينة في البيئة الخارجية أو تنفيذ التزامات معينة ترتبها المعاهدات التي هي طرف فيها، أو بهدف إبقاء الدولة غير منخرطة في البيئة الخارجية". وفي اطار المدرسة العربية قسم على الدين هلال وبهجت قرني الدور إلى فرعين أساسيين: أحدهما يرتبط بالتوجه أو التصور العام المعبر عن المعتقدات والتصورات المجتمعية، والذي تساهم فيها بعمق عمليات سياسية واقتصادية واجتماعية ودولية ونفسية معقدة ومتعددة المستويات، وثانيهما يتعلق بالسلوك المحدد بشأن قضايا بعينها في إطار زمنى محدد([3]).

ومن ثم، فمفهوم الدور هو مفهوم وظيفي بالدرجة الأولى، سواء من حيث تصور صانع القرار أو من حيث تطبيقه وتنفيذه، ولما كان النظام الدولي يتغير علي ضوء معايير القوة المعروفة، لذا يحتاج صانع القرار الى نفاذ رؤية لإدراك الفرص الدولية المختلفة، كما يحتاج الى معرفة معمقة وذات طبيعة مختلفة لتخليق تلك الفرص، كما يتبلور المفهوم بكونه:"نشاط مكثف ومقصود وذا غاية محددة للسياسة الخارجية لدولة ما في نطاق جغرافي معين، قد يكون إقليمي أو دولي، وتجاه قضية معينة، يتولد معه نمط مميز لسلوك الدولة مختلف عن أدوار الدول الأخرى"([4]).

أ. خصائص الـدور:

الدور كأحد مكونات السياسة الخارجية للدولة يتسم بعدد من الخصائص الأساسية، وهي:

  1. 1. يتجاوز حدود التصور ليرتبط بالممارسة، فأدائه يرتبط بتخصيص الموارد المطلوبة لذلك.
  2. 2. لا ينصرف إلى مجرد تصور صانع القرار له، بل يمتد ليشمل كيفية ممارسته.
  3. 3. يتضمن تصورات صانع القرار للأدوار التي يؤديها أعداؤه، أي يأخذ في الاعتباه أدوار الدولة أو الدول المعادية وكيفية التعامل معها.
  4. 4. يتعدد في ذات الوقت، كدور مصر الاستقلالي خلال الستينيات، ودورها في تحقيق التكامل العربي.
  5. 5. يتباين في المستويات المختلفة إقليمياً ودولياً، وهـوالوضع الأكثر شيوعاً، حيث تلعب الدولة دوراً معيناً على المستوى الدولي، ودوراً آخر على المستوى الإقليمي([5]).

وتتعدد أهداف الدور الخارجي للدول ، والتي يمكن إجمالها في الآتي:

  1. 1. "تغيير الأوضاع القائمة بشكل جذري"، أي القيام بدور تدخلي نشيط في الشئون الدولية، كالدولة "قاعدة الثورة"، وتصورها لدعم وقيادة الحركات الثورية في الخارج.
  2. 2. "تقديم النموذج"، كأن تقوم الدولة ببناء نموذج تنموي داخلي، يمكن أن يشكل نقطة جذب للدول الأخرى، تسعى من خلال تقديمه إلى اكتساب نفوذاً دولياً، كنموذج الدور المصري في حقبة الستينيات.
  3. 3. "تكريس استخدام القوة" في العلاقات الدولية.
  4. 4. "الدفاع الإقليمي" عن مجموعة من الدول في مواجهة عدوان خارجي.
  5. 5. وأخيراً، قد يتخذ الدور"أهدافاً أيديولوجية" يدافع عنها ضد أهداف أيديولوجية أخرى([6]).

ب. مقومات الـدور:

يعتمد الدور الذي تلعبه الدولة سواء إقليمياً أو دولياً على تفاعل مجموعة من المتغيرات بعضها مادي وبعضها غير مادي، وهو ما يطلق عليه "عناصر القوة الشاملة للدولة"، والتي تشكل معاً المقومات الأساسية لهذا الدور وتعكس قوة الدولة، وفي تناوله لأدوار السياسة الخارجية، سلط "هولستى" الضوء على ثلاثة أنواع من الدول في اطار مدخل توازن القوى التقليدي وهم: المعتدون ، والمدافعون ، والموازنون ، وخلص إلى استنتاج أن الاختلالات بين هذه الأدوار تؤدي إلى عدم الاستقرار والصراع، وتشكل فرصة لتغير النظام، كما توصل كل من "وولتز"، و"ميرشايمر" إلى استنتاجات مماثلة([7])، لكن "إدوارد هاليت كار" أدخل عدداً من الأبعاد الاقتصادية والإيديولوجية إلى تلك المعادلة([8])، ومن هنا يمكن الوقوف علي مقومات وعناصر قوة الدولة، التي تؤثر في طبيعة أدوارها الخارجية عبر المتغيرات التالية:

  1. 1. المتغيرات الجغرافية:

حيث يحدد الموقع الجغرافي ذلك المجال الحيوي المباشر لسياسة الدولة الخارجية، وطبيعة التهديدات الموجهة لها، فتوجه الدولة سياستها الخارجية غالباً صوب مجالها الحيوي وفقاً لنظريات ماكندر وسبايكمان وغيرهما، هذا فضلاً عن العناصر الأخرى كالمساحة والتضاريس ومواقع المرور...إلخ، والتي تؤثر سلباً أو إيجاباً في قوة الدولة .

  1. 2. الموارد الاقتصادية والطبيعية والبشرية:

وتشكل الأساس المادي للتنمية الاقتصادية، التي تمكن الدولة من الدخول في علاقات اقتصادية مكثفة، فضلاً عن تأثيرها على قدراتها العسكرية، التي تقودها إلي الدخول في سباق تسلح أو صراعات أو حروب.

  1. 3. المتغيرات المجتمعية:

بما تتضمنه من قيم ثقافية وتقاليد وتجارب تاريخية، تؤثر في تكوين الرأي العام وجماعات الضغط، والإطار الاجتماعي للنظام السياسي، وما يتعلق به من أحزاب وإيديولوجيات وإرادات([9]) .

وإلي جانب تلك المتغيرات الملموسة، فإن هناك عدداً من المصادر غير ملموسة للقوة كالثقافة والعقيدة والمؤسسات ذات الجاذبية، والتي أطلق عليها "جوزيف ناي" اسم"القوة الناعمة"، ووصفها بكونها الطريقة غير المباشرة لممارسة القوة، حيث  تحصل دولة ما على النتائج السياسية التي تريدها لأن بلدانا أخرى تريد أن تتبعها، ومعجبة بقيمها فتقتدي بها، والتي تشكل أهمية تعادل عامل الإجبار باستخدام أو التهديد باستخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية([10])، ولعل كلتا القوتين الصلبة والناعمة ترتبط وتتداخل معاً، لتشكل جوانب القدرة على تحقيق الأهداف بالتأثير في سلوك الآخرين([11]).

ولا جدال في أن امتلاك مقومات القوة بنوعيها، لا يعني بالضرورة قدرة الدولة من لعب دور فاعل، أو احتلال مكانة الدولة القائد في إقليمها، حيث أن ذلك يستوجب وجود إرادة القيادة، فامتلاك الدولة لمثل تلك الإرادة  ولعب دور فاعل في محيطها، يرتبط كما يرى "هولستي" بإدراك تلك الدولة لنفسها كقيادة إقليمية، والذى هو انعكاس لتصورات ومدركات صناع القرار لما تمتلكه دولتهم من عناصر القوة، وطبيعة الفرص التي تمنحها لهم هذه العناصر، ونوعية الدور الذي يتناسب مع حجم الإمكانيات المتوفرة لديهم([12]) .

 

ثانياً. النظام الإقليمي العربي:

حظيت دراسة الأدوار الإقليمية باهتمام كبير خلال العقود الماضية، وذلك تزامناً مع التطور في الدراسات الإقليمية، وبروز أحداث على الساحة الدولية أظهرت الدور المتعاظم للقوى الإقليمية في التحكم بالتفاعلات والأحداث داخل نظمها، مع العجز الملحوظ للقوى الكبرى في التأثير على العمليات السياسية الإقليمية([13]) .

ويصطلح على تسمية الأنشطة التي تمارسها الدول في حدودها الإقليمية بـ "السياسة الإقليمية"، والتي تعرف بكونها: "السلوك السياسي الذي يصدر عن وحدة أو أكثر من الوحدات السياسية، وتعبر عن أهداف ومصالح محددة ضمن إطار الوحدات الأخرى في النظام الإقليمي، انطلاقاً من تركيبة من الاهتمامات والمحددات الإقليمية، وضمن إطار التفاعل الإقليمي"، والتي قد تأخذ شكلاً تصارعياً أو تعاونياً، وفقاً لطبيعة القضايا محل الخلاف، وعلى ضوء توازن واستقرار المصالح تتحدد أدوات السياسات الإقليمية، وشكل التحالفات والأسس التي تستند إليها، ومدى الاستقرار السائد بين دول الإقليم([14]).

والدور الإقليمي يعبر عن تصور صانع القرار لمكانة دولته في محيطها، وطبيعة علاقتها بالقوى الأخرى، والتي من خلالها تتحدد طبيعة سياستها الإقليمية، كما أن السياسة الخارجية لأي دولة لا يمكن فهمها بشكل كامل دون فهم وتحليل البيئة المحيطة لها، حيث تؤثر الأنشطة المختلفة لأي دولة، سواء كانت تعاونية أم عدائية في السياسة الخارجية للأطراف الأخرى([15]). ومن المتعارف عليه، أن الدور الإقليمي لدولة ما لا ينشأ إلا عندما تسعى هذه الدولة للعب ذلك الدور، وتقوم عن قصد بصياغة واعية له ، كما يتحدد بطبيعة التوجه العام لسياسة الدولة في محيطها، وبأهداف تلك السياسة ومدى توافر الموارد اللازمة لتنفيذها، فضلاً عن قبول واعتراف البيئة الإقليمية والدولية بهذا الدور، كي يستقر ويكتسب صفتي الاستمرارية والفاعلية([16]).

وتنصرف الدراسات الخاصة بالأدوار الإقليمية إلى الاهتمام بالأدوار التي تلعبها، أو يحتمل أن تلعبها القوى الإقليمية الفاعلة، والتي تمتلك عناصر القوة التي تمكنها من التأثير بشكل ملحوظ في محيطها، والمشاركة بفاعلية في تفاعلات النظام الإقليمي الذي تنتمي إليه، وهنا يبرز نموذج "مايرز" لدراسة الهيمنة الإقليمية، حيث ميز بين ثلاثة أنواع من الفواعل، وفقاً لاختلاف طبيعة الأدوار وطبيعة السياسة الإقليمية([17])، كالتالي:

  1. 1. المهيمن الإقليمي أو المتطلع إلى الهيمنة:

 وهو دولة أو دول تمتلك أو في طريقها لامتلاك قوة كافية للسيطرة على نظام إقليمي، والمهيمن المحتمل،

 وهو الدولة التي لها القدرة على السيطرة على الإقليم مستقبلاً بالتغلب على جيرانها من القوى الأخرى.

  1. 2. المساوم:

وهو دولة تمتلك قوة كافية للمساومة بفاعلية مع الدول المهيمنة أو الطامحة للهيمنة، حيث يكون في مقدورها جعل نفقات ممارسة نفوذ الهيمنة باهظاً، نظراً لإمتلاكها القدرة الكافية على تحدي القوة المادية والعسكرية والمعنوية للدول المهيمنة أو الساعية للهيمنة.

  1. 3. الموازن:

وهو دولة تقوم بمهام مختلفة داخل النظام، فهي غالباً محايدة في الصراعات بين الطرفين السابقين، وغالباً ما يعهد إليها بمهام الوساطة داخل النظام، وتكون عرضة للإغراء المستمر من قبل الطرفين.

ويتوقف اعتراف البيئة الإقليمية والدولية بدور دولة ما على رؤية القوى الإقليمية والدولية، وإلى أي حد يتوافق أو يتعارض أو يهدد مصالحها، فقد تتوافر لدى طرف إقليمي كافة مقومات القيام بدور إقليمي ما، إلا أن رؤية الأطراف الإقليمية والدولية لهذا الدور تعد عاملاً محدداً لقيام هذا الطرف بالدور من عدمه([18]).

 

وعلى ضوء ما تقدم، فإن الدور الذي تمارسه قوة إقليمية ما، يختلف في تأثيره وفقاً لعاملين رئيسيين:

الأول: القدرات المادية وغير المادية التي تمتلكها تلك القوة على الصعيدين الإقليمي والدولي .

والثاني: العلاقة بين دورها الإقليمي والقوى الدولية التي تستند إليها وفقاً للمصالح المشتركة بينهما([19]) .

والنظام الإقليمي العربي، هو نظام إقليمي مجزأ يتسم بالتنافس ويفتقر إلى وجود بنية أمنية أو ترتيبات أمنية جماعية أو حتى منتدى للحوار، رغم الوجود غير الفاعل لعدد من الآليات كجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الاسلامي، كما لم تتمكن أي من القوى الإقليمية الرئيسة من إنشاء تحالف قوي لتجاوز المنافسين أو احتوائهم، فطغى التنافس والتصارع فيما بين دول المنطقة([20])، ويعانى هذا النظام خلال المرحلة الراهنة من حالة بالغة من الضعف والاختراق الخارجي، في اطار عدد من المخططات الهادفة إلى تفجير المنطقة من الداخل؛ بغرض إعادة ترتيب أوضاعها بما يحقق مصالح قوى طامعة في مقدرات هذه الأمة، فضلاً عن الصراع المحموم على الأدوار([21])، وهو ما دفع الكثير من المحللين والسياسيين إلي ارجاع ذلك إلي غياب الدور المصري، والذي يشكل غيابه ضرراً بالغاً للمصالح المصرية والعربية، وهو ما أكدته التجارب التاريخية ([22])، وهو ما سنتناوله في سياق المبحث التالي.

 

المبحث الثاني

الدور المصري في النظام الإقليمي العربي

 

"إن العالم العربي بدون مصر مثل حلف شمال الأطلسي بدون الولايات المتحدة الأمريكية"، مقولة أطلقها ولي العهد الأردني السابق الأمير "الحسن بن طلال" في نوفمبر 1987، وإن كان بها قدر من المبالغة، إلا أنها تحمل قدراً كبيراً من الحقيقة، حيث تتمتع مصر بثقل إقليمي ممتد عبر تاريخها الطويل، يرتكز على أهميتها الجيوسياسية والاستراتيجية وقدرتها على ضبط أحداث المنطقة([23])، تلك القدرة التي لا تنبع فقط من الموقع، والوزن الديموغرافي، والقدرة العسكرية وفقط، بل أيضاً من ذلك الدور التاريخي والمعاصر لها بوصفها قلب الابداع الثقافي والفكري في العالم العربي([24])، وهو ما يمكن استعراضه من خلال الآتي:

 

أولاً. تطور الدور وأبعاده:

تنتمى مصر إلى عدة كيانات إقليمية، وهو ما يفرض عليها أعباءً كبيرة ومختلفة، فالانتماء العربي لها يمثل التجمع الإقليمي الأول، يليه الانتماء الأفريقي الذي يمثل عمقاً استراتيجياً ترتبط به في أهم مواردها للبقاء والحياة وهو نهر النيل، ثم التجمع الأورومتوسطي الذي يمثل عمق العلاقات التاريخية، فضلاً عن التجمع الشرق أوسطي الذي يجمع عليها العلاقات بتركيا وإيران واسرائيل([25]). ولقد لعبت مصر دوراً إقليمياً فاعلاً ومؤثراً في محيطها، حققت من خلاله مصالحها الوطنية وأسهمت في تعزيز أمن واستقرار المنطقة، في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية([26])، ومر هذا الدور بأربع مراحل متعاقبة([27])، كالتالي:

  1. 1. مرحلة الدور الفاعل:

وهي المرحلة التي صاحبت تولي الرئيس "جمال عبد الناصر" مقاليد الحكم وبروز المد القومي والعربي، حيث اتسم النظام الدولي وقتئذ بثنائية أتاحت لمصر أن تبادر بسياسات إقليمية مستقلة نسبياً، مع قدرة على توظيف إمكاناتها ورؤاها الإقليمية، والوقوف أمام المصدر الرئيس لتهديد الأمن القومي العربي وهو إسرائيل، والمصادر الثانوية (إيران وتركيا)، كما ساهمت في تكوين النظام الإقليمي العربي، ودشنت في إطاره معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية 1950. ولقد اقتضى بلورة هذا الدور وجود رؤية استراتيجية إقليمية لصانع القرار آنذاك، مع رغبة قوية لتوظيف القدرات لخدمة هذا الدور، مع نظرة بعيدة المدى لإمكانيات توظيفه لخدمة الدولة المصرية والحفاظ على الأمن القومي المصري والعربي([28]). فمصر تحت حكم الرئيس عبد الناصر (1954 - 1970)، اعتمدت سياسة خارجية ترتكز على ثلاث دوائر، هي: العربية والإسلامية والأفريقية، ونجحت في تزعم العالم العربي على الصعيدين السياسي والثقافي، ومثلت قوة يحسب حسابها على الساحة الدولية، كما قادت العرب نحو تحقيق حلم القومية العربية، والتحرر من الاستعمار، إلا أن هذا الدور الفاعل قد انتهى فعلياً عام 1979 مع توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل([29]).

  1. 2. مرحلة الدور الواقعي:

وبرزت خلال مرحلة التسوية السلمية مع إسرائيل والدفع بدول عربية أخرى إلى اتباع ذات النهج، وهو الدور الذى انتهى إلى تفكيك النظام العربي إلى تجمعات إقليمية ضعيفة، مع فقدان الدور المركزي لمصر سياسياً واستراتيجياً، عقب اتخاذ الدول العربية لقرارها عام 1979 بمقاطعة مصر، ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس، حيث فشل صانع القرار المصري آنذاك في استخدام أية قدرات تفاوضية مع أعضاء النظام العربي لإقناعهم بوجهة النظر المصرية([30])، وذلك نظراً لأن الرئيس السادات لم يكن معنياً بدرجة أو أخرى باستمرار النظام الإقليمي العربي والدور المصري المركزي فيه، فكانت بداية التحول في السياسة الخارجية المصرية بالتركيز على البعد القطري، والإعلاء منه على حساب البعد القومي. ومن ثم بدأ يتقلص دور مصر أكثر فأكثر، لاسيما مع زيادة ارتباطها الوثيق بمصالح الولايات المتحدة ونفوذها. ورغم نجاحه فى تحرير معظم سيناء عبر العمل السلمى من خلال مبادرة السلام وزيارته للقدس، إلا أنه اخفق فى بناء اقتصاد مصرى سليم نظراً لانتشار الفساد، كما أخفق فى الحفاظ على توازن السياسة الخارجية فى الإطار الدولى، وعجز عن الحفاظ على البعد الإقليمى، ولم يحقق أية ركيزة أفريقية ذات مصداقية([31]).

  1. 3. مرحلة الدور الغائب:

ويمتد عبر المرحلة الطويلة التي عاشتها مصر حتى تنحي الرئيس السابق مبارك في 11 فبراير 2011، والذي تولى الحكم 1981 فبدأت مرحلة جديدة اختلفت عن سلفه فيما يخص الدور الإقليمي والعربي لمصر، حيث رأى ومنذ البداية أن التزام مصر بمعاهدة السلام لا يعنى إلغاء دورها الإقليمي والعربي، الذي تدور حوله مصالح مصر العليا والاستراتيجية، وأنها الدولة المؤهلة لتحقيق التوازن والاستقرار بالمنطقة([32]). ومن ثم شهدت توجهات السياسة الخارجية عدداً من التغيرات عبر إدخال نوع من التوازن، ولكن دون التراجع عن نهج السلام([33])، فأعيدت العلاقات العربية ـ المصرية، وفي أعقابها تمكن مبارك من أن يعقد تحالفاً مع السعودية والأردن والإمارات العربية، أطلق عليه "تحالف المعتدلين"([34])، فشهد النظام الإقليمي نوعاً من الاستقطاب الحاد أفرز محورين أساسيين: أولهما ـ محور الاعتدال بقيادة مصر، وكان أكثر موالاة لسياسات الغرب والولايات المتحدة، وضم السعودية والأردن والمغرب وتونس ودول مجلس التعاون الخليجي باستثناء قطر، وثانيهما ـ محور الممانعة بقيادة سوريا وضم لبنان وحماس وحزب الله وايران([35]).

وانتهج مبارك فلسفة "الثبات فى مواجهة التغير" ولم يستطع أن يبلور مشروعاً نهضوياً قومياً مثل عبد الناصر، ولا مشروع أمن وطنى مثل السادات، وافتقد رؤية الأول وشجاعته، ودهاء الثانى ومناوراته، كما ضعفت وتدهورت علاقاته مع أفريقيا بعد محاولة اغتياله فى أديس أبابا 1995، ولم يستطع تطوير مفهوم إسلامى أوعربى، وإن نجح فى التعامل مع دوائر السياسة الخارجية دون عمق حقيقي، فعلاقاته العربية كانت سطحية، والإسلامية كانت محدودة، فتراجع الدور السياسى لمصر دولياً وإقليمياً([36]).

وفي شأن متصل واجه الدور الإقليمي المصري في القارة الأفريقية أزمة حقيقية، بدأت مع تراجع أولوية الدائرة الأفريقية وقضاياها في اهتمامات السياسة الخارجية، مع تصاعد أدوار المنافسين الدوليين والإقليميين، في ظل جمود الحركة المصرية في تلك المنطقة الحيوية (الدائرة النيلية ومنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي)([37])، حيث توقف مبارك كلية عن المشاركة في حضور القمم الأفريقية، وانشغل مخططو السياسة الخارجية بالدوائر الخارجية الأخرى بعيداً عن الدائرة الأفريقية([38])، وهو ما جعل الفرصة سانحة أمام بعض القوى الإقليمية كإسرائيل وإيران، للتواجد والتقارب مع دول القارة لتحقيق أهدافها ومصالحها وتهديد الأمن القومي المصري([39]). وفي هذا الصدد يعترف "أحمد أبو الغيط" وزير الخارجية الأسبق، بأن مبارك قد أهمل كثيراً الملف الأفريقي، وأن الدور المصري بها قد انزوى بسبب ذلك الإهمال، ما أحدث فراغاً كبيراً، مهد الطريق لتواجد إسرائيلي قوي في مناطق تعد خطراً كبيراًعلى الأمن القومي المصري والعربي([40]).

واجمالاً فإن الدور الإقليمي لمصر قد تأثر وبشدة ما بين 1991-2011، حيث شهدت تلك الفترة تحولات خطيرة في التوازنات الإقليمية، علي إثر قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بتوظيف القدرات الإيرانية ضد الدور المصري، والترويج العلني لدور إقليمي فاعل لإيران، فلم يعد لمصر دوراً مؤثراً في القضايا المختلفة كفلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال([41]). وهكذا انتهى عهد مبارك والسياسة الخارجية المصرية تتعرض لانتقادات حادة انصبت بالدرجة الأولى على ضعف وتراجع دور مصر الإقليمي والدولي، وأن مصر قد اصبحت في حالة من التبعية للولايات المتحدة وسياساتها وخططها في المنطقة([42])، فضلاً عن تبنى مواقف ضعيفة ومترددة، فانخفضت أهمية مصر في المنطقة إلى إدني مستوياتها([43]) .

  1. 4. مرحلة الدور الواعد:

وهي المرحلة التي كانت نتاج عدد من المتغيرات التي أفرزتها ثورة 25 يناير 2011، وفى مقدمتها التخلص من الحكم التسلطي والتحول إلى نظام أكثر انفتاحاً، وترسيخ التعددية، وتدشين رؤية مصرية مختلفة للتفاعل مع الآخرين، حيث ثار الجدل وبقوة حول الدور الإقليمي المصري، وإن مصر تستطيع اتباع سياسة خارجية أكثر تأثيراً في منطقتها، عبر مواقف تتسم بالقوة والجرأة، بعيداً عن سياسة الانكفاء على الذات، واسترضاء الولايات المتحدة وعدم الحزم مع إسرائيل([44])، فأنطلقت الآمال حول إمكانية اعادة الاعتبار للدور الخارجي المصري علي الصعيدين الإقليمي والدولي، إلا أن تلك الآمال لم تشهد تحققاً خلال تلك المرحلة التي تقلد فيها المجلس العسكري حكم البلاد، حيث كان جل الاهتمام هو تحقيق الاستقرار والسيطرة علي الأوضاع الداخلية والحيلولة دون انهيار الاقتصاد، مع ضبط الحدود ومواجهة العناصر الارهابية، وهي الجوانب التي طغت علي أية أحلام أو آمال تتعلق بدور إقليمي أو عربي، وإزداد الأمر سوءاً مع تولي الرئيس المعزول "محمد مرسي وجماعة الإخوان السلطة في يونيو 2012([45]) .

حيث أنه وعلي إثر إعلان جماعة الإخوان عن نهجها الخارجي إزاء الأمة العربية عبر سياسات التدخل في شئون دولها الداخلية، ودعم جماعات وتنظيمات معادية للأنظمة في منطقة الخليج، فضلاً عن التصريحات العدائية لعدد من قادتها والمتحدث باسمها، تدهورت علاقات مصر بعدد من قوي المنطقة كالسعودية والامارات وسوريا وغيرها، وفقدت مصر المزيد من قدراتها علي ممارسة أي دور إقليمي، وهو ما ساهم إلي جانب عوامل أخري في اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، التي اطاحت بالرئيس مرسي من الحكم([46])، بعدما أخضع الهدف الأيديولوجي للواجبات الاقتصادية والأمنية للبلاد، وفشل في إقامة علاقات وثيقة مع دول الجوار، ولم يبد أي اهتمام بالقضايا الإقليمية، حيث ربط سياسته الخارجية بالضروريات الحالية القائمة، مع طغيان البراجماتية الأيديولوجية السياسية المشددة([47])، ومن ثم كان عزله موضع ترحيب من قبل قادة الدول الخليجية، الذين رأوا في صعود جماعة الإخوان تهديداً لعروشهم([48])، حيث قدموا الكثير من المساعدات لمصر، قدرت بما تجاوز 39.5 مليار دولار منذ عام 2013، (25 مليار نقدًا و 14.5 مليار مواد بترولية)([49]).

ومع تولي المستشار"عدلي منصور" رئيس المحكمة الدستورية العليا الحكم لفترة انتقالية، بدأت مصر في تبني نهج أكثر تصالحية ودبلوماسية داخل محيطها الاقليمي، فتجددت الآمال في استعادة مصر لمكانتها الإقليمية، حيث راهن الكثيرون علي قدرته علي إيجاد حلول للقضايا الإقليمية المزمنة، والإسهام في تفعيل التضامن العربي وإصلاح العلاقات البينية العربية([50])، إلا أن ذلك لم يتحقق بالقدر المأمول حتي تولى الرئيس السيسي الحكم، وهو ما سيكون محلاً للتحليل في سياق المبحث التالي.

 

ثانياً. محددات الدور المصري إقليمياً وعربياً:

لا جدال في أن الدور المصري إقليمياً وعربياً يتوقف على قدرات السياسة الخارجية المصرية، والقيود التي تعمل في اطارها، وفقاً لتصور "داويشا" عند حديثه عن السياسة المصرية في العالم العربي، حيث حدد القدرات بأنها: "أية مساهمة إيجابية حقيقة أو مدركة في إنجاز أهداف السياسة الخارجية"، والقيود هي: "تلك العوائق التي تقف دون مساعي سياسة خارجية ديناميكية"([51])، ولعل تلك المحددات تنقسم إلي نوعين:

أ. المحددات الخارجية:

أي تلك الخارجة عن سيطرة صانع القرار المصري، ويمكن الإشارة هنا إلى:

  1. 1. التغيرات التي حدثت في البيئة الدولية، وشكلت منعطفاً هاماً في توازنات القوى منذ تسعينات القرن الماضي، كانهيار المنظومة الاشتراكية، وبروز الدور الأمريكي العالمي، وما ترتب عليه من إعادة فك وتركيب الأدوار الإقليمية للدول بما فيها مصر.
  2. 2. الارتباط القوي بين القاهـرة وواشنطن، والذي أثر ولازال بشكل سلبي على حيوية الدور المصري وفاعليته، ومدى قدرته ومسارات حركته في أحيان كثيرة([52]).
  3. 3. التغيرات التي لحقت بالبيئة الإقليمية، عقب حرب الخليج الثانية 1991، وتغير المعادلات الإقليمية بعد تفكك الصف العربي وانقسامه، وما ترتب عليه من ظهور الدور المصري أقل جاذبية، وانحساره خلف التدخل الأميركي الفج بالمنطقة، والذي ارتبط بعلاقات ومصالح وثيقة مع دول أخرى غير مصر.
  4. 4. التطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية عقب توقيع اتفاقات أوسلو، والتي قللت إلى حد كبير من حيوية الدور المصري في رعاية عملية السلام، التي قادتها بكفاءة الولايات المتحدة([53]).
  5. 5. التغيير الذى لحق بموازين القوى الإقليمية وأجندات الدول، حيث صار لدول الجوار الجغرافي كتركيا وايران، دوراً أساسياً في تحديد أنماط وأشكال التفاعلات السياسية والعسكرية الاستراتيجية بالمنطقة.
  6. 6. الدور المزدوج الذي قامت به إسرائيل مع الولايات المتحدة لتطويق الدور المصري في المنطقة، مستهدفة ليس فقط الحد منه والحط من قدره، بل أيضاً تحجيمه والإحلال محله مستقبلاً.

ب. المحددات الداخلية:

أي تلك التي تقع داخل نطاق الدولة وترتبط بالتكوين البنيوي لها، والتي من خلالها يمكن لمصر أن ترسم وتحدد أهداف وتوجهات سياستها الخارجية([54])، وفي هذا الاطار يبرز الآتي:

  1. 1. ضعف مظاهر القوة الشاملة للدولة (اقتصادية ـ عسكرية ـ سياسية ـ ثقافية ـ إعلامية)، وهى الأدوات التي تعتمد عليها الدولة من أجل لعب دور فاعل على المستوى الإقليمي.
  2. 2. نوعية النظام السياسي، والذي يرتبط بشدة بطبيعة السلوك الخارجي للدولة، ولعل بروز نظام غير ديمقراطي في مصر يولد عدداً من العداوات والخلافات الإقليمية، وقد يدفع الآخرين إلى العمل على تحجيم ذلك وردعه بكافة الوسائل، بما فيها العسكرية أو عن طريق توريطها في صراعات مسلحة.
  3. 3. طبيعة الممارسة السياسية، والتي تكون داعمة ومحفزة على تمتين التعاون مع الدول الأخرى، اذا غلبت عليها سمة التوافق والتماسك الداخلي، أما إذا كانت تنافسية وصراعية، حيث تسعى كل جماعة سياسية إلى الاستئثار بالقوة دون الغير(الاقصاء)، فتكون النتيجة تمزق العملية السياسية، وزيادة حدة الضغوط المفروضة على صناع القرار والبيئة المحيطة به، بما يحمله ذلك من عواقب وخيمة على طبيعة المخرجات السياسية والسلوك السياسي للدولة.
  4. 4. ضعف الأداء الداخلي للحكومة المصرية، والذي بدوره أثر على قوة الدور الإقليمي للدولة، حيث أن النجاح في تحقيق معدلات نمو اقتصادي وتنمية حقيقية، ينعكس في زيادة حجم الناتج القومي الإجمالي وزيادة الصادرات ودرجة الاعتماد على الذات واجتذاب الاستثمارات الأجنبية وتدعيم المؤسسات المالية...الخ، وبالتالي النجاح في تدعيم العلاقات الايجابية مع الدول الأخرى، بما يسهم في تفعيل السياسة الخارجية للدولة، في حين أن الفشل في ذلك يشكل عائقاً كبيراً أمام اعادة بناء الدولة وحماية النظام، مع استمرارية أجواء عدم الاستقرار التي تنعكس بالسلب على كافة الجوانب، وبصورة أكثر خطورة على السلوك الخارجي للدولة.
  5. 5. التحولات التي طرأت على العقل المصري، وشكلت في مجملها الاقتناع بمنطق الاهتمام بالداخل علي حساب الخارج سواء العربي أو الإقليمي، من منطلق أن هذا الخارج قد استنفد القدرات المصرية ونال منها بشكل كبير، مع المطالبة بتوقف مصر عن لعب دور "البطل" في القضايا العربية والاقليمية([55]).

وفي هذا الشأن يرى السفير عبد الرؤوف الريدي أن صنع السياسة الخارجية لا يخضع لإمكانات الدولة وقدراتها المختلفة فحسب، وإنما يتأثر سلباً وإيجاباً بالبيئة الدولية والإقليمية([56])، ومن ثم تبرز هنا عدد من القواعد الحاكمة لدور مصر الإقليمي والعربي، ينبغي أن يدركها جيداً صانع القرار المصري خلال تلك المرحلة([57])، وهى:

  1. 1. أنه لا مكان لنظرية الفراغ في المحيط الإقليمي، ففي اللحظة التي تغيب فيها مصر أو تغيِب تظهر الدول الطامحة والطامعة لملء الفراغ.
  2. 2. إن الدور الإقليمي ليس قدراً مقدوراً لكنه اختيار سياسي، حيث يحدد النظام السياسي ماهية المصلحة الوطنية وحدودها وقدرته على القيام بمتطلبات هذا الدور.
  3. 3. يستند الدور الإقليمي إلى عناصر القوة الشاملة للدولة ـ الصلبة والناعمة ـ وتوظيفها بشكل متناغم، بما يخدم المصالح الوطنية العليا‏،‏ ومن ثم لن تستعيد مصر دورها الإقليمي ما لم تكن قادرة على ضبط شئونها الداخلية علي كافة الأصعدة.
  4. 4. إن الدور الإقليمي كما وأن له عائد فإن له ثمن، فليس هناك أدوار مجانية، ويتوجب علي مصر دفع هذا الثمن كي يكون دورها الإقليمي أحد مواردها الكبرى.
  5. 5. هناك علاقة طردية بين قدرة النظام السياسي على تولى القيادة الإقليمية وقدرته على أداء الدور في ذات المحيط، وتظل وظيفة القيادة الإقليمية هي بلورة النظام وقياس لمدى فاعليته.
  6. 6. تخضع قيادة أي نظام إقليمي لأنماط أربعة حاكمة لاختيارها السياسي وهى: نمط الإمكانيات والقدرات، ونمط السياسات، ونمط التحالفات، ونمط الصراعات.
  7. 7. يظل دور مصر الإقليمي محكوماً بالتفاوت القائم بين الطموح والافتقار للموارد، ويظل هذا الدور انعكاساً واضحاً لمستوى قدرات الدولة الذاتية.
  8. 8. إن قدرة مصر على المساومة مع القوى العظمى، ولاسيما الولايات المتحدة تتناسب طردياً مع قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي.
  9. 9. هناك علاقة عكسية بين قوة الدولة المصرية وتغول القوى الكبرى، ففي لحظات ضعف الدولة يتوحش دور القوى الدولية والإقليمية المهيمنة، فكلما ضعفت مصر كلما استأسدت عليها الولايات المتحدة واجبرتها على تقديم المزيد من التنازلات التي تنتقص من هذا الدور.
  10. 10. تقع مصر بالفعل بين مثلث قوى إقليمية تتمدد على حساب دورها، أولاها القوى الصلبة ممثلة في إيران، وثانيها القوى الناعمة ممثلة في تركيا، وثالثها الدولة الوظيفية ممثلة في إسرائيل.

 

المبحث الثالث

طبيعة الدور المصري خلال فترة ولاية الرئيس السيسي الأولى 2014 ـ 2018

 

أولاً. تطور الدور وأبعاده:

في الثامن من يونيو 2014، أدى الرئيس "عبد الفتاح السيسي" اليمين الدستورية كرئيس للبلاد، بعد فوزه في الانتخابات بنسبة 96.91 % في ظل مشاركة عامة قدرت بـ 47.3 %([58])، ومنذ البداية لم يكن الرئيس راضياً عن تراجع دور مصر على الساحة الدولية، فعمل علي استعادة تلك المكانة التي حظيت بها ابان حكم الرئيس عبد الناصر، والتي تدهورت بصورة كبيرة خلال فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك، منادياً بتفعيل لقب مصر الراسخ "أم الدنيا"([59])، ويمكن رصد جهوده في اطارالتالي:

  1. 1. في الدائرة العربية والإسلامية:

امتدت تصريحات الرئيس السيسي فيما يخص سياسة مصر الخارجية إلى ما هو أبعد من الإشارة إلى دوائرها الثلاث التقليدية المتبناة منذ الخمسينات (العربية والإفريقية والإسلامية)، إلي جانب الربط المعتاد ما بين الأمن القومي المصري والعربي، مع التركيز بقوة على العلاقة الوثيقة بين الأمن المصري والخليجي إلى حد مساواة الاثنين، حيث صرح: "أنه على استعداد لارسال قوات عسكرية مصرية للدفاع عن الخليج"([60]).

ولقد فكر الرئيس مبكراً في إعادة ضبط وصياغة تلك السياسة، فشرع في اتخاذ العديد من الخطوات على الصعيدين الداخلي والخارجي لتعزيز نقاط القوة، ودمجها بمزيد من المرونة والبراجماتية، مع توسيع نطاق الخيارات الدولية بطريقة تعزز المصالح المصرية، ومن ثم برزت عدد من الخطوط الواضحة تعكس جوانب سياسته الخارجية([61])، والتي تشكلت كمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوستراتيجية والإيديولوجية، فضلاً عن مساهمة الوضع الاقتصادي في تعميق العلاقات مع دول بعينها([62])، كما عكست تصريحاته وتحركاته مدى إدراكه بأن المحيط العربي هو المجال الحيوي والطبيعي لدور مصر الخارجي، وأنه يجب استنهاض هذا الدور لمواجهة المخططات الخارجية التي تستهدف المنطقة، وذلك انطلاقاً من فهم عميق للأمن القومي المصري بمعناه الشامل، وهو ما عبر عنه حين أكد: "أن أمن مصر جزء لا ينفصل عن الأمن القومي العربي، وأن مصر عليها التزام قومي وتاريخي ومصلحي بحماية الأمن القومي العربي، باعتباره مصلحة وطنية فى المقام الأول وقومية في المقام الثاني"([63]).

ومن هنا شهدت السياسة الخارجية المصرية نقلة نوعية، بدأت مع تحركات الرئيس على المستويين الدولي والاقليمي، بعد فترة طويلة من الركود تقلص خلالها الدور المصري، وغلب عليه الانحياز للأسهل وعدم الفعل وتجنب اتخاذ القرارات أوتحمل التبعات، حيث كانت الحركة ظاهرية تهدف فقط إلي الحفاظ على الأوضاع القائمة، حتى صار ذلك هدفاً في حد ذاته([64])، فقام الرئيس بإعادة بناء التحالفات المصرية مع دول الخليج، وبخاصة السعودية والإمارات العربية، اللتان تدهورت العلاقات معهما إبان فترة حكم الإخوان([65])، وانصب التركيز على تعزيز تلك التحالفات، التي تعتبر ـ من منظوره ـ المفتاح لتعزيز المصالح الوطنية لمصر في مجموعة متنوعة من الجوانب والمجالات([66])، كما راوده الأمل في استخدام ذلك للضغط على الولايات المتحدة والقوى الغربية لاحتضان نظامه، وهو ما تحقق بالفعل حيث دعت دول الخليج دول العالم إلى قبول نظام الرئيس السيسي، ودعمت مصر مالياً وسياسياً، ولعل هذا الدعم كان يرمي إلي هدفين أساسيين، وهما:

أ. جعل مصر حصن ضد الإسلام السياسي وبخاصة جماعة الإخوان.

ب. تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة وخلق حاجز أمام تدفقه، من خلال جعل مصر بمثابة رادع سني قوي ضدها([67]).

وفي ذات الاتجاه، تم تدشين مجموعة من الخطوات لتقوية العلاقات مع تلك الدول، منها:

أ. تعيين مبعوث مصري خاص إلى دول مجلس التعاون الخليجي للعمل علي وضع سياسات لتطوير التعاون نحو صيغة التحالف، فضلاً عن التفكير في آفاق مستقبل الإقليم والتحديات وسيناريوهات التعامل.

ب. إجراء حوار استراتيجي مصري خليجي، يعقد مرتين سنوياً بالتبادل، تمحور بداية حول حصول مصر على صفة مراقب بمجلس التعاون الخليجي، تمهيداً لترشيحها للعضوية الكاملة.

ج. تفعيل مجالس رجال الأعمال المشتركة بين مصر ودول الخليج، وتنظيم اللقاءات الدورية بين المصدرين، وإلغاء القيود القائمة بين الجانبين، من أجل الإرتقاء بالأوضاع الاقتصادية للتحالف المشترك.

د. تشكيل لجنة لإدارة الأزمات في وزارة الخارجية، من أجل حل مشكلات الجاليات المصرية بتلك الدول .

هـ. تدشين ملتقى ثقافي مصري خليجي سنوي، بهدف التعريف بركائز العلاقات المصرية الخليجية ، ودور مصر في بناء الخليج ودور الخليج في دعم مصر خاصة في فترة الأزمات([68]).

وفي هذا السياق، أقامت مصر والسعودية علاقات وثيقة، حيث بلغ التعاون العسكري والاستراتيجي بين البلدين مستويات غير مسبوقة، تجلى خلال زيارة العاهل السعودي لمصر في عام 2016، حيث وقع البلدان العديد من الاتفاقيات، بما في ذلك تسوية النزاع الحدودي على جزيرتي تيران وصنافير، وبناء جسر يربط البلدين عبر البحر الأحمر، وفي مارس 2018 وافقت الدولتان على تطوير المنطقة الممتدة على الحدود بينهما، مع إنشاء صندوق استثماري بـ 10 مليارات دولار لهذا الغرض، كما تكثف التعاون العسكري بينهما منذ 2015، حيث أعلنت السعودية عن إطلاق تحالف عسكري بمشاركة مصر ودول الخليج والدول الإسلامية لدعم الرئيس اليمني عبد ربه هادي ضد ميليشيات الحوثي، كما انضمت مصر إلى التحالف العسكري الإسلامي الذي أنشأته الرياض لمكافحة الإرهاب، وفي فبراير 2016 انضمت مصر إلى المملكة في تدريب عسكري ضخم ضم قوات من 20 دولة، أطلق عليه "رعد الشمال"، وفي مارس 2018 شاركت القوات المصرية في التدريبات المشتركة "درع الخليج 1"، والتي جرت أيضاً علي أرض المملكة، كما شاركت في المناورات المشتركة تبوك 3 وتبوك 4، في غرب المملكة، وشاركت البحرية من كلا البلدين في عدة مناورات مشتركة كان آخرها "تحية النسر" في أغسطس 2018([69]).

إلا أن ذلك التناغم لم يدم طويلاً، حيث كان لتوجهات الرئيس السيسي ثمنها، فنتيجة لتفضيله لبشار الأسد وعدم استعداده للتورط في اليمن، أن أعلنت الرياض عن وقف المساعدة النفطية لمصر، كما حدث قدر من التريث من قبل الإمارات فيما يتعلق بالاستثمارات المستقبلية في مصر، حيث برز الاختلاف وبشكل حاد بين الرئيس السيسي وحلفائه الخليجيين حول النزاع السوري، فقد مالت دول الخليج إلى رؤية هذا النزاع من منطلق مخاوفها من النفوذ الإيراني، فدعمت بشدة الإطاحة بنظام الأسد المدعوم من إيران، عبر مختلف الجماعات الإسلامية السنية المتمردة، والتي يرتبط بعضها بتنظيم "القاعدة" أو يتعاون مع فروعه، في حين كان الرئيس السيسي أقل قلقاً بشأن النفوذ الإيراني، من قلقه مما سيترتب عليه من نتائج لو اصبح لتلك الجماعات اليد العليا في المنطقة، ومن ثم أعربت مصر صراحة عن اختلافها مع حلفائها الخليجيين في هذا الشأن([70])، كما رفضت مصر اتباع خطى السعودية، وتجنبت المشاركة في أي تحرك يتجاوز التعبير عن المشاعر المناهضة لإيران، مع رفض الاستقطاب الطائفي([71])، ولم تلعب أي دور في الحرب الدائرة في سوريا أو ليبيا، بل أن الرئيس السيسي عارض علناً التدخل في كلتا الدولتين، مفضلاً دعم الجيوش الوطنية، ومقدماً الدعم المعنوي لنظام الأسد([72])، انطلاقاً من إدراك أن الحفاظ على الدولة السورية وحماية أمنها القومي هو جزء لا ينفصم عن الأمن القومي المصري. ولقد شاركت مصر وبصورة سرية في عدد من الأمور التي تتعارض مع السياسة السعودية، حيث سهلت الحوار السري بين شخصيات المعارضة المعتدلة والنظام السوري، بهدف الانتقال الآمن للسلطة والحفاظ على بقاء الدولة موحدة، ووقف صعود تنظيم "داعش"

 وسياسات القوى الطائفية([73]).

علي جانب آخر، لعبت مصر دوراً محورياً لإيجاد حل سياسي للنزاع في ليبيا، حيث استضافت القاهرة في أغسطس 2016، عدة لقاءات حضرها ممثلون عن الفصائل الليبية لمناقشة التسوية السياسية للصراع، وواصلت مصر دعمها للجنرال "خليفة حفتر" والجيش الوطني الليبي والقوى الموالية للحكومة في طرابلس، وتواصلت مع زعيم مجلس الرئاسة الليبي "فايز السراج"، وتوسطت بين الخصمين خلال زيارتهما للقاهرة في فبراير 2017، كما اقترحت مبادرة لتوحيد الجيش الليبي، حازت على ثناء العديد من الفصائل، وفضلاً عن ذلك عملت مع تونس والجزائر في محاولة للتوصل إلى اتفاق بين جميع الأحزاب الليبية([74])، كما تبنت مصر مبادرة دول الجوار التي ترتكز على ثلاثة مبادئ وهي: احترام وحدة وسيادة ليبيا وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في الشئون الداخلية لليبيا، والحفاظ على استقلالها السياسي، والالتزام بالحوار الشامل ونبذ العنف([75]).

كما لعبت مصر دوراً رمزياً في الحرب باليمن، حيث رفضت دعوة بن سلمان للانضمام إلى تحالف عسكري سني لمحاربة الحوثيين، نظراً لعدم الرغبة في الدخول في حرب بالوكالة ضد إيران([76])، وقدمت فقط إسهاماً محدوداً في التحالف العربي، حيث نأت بنفسها عما ثبت لاحقاً أنها حرب كارثية باهظة التكاليف([77])، وهو ما أثار استياء حلفائها الخليجيين، ومن ثم أصبحت الحرب في اليمن وعلى نحو متزايد نقطة احتكاك مع تلك الدول خلال الأشهر الأخيرة، حيث قاوم الرئيس السيسي مناشدات السعودية بإرسال المزيد من القوات، وكان مدفوعاً في ذلك بالتجربة المريرة عام 1966، فضلاً عن رغبته في تجنب التورط في المستنقع اليمني، مفضلاً الاهتمام بالمشكلات الداخلية عن الانخراط في حرب سنية شيعية تزيد من اشتعال المنطقة([78]).

وفيما يخص قضية العرب الكبرى "القضية الفلسطينية"، والتي لعبت فيها مصر دوراً تاريخياً فاعلاً منذ حرب 1948، واستمرت منذ ذلك الحين مدافعة وبقوة عنها من أجل زيادة الاستقلالية والسيطرة الفلسطينية، كماعملت كوسيط للسلام فيما بين الطرفين([79])، إلا أنه حدث قدراً من التغير الملحوظ في السياسة المصرية في هذا الصدد، حيث برز العداء الواضح والصريح لحركة حماس، بل واتهامها رسمياً وإعلامياً بأنها حركة إرهابية، شاركت فى قتل المصريين إبان ثورة يناير وقتل الجنود فى سيناء، بل وصل الأمر إلى حد حظر أنشطتها فى مصر بحكم قضائى، فضلاً عن التماهى مع السياسة الإسرائيلية ضد حركات المقاومة وانتهاج نفس خطابها السياسى، وهو ما أفقد مصر ورقة ضغط كانت تستخدمها ضد أطماع السياسة الأمريكية والصهيوينة فى المنطقة، فضلاً عن فقدانها لقدر من المشروعية الأخلاقية المتمثلة فى دعمها التاريخى للقضية([80])، ومع ذلك جددت مصر في عهد الرئيس السيسي جهودها لتحقيق المصالحة بين الفصائل المتناحرة "حماس" و "فتح"، حتى وقع الطرفان اتفاق مصالحة بالقاهرة في 12 أكتوبر 2017([81]).

  1. 2. في الدائرة الأفريقية:

كان موقف مصر داخل القارة يتسم بالتراجع الشديد والمستمر، ولاسيما خلال السنوات الثلاث الأخيرة قبيل تولي الرئيس السيسي الحكم([82])، والذي أولى اهتماماً خاصاً لقضية تدفق مياه النيل إلى مصر، ووعد بتأسيس لجنة مصرية خاصة لإدارة هذه القضية ذات العمق الاستراتيجي والاقتصادي([83])، وفي عهده بدأ إعادة التعامل مجدداً مع القارة بعد عقود من التجاهل، وإدارة ذلك الخطر المتمثل في نشوب حرب مع إثيوبيا بسبب أزمة سد  النهضة([84]).

ولقد نجح الرئيس السيسي في فرض الوجود المصري على الساحة الأفريقية، وكسر الحصار الذي فرض علي مصر من قبل بعض أقطاب القارة في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، كما أدار ما يمكن وصفه بفك الارتباط بين الملفات المختلفة، وجعل ملف مياه النيل ملفاً ثنائياً بين مصر ودول الحوض([85])، وفي 26 يوليو 2014 سجل أولى إنجازاته في هذا الشأن، بإعادة مصر إلى صفوف قمة الاتحاد الأفريقي، حيث شارك في القمة التي عقدت بغينيا الاستوائية، وقال في كلمته: "إن الشعب المصري يعتز بانتمائه إلى أفريقيا، وإن مصر وإن غابت لفترة من الوقت عن أفريقيا لن تبخل يوماً بعقول أبنائها لبناء الكوادر، ولا يخفى أن الشعب قد تألم حينما وجد الاتحاد يتخذ موقفاً مغايراً لإرادة الشعب"([86]). ثم سعى إلي المشاركة بشكل بناء مع إثيوبيا ودول الحوض لإيجاد حل ودي لمعضلة تقاسم المياه، بما لا يهدد المشاريع التنموية لتلك الدول([87])، فتم الاتفاق في مارس 2015 مع أديس أبابا والسودان على المشاركة السلمية وتقاسم المياه، ما أدى إلى خفض العلاقات المتوترة والعدائية بين القاهرة وجيرانها الجنوبيين، والتي استمرت لعقود([88])، كما مررت مصر استراتيجيتها فى مجلس السلم والأمن الأفريقي بشأن التعامل مع الجماعات المتطرفة والإرهابية وإحياء تجمع دول الساحل الصحراء من خلال استضافة وزراء دفاع التجمع في قمة هامة بشرم الشيخ، وفعلت المحور الاقتصادي التنموي من خلال إعطاء الزخم السياسي والدبلوماسي للتجمعات الاقتصادية الأفريقية، مع استمرارية الدبلوماسية الناعمة عبرالوكالة المصرية للتنمية، التي تدرب العشرات من مختلف الدول الأفريقية في مختلف المجالات، وتوسيع دور الأزهر الشريف خاصة في دول الحزام الإسلامي([89]).

وبصورة اجمالية، فإن السياسة الخارجية المصرية في السنوات الأخيرة قد ارتقت إلى مستوى إيجابي غير مسبوق، لتتسم بالتقارب مع مختلف الدول، والتوازن الشديد بين القوى الدولية، وطرق أبواب دول ومناطق جديدة، فضلاً عن تدشين علاقات وطيدة لا تؤثر فيها الخلافات مع الأشقاء العرب والأفارقة([90])، ولعل أهم التطورات خلال تلك المرحلة يكمن في تمتين التحالفات الإقليمية، وبخاصة مع دول الخليج، وتطويرها على نحو يشكل نواة لتحالف جديد متماسك يطلق عليه في الأدبيات "المثلث الاستراتيجي"، والذي يضم كلا من مصر والسعودية والإمارات([91]). كما اتسمت تحركات مصر الخارجية خلال الآونة الأخيرة بالحرص الشديد على الاندماج الكامل مع القرار العربي، انطلاقاً من رغبة حقيقية أن تصبح مصر طرفاً فاعلاً فيه([92])، وعملت علي فرض عدداً من الأولويات على العمل العربي المشترك، وذلك بهدف استعادة دور جامعة الدول العربية، وقامت بجهود واضحة لمكافحة الإرهاب والتصدي لمحاولات إسقاط الدول العربية([93])، كما شكل دعم استقلالية القرار الوطني، وتخليصه من كافة مظاهر التبعية، وصياغة العلاقات الخارجية على أسس من الندية والشراكة والمصالح المتبادلة، أحد أبرز مبادئ السياسة الخارجية المصرية خلال تلك المرحلة([94]).

 

ثانياً. سمات وخصائص الدور المصري خلال تلك المرحلة:

وفي هذا الصدد يمكن الوقوف علي عدد من الملامح أو الخطوط العـامة التي تعكس الاستراتيجية الخارجية

 للدولة المصرية في عهد الرئيس السيسي منذ يونيو 2014، والتي تتمثل في الآتي:

  1. 1. استعادة الاستقرار الداخلي، وخاصة في الجانب الأمني ومواجهة الإرهاب، وذلك كأولوية أولي تمهد للانطلاق الخارجي.
  2. 2. الاستقلال الاقتصادي والقوة العسكرية ـ وذلك من خلال القضاء علي الاختلالات الهيكلية للاقتصاد المصري عبر سلسلة من الخطوات الاصلاحية الحاسمة، بما ينعكس خارجياً في جانبين: الأول ـ استعادة الثقة الدولية في الاقتصاد المصري، والثاني ـ تأكيد الاتجاه باستقلالية القرار السياسي المصري، وبالتزامن مع ذلك إجراء حركة تحديث شاملة وغير مسبوقة للقوات المسلحة، شملت القدرات التسليحية والتدريب، رفعت من مكانة وترتيب الجيش المصري ليصبح ضمن العشر الكبار على مستوى العالم.
  3. 3. استعادة منظومة الأمن الإقليمي العربي، حيث انطلقت مصر إلى تحركات اقليمية واسعة استهدفت ايقاف حالة السيولة التي ضربت تلك المنظومة منذ 2011، مع جعل مواجهة الإرهاب والتصدي لمواجهة اسقاط الدول العربية فلسفة حاكمة لتحركاتها.
  4. 4. إعادة مصر لواقعها الإفريقي، حيث انغمست مصر أفريقياً بوضوح خلال السنوات الثلاث الماضية، ونجح الرئيس السيسي في فرض الحضور المصري على الصعيد الافريقي، وتمكن من كسر الحصار الذي فرض عليها بعد ثورة 30 يونيو 2013.
  5. 5. استعادة التوازن للعلاقات مع القوى الدولية، حيث اعتمدت مصر سياسة الانفتاح على كل القوى المؤثرة، وبذل الجهود لتوضيح الصورة الحقيقية للواقع الجديد في مصر، مع تبني مبادئ الندية والالتزام والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية كمبادئ أساسية في تفاعلاتها الدولية.

ومن ثم، يبدو جلياً مما تقدم أن الاستراتيجية التي يتبعها الرئيس السيسي علي المستوى الخارجي تسير بخطى واضحة وقوية صوب هدف أساسي وهو أن تبقى مصر الدولة المركزية الأهم ومفتاح المنطقة، وأن تحتفظ بقدرتها على صيانة مصالحها وأمنها القومي، الذي اتسع نطاقه ليتجاوز بكثير الحدود المصرية([95]).

 

المبحث الرابع

تحديات الدور المصري خلال فترة ولاية الرئيس السيسي الأولى 2014 ـ 2018

 

أولاً. طبيعة التحديات وأبعادها:

تشير تطورات الأحداث فى المنطقة والعالم إلي بروز وتضاعف القيود على السياسة الخارجية المصرية، مع توافر عدد من الفرص والإمكانات التي يجب استغلالها، فضلاً عن وجود الكثير من التحديات الخطيرة، والتي يمكن اجمالها في الآتي:

أ. علي المستوى الداخلي:

حيث واجه نظام الرئيس السيسي عدداً من التحديات خلال تلك المرحلة، لعل أبرزها:

  1. 1. الاختلالات الداخلية، والتي شكلت رأس قائمة أولويات الرئيس خلال هذه الفترة، وتحديداً مواجهة الإرهاب والتطرف، وضرورة تجديد الخطاب الديني ، والاستقرار السياسي بوجه عام([96]).
  2. 2. تدهور الأوضاع الاقتصادية تدهوراً غير مسبوق، وتراجع الأداء الاقتصادي إلى معدلات متدنية، وانخفاض الاحتياطي النقدي، مع تدهور الخدمات والبنية الأساسية، وارتفاع مستوى البطالة، كنتيجة لعدم الاستقرار السياسي والأمني، ولعوامل البيئة المحيطة التي باتت مصدراً للتهديدات المتزايدة من مختلف الاتجاهات([97]).
  3. 3. القضايا والمشكلات الداخلية، والتي فرضت عدداً من التحديات الكبيرة، ومنها تزايد عدد السكان بمعدلات فاقت بكثير معدل النمو الاقتصادي، ما شكل عبئاً كبيراً عطل مسيرة التنمية الاقتصادية، ودفع الدولة صوب الاعتماد على الديون الخارجية، وأدخلها في ارتباطات دولية شديدة التأثير على سياستها الخارجية([98]).
  4. 4. استمرارية التحديات الأمنية الخطيرة في شبه جزيرة سيناء والصحراء الغربية، والتي شكلت جل اهتمام القيادة السياسية، وعكست انفصال مصر عن محيطها، بدرجة أعاقت وبشدة قدرتها على القيام بدور إقليمي طموح([99]).
  5. 5. ضغوط الرأي العام المصري والقوي السياسية المختلفة، من أجل استعادة مصر لدورها الاقليمي الفاعل والمؤثر، حيث اصبحت السياسة الخارجية المصرية أكثر تأثراً بالرأي العام من أي وقت مضى([100]).

ب. علي المستوى الخارجي:

  1. 1. حرص الرئيس على الدعم الخارجي لنظامه، وربط السياسة الخارجية بتحقيق ذلك الهدف على حساب الأهداف الاستراتيجية والمصالح الوطنية لمصر والمنطقة، وبصورة تناقضت بوضوح مع الأهداف المعلنة، من استعادة المكانة والدور ودعم القضايا العربية الكبرى([101]).
  2. 2. اعتماد الرئيس على دول الخليج بدرجة كبيرة منع مصر من انتهاج سياسة خارجية مستقلة، يمكن أن تتناقض مع الأجندات الإقليمية لتلك الدول، حيث أصبحت مصر بفعل العديد من العوامل تدور في فلك بعضاً من هذه الدول، وتعهدت بحماية أمنها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية([102]).
  3. 3. تعقد البيئة الإقليمية وسقوط معظم دول المنطقة في مستنقع التقسيم والتبعية والحروب الطائفية والعرقية، حيث يموج الاقليم بالاضطرب وتضارب المصالح وتبدل التحالفات، فضلاً عن حالة الانفلات الأمني وعدم الاستقرار، التي عززت وبشكل كبير من نشاط الجماعات الإرهابية وتجارة السلاح، بما شكل تحدياً خطيراً للأمن القومي المصري([103])، وهو ما جعل مصر تنتهج نهجاً حذراً تجاه أزمات المنطقة، يدفع صوب التسويات السياسية وتجنب التدخل العسكري الذي يمكن أن يجرها إلى صراع([104]).
  4. 4. التوجهات التوسعية لبعض قوى الإقليم، حيث شهدت السنوات الماضية تدخلات سافرة من قبل إيران في شئون الدول العربية، وخلق وكلاء داخلها للسيطرة عليها، فضلاً عن التدخلات التركية في عدة مناطق، كما برزت تدخلات أخرى لقوى دولية وإقليمية تتجاوز السيادة الوطنية للدول، وهو ما دفع المفكر الكبير "جميل مطر" للتعبير عن ذلك بالقول: "إننا نعيش على أرض لا خريطة لها"([105]).
  5. 5. تمدد الجيوش الموازية، إذ لم تعد الجيوش الوطنية المحتكر الشرعي للقوة العسكرية بالمنطقة، مع تعاظم تأثير الميلشيات المسلحة، والجماعات الطائفية، والأجنحة العسكرية، والفيالق الثورية، والمنظمات الإجرامية، بما يشبه "جيوش قطاع خاص"، والتي استطاعت السيطرة على مناطق ومساحات بدول مركزية، وامتلكت موارد اقتصادية وقدرات تسليحية، وأدارت علاقات خارجية مع دول وفاعلين دوليين، مستغلة فراغ السلطة وضعف الحكومات ورخاوة الحدود، وهو ما ساهم في استمرار دوامة الفوضى وتعثر الاستقرار بالإقليم([106]).
  6. 6. تشكل محور إقليمي مناهض للمصالح المصرية، يضم تركيا وقطر والسودان وإثيوبيا، وهو ما وضح خلال جولة الرئيس التركي أردوغان في كل من السودان وتشاد وتونس في ديسمبر 2017، والتي تجاوزت حدود البعد الاقتصادي إلى الإطار الأمني والاستراتيجي، الذي يستهدف بشكل واضح مصر والدول الحليفة لها وتحديداً الإمارات، فضلاً عن التوافقات التركية القطرية السودانية لدعم جماعة الإخوان، وإحداث تحولات في هياكل التحالفات القائمة، حيث لاتزال قطر تتمسك بسياستها الخاصة بالتشكيك في شرعية نظام السيسي، وهو ما تكشف عنه التغطية الإعلامية لقناة الجزيرة للتطورات السياسية والأمنية في مصر، وكذلك ما تشير إليه التقارير عن استمرارية الدعم المالي الذي تقدمه قطر لتحركات جماعة الإخوان في أوروبا([107]).
  7. 7. الصعود المتنام لأدوار بعض القوى الإقليمية، وخاصة تركيا وإيران ودول الخليج، فضلاً عن الدور الإسرائيلي بما يشكل تحدياً كبيراً للسياسة المصرية، فالدور التركي يعتمد على رؤية ثاقبة لأهدافها، تستند إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية هادئة، مع التوظيف الجيد  لمصادر القوة الناعمة للدولة([108])، وصعود دور الدول الخليجية، كالسعودية وقطر، بسبب الوفورات المالية، والرغبة في ممارسة دور إقليمي أكبر إضافة إلي صعود مجلس التعاون الخليجي كتجمع، والذي يكاد يكون الوريث القادم للنظام العربي بديلاً عن جامعة الدول العربية بما يهدد مكانة مصر، وينقل مركز الثقل العربي سياسياً وجغرافياً إلي منطقة الخليج، بعدما انتقل بالفعل اقتصادياً وإعلامياً منذ سنوات([109])، إلي جانب بروز قوى جديدة علي الساحة الإفريقية كجنوب أفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا، حيث باتت هذه القوى أكثر حضوراً على المستوي القاري والدولي، في الوقت الذى تعمقت فيه مصالح قوى إقليمية معادية لمصر مع دول حوض النيل، الأمر الذي يشكل تهديداً خطيراً ومباشراً لمصر([110]).
  8. 8. تدهور علاقات مصر بعدد من دول الجوار الاقليمي الهامة، كتركيا وقطر والسودان، حيث تدهورت العلاقات مع أنقرة بشكل كبير خلال العامين الماضيين، حتي وصلت إلي أدنى مستوى لها([111])، فتشكل تركيا حالياً تحدياً كبيراً للسياسة المصرية في اطار علاقة صراعية، حيث تقف مصر وبقوة ضد مساعي تركيا لكسب نفوذ أكبر في المنطقة، وقامت بتخفيض التمثيل الدبلوماسى معها، بل وتحدي مصالحها عبر تبنى رؤية اليونان وقبرص لترسيم الحدود البحرية، وهو ما دفع تركيا إلي تحريك قطعها البحرية فى إشارة إلى إمكانية حدوث نزاع مسلح بسبب الصراع على موارد الغاز([112])، كما تدهورت علاقات مصر مع قطر نتيجة اختلاف التوجهات السياسية بشأن التعامل مع تيار الإسلام السياسي والجماعات الجهادية بالمنطقة، وتحديداً تلك الموجودة على الحدود المصرية في الشمال الشرقي والغرب، فضلاً عن رفضها الواضح للقبول بشرعية الرئيس، وارتباطها بعلاقات وثيقة بجماعة الإخوان، حيث تدعمها سياسياً ومالياً وإعلامياً بشكل كبير([113]).
  9. 9. بروز السعودية كقوة إقليمية تسعى إلي تغيير الأوضاع الراهنة، ويتجلى ذلك في سياستها في لبنان وسوريا واليمن والهادفة إلي تعزيز قدراتها في مواجهة إيران، مع رفض مصر لذلك وتصديها للاستقطاب الطائفي، فضلاً عن أن محاولة مصر تبني خطاب سياسي مرتبط باستعادة دورها القيادي، يشكل أحد القضايا الخلافية مع السعودية، التي أصبحت ترى نفسها اللاعب الأبرز والأكثر تأثيراً في قضايا المنطقة، وهو ما يمكن استنتاجه من عدم تأييد السعودية للمبادرة المصرية لتشكيل قوات عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب، تخوفاً من التداعيات السياسية التي ستنجم عن تشكيل هذه القوات، ومنها تعزيز الدور القيادي لمصر في المنطقة([114]).
  10. 10. التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، وتزايد نشاط الجماعات الجهادية بالمنطقة، وظهور عدد من الأفرع لها، ما أربك الحسابات السياسية لدول المنطقة، وجعل مكافحة ذلك على رأس أولوياتها الخارجية، بل ومحور معظم التحالفات والتفاهمات الإقليمية، إذ يظل الإرهاب مصدر التهديد الرئيس لأمن الدولة المصرية، وفقاً لمدركات صانع القرار، حيث تواجه البلاد واحدة من أشد موجات الإرهاب حـدة، تستهدف الدولة والمجتمع، والتي ترتبط بسياقات إقليمية أكثر من كونها انعكاس لأوضاع داخلية([115]).
  11. 11. الأوضاع الأمنية الحرجة في ليبيا ونشاط الجماعات الجهادية بها، ما أدى إلى التأثير على الأمن القومي لدول الجوار من خلال عمليات تهريب السلاح وانتقال الجهاديين، ونمو الجريمة المنظمة بشكل كبير([116])، ولقد شكلت الأزمة الليبية محدداً هاماً وخطيراً أربك الحسابات المصرية، حيث فشلت الدبلوماسية المصرية بدرجة كبيرة في إدارة تلك الأزمة، بسبب تجاهلها لرؤية العالم للأزمة والتمسك برؤية خاصة مغايرة([117]).
  12. 12. تهديدات المصالح المائية الناجمة عن استكمال بناء سد النهضة، إذ أن المسار السياسي والفني بين مصر وإثيوبيا يبدو أنه يتجه صوب الفشل، في ظل التعنت الإثيوبي النابع من التعرض لضغوط من قوى إقليمية مناهضة لمصر، حيث تعتبر أزمة بناء هذا السد من المعضلات الحقيقية أمام صانع القرار المصري، والتي من أخطر تداعياتها حدوث المزيد من التدهور للدور المصري على الساحة الإفريقية([118]).
  13. 13. تدهور الأوضاع على الساحة الفلسطينية، رغم الجهود التي بذلتها القاهرة لإنجاح المصالحة، وإعادة القضية إلى الساحة بعد تراجع الاهتمام بها، إلا أن الواقع يؤشر إلي تراجع التأثير المصري في القضية بدرجة ملحوظة، نظراً لاستمرارية علاقات التعاون والتفاهم مع إسرائيل، وغض الطرف عن معاناة الشعب الفلسطيني، ومحاربة حماس بوصفها حركة إرهـابية تهدف إلى زعزعة الحكم في مصر([119]).
  14. 14. عدم توافر القبول الكامل من كافة الأطراف الإقليمية لدور إقليمي مصري واسع المدى، فهناك تحفظات حتى في نطاق الدائرة العربية على حدود هذا الدور([120])، كما أن هناك بعض الأطراف الإقليمية لها سياسات معادية للنظام المصري الحالي، ومن ثم فهناك بيئة إقليمية غير مرحبة بأي دور مصري نشط وفعال، كما أن هناك بيئة دولية تترقب وتتصيد لها الأخطاء([121]).
  15. 15. الانخفاض النسبي لأهمية مصر من منظور السياسة الأمريكية في المنطقة، مقارنة بذروتها إبان التدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق، حيث تنظر واشنطن حالياً إلي القادة المتميزين في الخليج على أنهم لاعبون محليون أكثر أهمية، ما قلل من النظر إلى مصر بكونها قوة عليا بين الدول العربية([122])، وهو ما يتوافق مع الرؤى الأمريكية لدور مصر الإقليمي على مدى نصف القرن الماضي، الذي يولد التنافس بينها وبين عدد من القوى الأخرى بالمنطقة، ويهدد الاستقرار الإقليمي الذى يعد عنصراً هاماً من عناصر تحقيق المصالح الأمريكية([123])، كما أن اتساع هذا الدور وشموله من شأنه أن يهدد أمن إسرائيل تهديداً مباشراً، وهو الأمر الذى لا تقبله واشنطن الضامنة لأمن الدولة العبرية([124])، ومن ثم تحرص على إضعاف هذا الدور باستخدام كافة الوسائل وأدوات الضغط([125])
  16. 16. سعى إسرائيل الدؤوب صوب بناء ما يعرف بالنظام الإقليمي الجديد "الشرق الأوسط الجديد"، الذى تخطط أن تكون القوة الاقتصادية المهيمنة فيه، والذى بدأ بدعوة من وزير خارجيتها "شيمون بيريز" عام 1991، لتوسيع عضوية جامعة الدول العربية لتشمل إسرائيل ودول المنطقة الأخرى غير العربية، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً أمام السياسة المصرية والدور المصري الإقليمي([126]) .

 

ثانياً. سياسات واستراتيجيات مواجهة التحديات:

هناك مجموعة من السياسات والاستراتيجيات تحرك في اطارها نظام الرئيس السيسي لمواجهة تلك التحديات السالفة، وصولاً لدور فاعل منشود علي المستوى الاقليمي والعربي، منها:

  1. 1. تفعيل وتحقيق هدف الاستقرار السياسي، بحيث يعمل على تفرغ الدولة لصياغة سياسة خارجية تحقق أهدافها، ويرسخ صورة إيجابية لها بالخارج، ما يساعد على انفتاح الدول الأخرى عليها ويساهم في تنشيط سياستها الخارجية، وهو ما كرس الرئيس السيسي كافة امكانات وقدرات الدولة السياسية والعسكرية والاقتصادية لتحقيقه([127]).
  2. 2. العمل علي تقوية العامل العسكري، الذي يعد المؤشر الرئيس لقوة الدولة والأداة الفاعلة لتحقيق أهدافها الخارجية، عبر امتلاك ترسانة عسكرية ذات كفاءة عالية، وتكنولوجيا متطورة تشمل مختلف الأسلحة الذكية، مع توافر عقيدة عسكرية فعالة، وهو ما يرسخ للدولة ثقلاً وهيبة علي المستوى الدولي، ويساعدها على تحقيق أهدافها الخارجية([128])، وفي هذا الشأن نلمس تحركات فعلية تمثلت في حصول مصر علي أحدث الأسلحة، كطائرات الرافال وحاملات الطائرات المسترال والغواصات وغيرها، مع الحرص علي تنويع مصادر السلاح، للحد من الاعتماد على الولايات المتحدة كمصدر وحيد للسلاح، وهو ما يبعث برسالة واضحة تؤكد قوة مصر وقدرتها علي مجابهة التحديات والتهديدات التي تواجه المنطقة([129]).
  3. 3. تبنى استراتيجية فاعلة لاصلاح وتعزيزالاقتصاد المصري وتحقيق تنمية ونهضة شاملة تصب في اطار القوة الشاملة للدولة، وذلك من خلال تنفيذ برامج اقتصادية محددة من شأنها أن تعوض الخسائر التي تكبدتها مصر في السابق، وتدشن لمشروعات قومية عملاقة، مثل استصلاح الأراضي ومد شبكات الطرق وبناء مشروعات الطاقة...الخ([130]).
  4. 4. تبني سياسة فاعلة لمجابهة أزمات المنطقة تكمن في استعادة الدولة ومؤسساتها، وهو ما يشدد عليه الرئيس، من حتمية التصدي للصراعات الإقليمية ومحاولات التقسيم والتفتيت لأسباب عرقية أو طائفية، ودعم قدرة الدول المتصدعة على استعادة قوتها، وتبدى ذلك عبر الجهود المصرية لحل الأزمة السورية والحفاظ على وحدة الدولة، وكذلك دعم جهود تحقيق الوحدة في اليمن وحماية سلامته الإقليمية واستعادة، ورفض انفصال المناطق الكردية شمال العراق عقب استفتاء سبتمبر 2017، دعماً لاستقرار ووحدة  الدولة، وكذلك الأمر في ليبيا من خلال ما تقوم به مصر من إعادة بناء الجيش الوطني ودعم الشرعية([131]).
  5. 5. الحفاظ على نهج مؤسسي في السياسة الخارجية المصرية يعطي الأولوية للإجماع الدولي والشرعية، بعيداً عن التدخلات المباشرة أو الإجراءات الإنفرادية التي تعقد القضايا والنزاعات الإقليمية([132])، ومن هنا كان رفض الرئيس القاطع للحرب ضد حزب الله وإيران، اقتناعاً بامكانية الحل عبر الحوار دون تحديات إقليمية إضافية، وفي ذات الوقت تعزيز معارضته لمواقف إيران المهددة لأمن واستقرار المنطقة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أي تهديد للأمن العربي والخليجي يشكل تهديداً للأمن القومي المصري([133]).
  6. 6. ترسيخ دعائم التحالف الاستراتيجى مع كل من السعودية والإمارات، لتكون تحالفات تعزيزية، ووقائية، واستراتيجية([134])، وتمتينها وتطويرها خلال المرحلة القادمة على نحو يقود إلي التحالف الجديد والقوي، الذي يطلق عليه في الأدبيات السياسية "المثلث الاستراتيجي"([135]).
  7. 7. بلورة مساحة ممتدة للحوار مع الفاعلين من غير الدول الذين يتبنون العنف في المنطقة، دون الاعتراف الفعلي بنفوذهم، كالحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، انطلاقاً من حقيقة وجودهم الفعلي علي الساحة، وعدم امكانية تجاهل تأثيرهم في التفاعلات الإقليمية بالمنطقة.
  8. 8. توسيع أطر الشراكة الدولية في مواجهة التنظيمات والجماعات الإرهابية، بما يؤدي إلى تحجيم خطرها، ويحد من الصراعات الإقليمية من ناحية أخرى، ويقلص من نفوذ وقدرات داعميها من ناحية ثالثة.

 

المبحث الخامس

مستقبل الدور المصري الإقليمي العربي

 

أولاً. الآفاق المستقبلية للدور المصري إقليمياً وعربياً:

بعد اعتلاء الرئيس السيسي موقع القيادة سرى تفاؤل كبير فيما يتعلق باستعادة الدور المصري على الصعيد الاقليمي والعربي، استمده بعض  الباحثين من جوانب ثلاث، وهي:

الأول ـ بروز تصورات مصرية تطالب بعدم الانعزال والانكفاء علي الذات، وتحبذ التفاعل مع دول المنطقة لتقليل حجم الأضرار التي نتجت عن التقديرات السلبية السابقة، والتي أثرت بالسلب علي المصالح المصرية العليا.

 والثاني ـ الغطاء العربي لثورة 30 يونيه ونتائجها السياسية، والذى ظهر جلياً عبر الدعم المادي والسياسي الذي قدم لمصر، حيث أن الغياب المصري عن الساحة شكل فرصة لتطلع بعض القوى للتأثير على مقدرات المنطقة، بما يضر بالأمن القومي العربي بشكل أشد خطورة.

 والجانب الثالث ـ يتمثل في التغير الذى لحق بالتعامل الغربي مع الواقع المصري الجديد، والتحول في الخطاب السياسي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي مال نحو الاقتناع بجدوى التوجهات المصرية، وأظهر قدراً أكبر من الثقة بإمكانية أن تساهم القاهرة في ملء الفراغ واعادة تصويب بعض المسارات الإقليمية([136]).

ولعل تحركات السياسة الخارجية المصرية خلال العام المنصرم قد أرسلت للعالم برسالة واضحة مفادها، أن مصر لازالت قائمة ومتماسكة، وتمتلك قدراً كبيراً من أدوات التأثير في محيطها الإقليمي، رغم رغم قسوة وفداحة الظروف التي مرت بها([137])، وهو ما أوضحه السفير "عبد الرؤوف الريدي"، عندما استعرض ملامح التجديد في سياسة الرئيس السيسي الخارجية، والتي وصفها بأنها أكثر فاعلية في إعادة بناء التحالفات الاقليمية، والقدرة على اقتحام المشكلات، ومواجهة الإرهاب، والتصدي للمليشيات المسلحة في سيناء، التي باتت تشكل خطراً متزايداً على الأمن القومي للبلاد، مؤكداً أن مصر خلال تلك الحقبة تعيد صياغة دورها الاقليمي عبر سياسة خارجية نشطة ومؤثرة([138]).

ولقد كشفت نتائج استطلاعين للرأي أجرتهما صحيفة "البيان"، أن ما بين 53 إلى 64 % أكدوا أن مصر عادت بقوة على الصعيد الدولي، حيث قامت بأدوار واضحة في العديد من ملفات المنطقة. وحول أهم انجازات الرئيس خلال فترته الرئاسية الأولى، اعتبر 53 %، أن الإنجاز الأهم يرتبط بعلاقات مصر الخارجية وعودة مصر كقوة إقليمية كبرى، في حين أظهرت نتائج الاستطلاع الثاني أن 64 %، رأوا أن مصر قد استطاعت أن تثبت دورها الفاعل إقليمياً، وهو ما يتجلى في التحركات المصرية الأخيرة، وبخاصة في الملف الليبي واللبناني والفلسطيني([139])، وهو ما أكد عليه العديد من المراقبين السياسيين([140])، كما أن الواقع السياسي المعاصر يؤكد أن أولوية نظام السيسي، تتمحور حول التركيز على الخروج من المرحلة الانتقالية، مع ممارسة دور خارجي نشيط يضمن لمصرعلاقات خارجية مستقرة، وهي المعادلة التي تمثل تحدياً حقيقياً للسياسة المصرية، في ظل وجود عدد من القيود السياسية الحقيقية حول نطاق هذا الدور ومداه ودرجة فاعليته واستقلاليته([141]).

ورغم أن مصر لم تعلن عن هدفها السياسي لقيادة المنطقة ، مثل تركيا وإيران، إلا أن مبادئ وتحركات سياستها الخارجية تعمل علي تمهيد الطريق للتعامل الفاعل مع القضايا الإقليمية، من أجل لعب دور أكبر على المستويين الإقليمي والدولي([142])، حيث أن قيام مصر بدور خارجي فاعل لم يعد من قبيل الترف السياسي، أو إثباتاً للمكانة كما يفعل آخرون، بل أصبح قضية وجود للدولة المصرية ذاتها، ولعل النجاح المستقبلي في ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على التحسين المستمر للاقتصاد المصري، والنجاح السياسي الداخلي، وعودة سمعة مصر كقوة معتدلة قادرة على ممارسة نفوذها في المنطقة([143]). وفي كل الأحوال، فإن تعظيم الفرص وتقليل المخاطر في المستقبل المنظور، من خلال بذل الجهود لاحتواء التهديدات والتفاعل الإيجابي عبر الدبلوماسية المباشرة ، يفتح الباب واسعاً أمام دور قوي وفعال ومحقق للآمال([144]).

 

ثانياً. الاستراتيجية المستقبلية لاستعادة الدور المصري إقليمياً وعربياً:

إن الاستراتيجية المصرية لاستعادة الدورالإقليمي المصري يجب أن تركز على محورين أساسيين، وهما:

أ. المحور الداخلي:

ويركزعلي ضرورة القيام بعدد من الإصلاحات الجذرية، التي تعالج كافة سلبيات النظم السابقة، تزامناً مع خطة شاملة للتنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة، بهدف النهوض بقدرات وامكانات الدولة، كي تلحق بركب الدول المتقدمة، وتتمكن من أداء دور مؤثر في محيطها الإقليمي.

ب. المحور الخارجي:

ويتعلق باستخدام الدولة لكافة أدواتها في المجال الخارجي، ومنها:

  1. 1. إنشاء مجلس أعلى للتنسيق بين الأدوار المختلفة التي تقوم بها كافة المؤسسات والجهات المصرية في المحيط الإقليمي، وإعداد استراتيجية واضحة ومحددة في هذا الشأن.
  2. 2. تفعيل دور الأزهر الشريف وبعثاته المختلفة، وكذا المؤسسات الثقافية الأخرى بهدف العمل على نشر ثقافة تقدر لمصر دورها فيما بين دول الإقليم.
  3. 3. تدشين رسالة إعلامية موجهة إلى دول المنطقة، تكون خالية من أية مضامين سلبية، وهادفة إلى تحقيق المزيد من التقارب والتفاهم والتكامل.
  4. 4. تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية البينية، والدعم القوى لخطوات إنشاء السوق العربية المشتركة .
  5. 5. إقامة علاقات سياسية قوية مع دول الاقليم، عبر تعزيز دوائر الاتفاق وتحجيم دوائر الخلاف، والمشاركة الفاعلة في قضايا ومشكلات المنطقة.
  6. 6. تفعيل الأدوات الأمنية، التي يمكن لصانع القرار اللجوء إليها، إذا ما عجزت الأساليب الأخرى عن تحقيق الأهداف المبتغاة.

وفي هذا الاطار، فإن هناك مجموعة من المتطلبات الضرورية ، يتوجب علي نظام الرئيس السيسي القيام بها([145])، ومنها:

 

أ. في الدائرة العربية:

إعادة رسم خريطة جديدة  للمعاملات الاقتصادية، بديلاً عن تلك القديمة التي كانت تتركز بشكل رئيس مع دول الخليج وليبيا والسودان، وتقل مع دول المغرب العربي وتكاد تنعدم مع الدول الأقل نمواً، كاليمن وموريتانيا وجيبوتي وجزر القمر والصومال. ولا جدال أن بإمكان مصر القيام بدور كبير وملموس في اقتصاديات الخدمات والاقتصاديات الإنتاجية، كالتعليم والاتصالات والبنية الأساسية، عبر الدخول في اتفاقيات ومعاهدات تعكس مصلحة جميع الأطراف، وتهيئة مناخ استثماري جاذب للاستثمارات والأموال العربية .

ب. في الدائرة الأفريقية:

عبرعودة مصر اقتصادياً إلي القارة، والأخذ بعين الاعتبار حاجات الدول الأفريقية، التي تعاني فقراً وتراجعاً كبيراً في معدلات التنمية، حيث يمكن للقاهرة أن تقدم لها يد العون، في المجال التعليمي والصحي، والمجالات التطبيقية والفنية المختلفة، كما يمكن الاعتماد على إمكانيات المجتمع المدني لتقديم المساعدات لتلك الدول، ودفع القطاع الخاص للدخول في شراكات أفريقية، وزيادة التبادل التجاري، علي ضوء ما تتمتع به مصر من مزايا نسبية في مجالات عديدة كالأدوية والأمصال، التي تفتقر إليها تلك الدول، ويمكن التغلب على مشكلة التمويل من خلال عقد الصفقات المتكافئة للاستفادة من المواد الخام والسلع الأولية الأفريقية.

وختاماً تبرز مجموعة من التوصيات، يرى الباحث ضرورة بل حتمية تحققها، وصولاً لدور مصري فاعل ومؤثر إقليمياً وعربياً في المستقبل المنظور، تتمثل في الآتي:

  1. 1. تبنى سياسة خارجية حذرة وعقلانية ومتوازنة، تكون أكثر استعداداً للتخلص من النهج المحافظ السابق، عبر استراتيجيات وتوجهات غير تقليدية، يكون التوازن في العلاقات هو السمة المميزة لتلك السياسة.
  2. 2. وجوب تفعيل واستخدام "القوى الناعمة" للدولة، لاسيما في العالمين العربي والإسلامي والأفريقي، في سياق رؤية متجددة وشاملة وهادفة لإعادة وضع مصر من جديد على خريطة الاهتمام الإقليمي والدولي.
  3. 3. إنشاء مجلس أعلى للسياسة الخارجية، يتكون من خبراء أكفاء في الشئون الاستراتيجية والدبلوماسية، تكون مهمتهم وضع استراتيجية شاملة وتصورات مفصلة لعلاج الملفات الأكثر تعقيداً، كملفات مياه النيل والقضية الفلسطينية، على أن يعرض توصياته على صانع القرار للاسترشاد بها.
  4. 4. تحويل الدبلوماسية الشعبية إلى إطار مؤسسي مستديم، يدخل ضمن اطار أدوات السياسة الخارجية، وهى الدبلوماسية التي زادت أهميتها بعد الثورة وكانت لها ثماراً إيجابية في قضايا عديدة.
  5. 5. العمل الدؤوب لاستعادة مكانة مصر الثقافية في العالم العربي، من خلال وضع  قواعد جديدة تهدف إلى استرجاع دورها كمنتج للسلع والمبادرات والمشاريع الثقافية والإعلامية الكبرى، التي تستخدم لدعم وتعزيز التكامل الإقليمي.
  6. 6. تعزيز دور جامعة الدول العربية، ودفع وتسريع جهود التكامل الاقتصادي العربي، وتقديم تصور للأمن الجماعي العربي، يشمل الآليات التي تحقق هذا الأمن علي ضوء التطورات الحالية والمستقبلية، مع العمل بفاعلية صوب تحقيق السلام ودعم الشعب الفلسطيني، عبر جهود وساطة حقيقية رامية إلى حل الخلافات والنزاعات القائمة.
  7. 7. تكثيف جهود مصر لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وبخاصة إسرائيل، وخلق قوة مقاومة فاعلة ضد المحاولات الإيرانية الهادفة لبسط النفوذ علي الدول العربية.
  8. 8. تكثيف الوجود المصري الفاعل في القارة الأفريقية، لاسيما بدول حوض النيل، عبر تعزيز التعاون الاقتصادي، وتفعيل دور الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا، مع التركيز على الأبعاد الثقافية للعلاقات، والقيام بدور الوساطة الفاعلة في مختلف الصراعات الأفريقية .
  9. 9. الاستفادة الكاملة من مختلف أطياف الشعب المصري دون تفرقة أواستثناء، وتشجيع روح الابتكار والإبداع، حيث ستنحصرالريادة مستقبلاً فيمن يمتلك الإشعاع الحضاري والإسهامات العلمية المتميزة، التي ستحدد توجهات المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، بما يتجاوز القوة العسكرية والمادية.

 

الخاتمة

 

تناولت الدراسة بالتحليل طبيعة الدور المصري إقليمياً وعربياً، وتحديداً خلال فترة ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي الأولى (2014 ـ 2018)، وهى الفترة التي شهدت جهوداً غير مسبوقة من قبل النظام لتحقيق الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية وتحديث وتطوير القوات المسلحة ، بما يعزز من القوة الشاملة للدولة ويزيد من فرص عودة هذا الدور لممارسة مهامه في دائرة نفوذه التقليدية، ولقد اجتهد الباحث من خلال رؤية تحليلية وتقويمية موضوعية للوقوف على طبيعة وحجم التراجع في قوة وتأثير هذا الدور، وتداعيات ذلك المختلفة، مستهدفاً الوصول إلى رؤية استراتيجية مستقبلية لكيفية استعادته ومتطلبات ذلك، في ظل الأوضاع الراهنة داخلياً واقليمياً ودولياً.

ومن خلال التحليل العلمي، أثبتت الدراسة فروضها الأساسية، وهي:

  1. 1. إن تراجع الدور الإقليمي لمصر يترتب عليه تهديداً خطيراً لأمن مصر القومي ومصالحها الوطنية.
  2. 2. إن الدور الإقليمي لمصر يرتبط صعوداً وهبوطاً بمستويات القوة الشاملة للدولة المصرية.
  3. 3. أن ممارسة مصر لدورها الإقليمي يرتبط بالعديد من المتغيرات الداخلية والخارجية، وانه يتأرجح ما بين الفاعلية وعدم التأثير، وفقاً لطبيعة وحجم التحديات والقيود وكذا الفرص التي تواجه صانع القرار.
  4. 4. إن الاستقرار السياسي والاقتصادي ستكون له نتائجه الايجابية على استعادة مصر لدورها إقليمياً وعربياً.
  5. 5. إن هناك فرصة سانحة ومؤاتية لاستعادة مصر لذلك الدور إقليمياً وعربياً خلال فترة حكم الرئيس السيسي.

* ومن ثم، خلصت الدراسة إلى ضرورة بل وحتمية تبنى مصر لاستراتيجية جديدة شاملة هادفة إلى استعادة ذلك الدور، عبر سياسة خارجية عقلانية ومتوازنة تتوافق وطبيعة وبنية النظام الدولي الحالي، مع وجوب تفعيل واستخدام "القوى الناعمة" للدولة وخاصة في العالمين العربي الإسلامي والأفريقي، في سياق رؤية شاملة لاستعادة المكانة الثقافية والاعلامية، وإعادة وضع مصرعلى خريطة الاهتمام الإقليمي والدولي.

 


 

([1]) د. محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، ط 2، بيروت، دار الجيل، 2001، ص 48.

([2]) د. لبنى خميس مهدى، الولايات المتحدة الأميركية ومستقبل الدور الإقليمي لمصر في منطقة الشرق الأوسط، مجلة السياسية والدولية، عدد 18 ،2011، ص ص 105ـ150، ص 110.

([3]) وللمزيد حول "نظرية الدور الإقليمي"، انظر:                                                                                                           www.tomohna.com/vb/showthread.php?t=10529

([4]) د. حامد عبد لله ربيع، الحوار العربي الأوربي ومنطق التعامل الدولي الإقليمي، بغداد ، قسم البحوث والدراسات السياسية العربية، 1983، ص 119.

([5]) د. محمد السيد سليم، مرجع سابق، ص 49،50.

([6]) د. محمد السيد سليم، ثورة يوليو والدور الخارجي المصري، السياسة الدولية، عدد149 ، يوليو 2003، ص ص 16ـ21، ص 17.

([7]) Derrick Frazier & Robert Stewart-Ingersoll, Regional Powers And Security: A Framework For Understanding Order Within Regional Security Complexes, European Journal Of International Relations, April 2010, PP 9-10.     

www.ejt.sagepub.com/content/early/2010/04/20/1354066109359847.full.pdf+html

([8]) Tim Dunne & Brian Schmid, Realism, In: John Baylis & Steve Smith (eds.), Globalization Of World Politics: An Introduction To International Relations, (3 rd.ed.) New York, Oxford University Press, 2005, P 241.

([9]) هاني إلياس الحديثي، سياسة باكستان الإقليمية 1971ـ 1994، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1998، ص 44.

([10]) جوزيف ناي، مفارقة القوة الأمريكية، ترجمة: محمد توفيق البجيرمى، الرياض، مكتبة العبيكان، 2003، ص 38.

([11]( Tim Dunne & Brian Schmid, Op. Cit., P 240.

([12]) محمد السعيد إدريس، تحليل النظم الاقليمية: دراسة في أصول العلاقات الدولية الاقليمية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، 2002، ص 30.

([13])  ناصيف يوسف حتى، الإقليمية الجديدة بعد الحرب الباردة، في: جميل مطر وعلى الدين هلال (تحرير)، الأمم المتحدة ضرورات الإصلاح في نصف قرن: رؤية عربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العـربية، 1996، ص262، 263.

([14]) هاني إلياس الحديثي، مرجع سابق، ص 21.

([15]) محمد السعيد إدريس، النظام الإقليمي للخليج العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص 13،14.

([16]) د. مصطفى علوى، الشرق أوسطية ومكانة مصر الإقليمية، بحث مقدم إلى المؤتمر العاشر للبحوث السياسية، القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، ديسمبر 1996، ص 1.

([17]) محمد السعيد إدريس، تحليل النظم الاقليمية: دراسة في أصول العلاقات الدولية الاقليمية، مرجع سابق، ص 58،59.

([18]) د. محمد سعد أبو عامود، الرؤى الأمريكية لدور مصر الإقليمي، السياسة الدولية، عدد 158، أكتوبر 1998، ص ص 130ـ140 ، ص 131.

([19]) هاني إلياس الحديثي، مرجع سابق، ص 48.

([20]( Anoushiravan Ehteshami, The MENA Regional Security Architecture, In: Erika Holmquist & John Rydqvist(Eds),The Future Of Regional Security In The Middle East: Expert Perspectives On Coming Developments, FOI, April 2016, PP 26-36, P 29.

([21])  فارس عصام النعيمات، أثر التحديات الخارجية علي النظام الإقليمي العربي، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية، كلية الآداب والعلوم، جامعة الشرق الأوسط، 2011، ص ص 30 ـ 38.

([22]) محمود جبر، البحث عن المكانة: إشكالية الدور الخارجي المصري، المركز العربي للبحوث والدراسات، 20 أكتوبر 2014.

http://www.acrseg.org/13314

([23]( Abdul Monem Sa'id, From Geopolitics To Geoeconomics, In: Phebe Marr, Egypt At The Crossroads: Domestic Stability And Regional Role, Washington: National Defense University Press, 1999, PP 153-170, P 159.      

www.ebookbrowse.com/1999-06-egypt-crossroads-domestic-15-chap-pdf-d445534750

Also: Robert S. Chase (et. al.), Pivotal States And U. S. Strategy, Foreign Affairs, Vol. 75, No.1, Jan. / Feb. 1996, PP 33-51, P 40.    

([24]( Amin Saikal, Authoritarianism, Revolution And Democracy: Egypt And Beyond, Australian Journal Of International Affairs, Vol. 65, No. 5, Nov. 2011, PP 530-544 , P 538.

www.transcendglobal.org/sites/default/files/Saikal's%20article%20in%20AJTA,%20Nov.%2011_0.pdf

([25]) عبد الحافظ الصاوي، المتطلبات الاقتصادية للدور الإقليمي لمصر، 21 سبتمبر 2012.

www.aljazeera.net/ebusiness/pages/8e0637fc-d0e0-4d5f-ade2-afa3d7878515

([26]( Center For Future Studies, Egypt's Regional Environment: Conflicts And Alliances In 2030 And Egypt’s Position In This Regard, July 2, 2009.

www.future.idsc.gov.eg/FutureCMS/workareas/a379143210327077260100000b7ad2db/apps/Publication/Egypt's%20regional%20environment.pdf

([27]) د. عبدالمنعم المشاط، السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير، ورقة بحثية مقدمة لمؤتمر مستقبل مصر: رؤية لقضايا سياسية واقتصادية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 31 مارس 2012.

([28]( Rania Ahmed Hemaid, Egyptian Foreign Policy (Special Reference after The 25th of January Revolution), PHD dissertation, Complutense University of Madrid, Department of International Public Law and International Relations, Madrid, 2017 , P 101 .

www.eprints.ucm.es/47417/1/T39878.pdf

([29]( Housam Darwisheh, Regime Survival Strategies And The Conduct Of Foreign Policy In Egypt, Middle East Review, Vol. 2, Jan. 2015, PP 41 – 64, P 45 .

www.ide.go.jp/library/Japanese/Publish/Periodicals/Me_review/pdf/201503_01.pdf

([30]( Housam Darwisheh, Op. Cit., P 64.

([31]) د. نعمان جلال، استراتيجية السياسة الخارجية فى مواجهة التحديات الإقليمية والكونية، اليوم السابع، 21 مارس 2014.

([32]( Beatrice Makar, Op. Cit., PP 27-28.                   

([33]) د. أحمد يوسف أحمد، الحالة المصرية، في : د. نيفين مسعد (تحرير)، كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص ص 447 ـ 508.

أيضا : محمد العجاتي، الدور الإقليمي المصري والمعادلات المقلوبة، 24 يوليو 2012.

www.elagati.wordpress.com/2012/07/24/

([34]) بول سالم، أي دور إقليمي جديد لمصر؟، 4 أكتوبر 2012.

www.carnegieendowment.org/2012/10/04/

([35]) العزب الطيب الطاهر، عودة الفعالية للدور المصري بعد جمود إلى حد التبعية للغرب وإسرائيل، 16 فبراير 2012.

www.digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=802875&eid=559

([36]) د. نعمان جلال، مرجع سابق .  

([37]) محمود أبوالعينين، الدور الإقليمي المصري في أفريقيا منذ ثورة يوليو 1952 بين الاستمرارية والتغير، السياسة الدولية، يوليو 2002.

([38]( Issaka K. Souare, Egypt's Evolving Role In Africa: A Sub- Saharan Perspective, A Presentation At The Institute Of Diplomatic Studies, Cairo, April 7, 2008, PP 4-6.      

([39]( The Economist, Iran And Israel In Africa: A Search For Allies In A Hostile World, Feb. 4, 2010.

([40]) أحمد أبو الغيط، شهادتي .. السياسة الخارجية المصرية، ط5، القاهرة، دار نهضة مصر، 2012.

([41]) ياسمين عادل عباس مرسي، أثر الدور الإقليمي المصري على التوجه الأمريكي لمصر بين الاستمرارية والتغير "2009-2016 "، المركز الديمقراطي العربي، 14 أغسطس 2016.

www.democraticac.de/?p=35629

([42]) د. علي الدين هلال دسوقي، القيادة الإقليمية.. الموازنة بين التكاليف والفوائد في السياسة المصرية الخارجية، في: بهجت قرني وعلي الدين هلال دسوقي(تحرير)، السياسات الخارجية للدول العربية .. تحدي العولمة، ترجمة: أحمد مختار الجمال، ط1، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2016، ص 255 ، 256.  

([43]) Abdel Monem Said Aly, Post-Revolution Egyptian Foreign Policy, Brandeis University, Crown Center For Middle East Studies, No. 86, Nov. 2014, PP 1-8, P 3.

www.worldaffairsjournal.org/content/post-revolution-egyptian-foreign-policy

([44]) سفير د. السيد أمين شلبي، في: هاجر دياب، الثورة أعادت صياغة دور مصر إقليميًا وأكسبتها احترامًا عالمياً، الأهرام المسائي، 23 أبريل 2011.

www.digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=482169&eid=1226

([45]) د. نعمان جلال، مرجع سابق.

([46]( Abdel Monem Said Aly, Post-Revolution Egyptian Foreign Policy, Op. Cit., P 3.

)[47](  Dr. Fazzur Rahman Siddiqui, Changing Contours Of Egypt’s Foreign Policy In The Aftermath Of Uprising, Indian Council Of World Affairs, Sep. 8, 2016, PP 1-18, P 16.

www.icwa.in/pdfs/IB/2014/ChangingContoursofEgyptsIB08092016.pdf

)[48]( Fatima Taşkömür, Five Things To Know About Sisi's Egypt, TRT World , Mar. 27, 2018.

www.trtworld.com/mea/five-things-to-know-about-sisi-s-egypt-16245

)[49]( Cecilia Zecchinelli, Egypt And The Middle East: A ‘New’ Regional Protagonist? , In: Stefano M. Torelli, The Return Of Egypt: Internal Challenges And Regional Game, ISPI, Edizioni Epoké Firs Edition, 2015, PP 63-80, P 67.

([50]) أبو بكر الدسوقي، مكانة مصر الإقليمية في عهد جديد، السياسة الدولية، 3 يوليو 2014.

www.siyassa.org.eg/News/3783.aspx

([51]( A.I. Dawisha, Egypt In The Arab World: The Elements Of Foreign Policy, New York: John Wiley & Sons, 1979, P 70.       

([52]( Beatrice Makar, Egypt's Foreign Policy And Its Role As A Regional Power, Master Thesis, Webster University, St. Louis, Missouri, USA, Oct. 2007, P 30.

([53]) خليل العناني، الدور الإقليمي لمصر .. إلى أين؟، 3 أكتوبر 2004.

www.aljazeera.net/opinions/pages/40106bd5-f847-461c-9fac-4c3a311beb78

([54]) أحمد محمد أبو زيد، مرجع سابق، ص ص 130 ـ 133 .

([55]) خليل العناني، مرجع سابق.

([56]) محمد قاياتى، حصاد السياسة الخارجية للسيسي، شبكة الأخبار العربية، 27 مايو 2015.

www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=110647

([57]) عمرو عبد الكريم، القواعد العشر في الدور الإقليمي لمصر، مصرس، 24 سبتمبر 2012. 

)[58]( Abdel Monem Said Aly, Deciphering Abdel Fattah el-Sisi: President of Egypt’s Third Republic, Brandeis University, Crown Center For Middle East Studies, No. 82, Jul. 2014, PP 1-8, P 1, 2.

www.brandeis.edu/crown/publications/meb/MEB82.pdf

)[59]( Cecilia Zecchinelli, Op. Cit., P 63.

)[60]( Abdel Monem Said Aly, Deciphering Abdel Fattah El-Sisi: President Of Egypt’s Third Republic, Op. Cit., P 5.

)[61]( Ahmed El-Tahry, The Pillars Of President El-Sisi's Foreign Policy, International Club, Oct. 30, 2017.

www.en.theinternational.club/news/1/30-10-2017/The-Pillars-of-President-El-Sisis-Foreign-Policy

 

)[62]( Dr. Fazzur Rahman Siddiqui, Op. Cit., P 16.

([63]) سامى شرف، السياسة الخارجية المصرية .. استعادة الدور والمكانة، الأهـرام، 29 أكتوبر 2016.

([64]) محمد قاياتى، مرجع سابق.

)[65]( David Hartwell, Sisi’s Reformed Foreign Policy Could Restore Egypt As Major Regional Power, PS21, June 4 , 2015.

www.projects21.org/2015/06/04/sisis-reformed-foreign-policy-could-restore-egypt-as-major-regional-power/

)[66]( Rania Ahmed Hemaid, Op. Cit., P 307.

)[67]( Housam Darwisheh, Op. Cit., PP 56 - 59.

([68]) محمد عز العرب، المثلث الاستراتيجي: أبعاد التحالف مع السعودية والإمارات، في : مركز الدراسات الاستراتيجية، المسارات المزدوجة: كيف تدير مصر علاقتها الخارجية في عهد الرئيس السيسي؟، الأهـرام، 20 يونيو 2014.

www.ahram.org.eg/NewsQ/298368.aspx

)[69]( Mohamed Kamal, The Middle East According To Egypt, AUC, School Of Global Affairs And Public Policy, The Cairo Review Of Global Affairs, Spring 2018.

www.thecairoreview.com/essays/the-middle-east-according-to-egypt

)[70]( Eric Trager, Sisi's Domesticated Foreign Policy, The Washington Institute for Near East Policy, Policy Analysis, March 8, 2017.

www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/sisis-domesticated-foreign-policy

([71]) عادل رفيق، فورين أفيرز: مصر تحت حكم السيسي ، المعهد المصري للدراسات، 20 يناير 2018.

www.eipss-eg.org/

)[72]( Maged Mandour, The Weakening Of Egypt’s Regional Role, Opendemocracy, April , 24 , 2017.

www.opendemocracy.net/about

)[73]( Michael Wahid Hanna , The Sisi Doctrine: From Gaza To Libya To Iraq, Egypt's New Strongman Is Developing A Foreign Policy Based On Repression And Stability  , Foreign Policy , Aug. 13, 2014 .

www.foreignpolicy.com/2014/08/13/the-sisi-doctrine/

)[74]( Mohamed Kamal, Op. Cit.

([75]) هاني عسل وآخرون، خريطة "السياسة الخارجية" للسيسي في ثلاث سنوات، الأهـرام، 8 يونيو 2017.

)[76]( Ismail Numan Telci, Sisi’s Gamble: How Egypt's Turn Toward Iran Changes Power In The Region, Middle East Eye, Nov. 11, 2016.

www.middleeasteye.net/columns/sisi-s-risky-gamble-how-resetting-egyptian-foreign-policy-shifting-power-1818341258

([77]) د. صلاح البنداري، عاصفة الحزم ومستقبل النظام الاقليمي العربي، مجلة اتجاهات سياسية، برلين، المركز الديمقراطي العربي، عدد 6، ديسمبر 2018، ص ص 2 ـ 36.

)[78] Karla L. Winter, The Balance Of Power In The Middle East: When Nations, Borders, And Identities Collide, Master Thesis of Science in Homeland Security, San Diego State University, 2018, P 57.

)[79]( Edyt Dickstein, A New Role For Egypt Sisi's Government And The Arab-Israeli Conflict, Harvard International Review,  Jan. 10, 2015.

www.hir.harvard.edu/article/?a=8465

([80]) ياسر زيادة، تحديات السياسة الخارجية المصرية، المعهد المصري للدراسات، 17 يناير 2015.

 www.eipss-eg.org/

)[81]( Mohamed Kamal , Op. Cit.

)[82]( Ahmed El-Tahry , Op. Cit.

)[83]( Abdel Monem Said Aly, Deciphering Abdel Fattah El-Sisi: President Of Egypt’s Third Republic, Op. Cit., P 5.

([84]) د. صلاح البنداري، مشكلة سد النهضة .. وإعادة صياغة توجهات السياسة الخارجية المصرية في الدائرة الأفريقية، مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل، برلين، المركز الديمقراطي العربي، العدد الأول، مارس 2018، ص ص 34  ـ 89.

)[85]( Ahmed El-Tahry, Op. Cit.

)[86]( Abdel Monem Said Aly, Deciphering Abdel Fattah el-Sisi: President of Egypt’s Third Republic, Op. Cit., P 6.

)[87]( Rania Ahmed Hemaid, Op. Cit., P 303.

)[88]( Cecilia Zecchinelli, Op. Cit., P 64.

)[89]( Ahmed El-Tahry, Op. Cit.

([90]) هاني عسل وآخرون، مرجع سابق.

([91]) محمد عز العرب، المثلث الاستراتيجي: أبعاد التحالف مع السعودية والإمارات، مرجع سابق.

([92]) محمد عبود، علاقات مصر الإقليمية.. إلى أي مدى تراعي المصالح الخليجية؟، الخليج أونلاين، 25 يناير 2016.

www.alkhaleejonline.net/

)[93]( Ahmed El-Tahry, Op. Cit.

([94]) محمود صالح، تقرير عن السياسة الخارجية في عهد "السيسي": مصر تخلصت من "التبعية"، الوطن، 1 يونيو 2015.  

([95]) أحمد الطاهري، 5 نقاط رئيسية ترسم ملامح السياسة الخارجية في عهد السيسي، النادي الدولي، 11 سبتمبر 2017.

www.theinternational.club/news/39/11-9-2017/5-

)[96]( Ziad A Akl, Op. Cit.

([97]) د. دلال محمود السيد، التغيرات في توازن القوى الإقليمي، آفاق عربية، العدد الثاني، ديسمبر 2017، ص ص 103ـ 123، ص 111.

([98]) عربي لادمي محمد، السياسية الخارجية: دراسة في المفاهيم، التوجهات والمحددات، المركز الديمقراطي العربي،27 ديسمبر 2016.

www.democraticac.de/?p=41719

)[99]( Michael Wahid Hanna, Op. Cit.

)[100]( David Hartwell, Op. Cit.

([101]) مركز الجزيرة للدراسات، سياسة مصر الخارجية زمن السيسي وغياب المنظومة الاستراتيجية،17 أغسطس، 2015.

www.studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/08/20158171031927138.html

)[102]( Housam Darwisheh, Op. Cit., P 56.

([103]) إبراهيم منشاوي، دافعية متصاعدة: التحولات الجديدة للسياسة الخارجية المصرية، المركز العربي للبحوث والدراسات، 4 سبتمبر 2014.

www.acrseg.org/11171

)[104]( Mohamed Kamal, Op. Cit.

([105]) د. محمد عز العرب، تحركات متوازية: كيف تتعامل الدولة المصرية مع التفاعلات الإقليمية في عام 2018؟، 31 ديسمبر 2017.

www.siyassa.org.eg/News/15465.aspx

([106]) المرجع السابق.

([107]) إيمان رجب، استراتيجية مختلطة: خيارات التعامل مع دول "مثيرة للمشاكل"، في: مركز الدراسات الاستراتيجية، المسارات المزدوجة: كيف تدير مصر علاقتها الخارجية في عهد الرئيس السيسي؟، الأهـرام، 20 يونيو 2014.

([108]( Azzurra Meringolo , From Morsi To Al-Sisi Foreign Policy At The Service Of Domestic Policy , Insight Egypt , No. 8 , March 2015, PP 1-12, P 7 .

http://www.iai.it/sites/default/files/inegypt_08.pdf

([109]) د. معتز سلامة، الصعود: التمدد الإقليمي لدور مجلس التعاون الخليجي، 2 أبريل 2013.

www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/111/1782/

([110]) أبو بكر الدسوقي، مرجع سابق.

)[111]( Dr. Fazzur Rahman Siddiqui, Op. Cit., P 11.

([112]) ياسر زيادة، مرجع سابق.

([113]) سعيد عكاشة، هامش المناورة: حكم السيسي بعد عام.. قراءة لخريطة التأييد والمعارضة، المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية، 19 يونيو2015.

www.rawabetcenter.com/archives/8505

([114]) محمد محمود السيد، مرجع سابق.

([115]( Michael Wahid Hanna, Egypt’s Next Phase: Sustainable Instability, The Century Foundation, July 1, 2015, PP 1-9, P 8.

www.tcf.org/assets/downloads/Hanna_EgyptsNextPhase2.pdf

([116]) إبراهيم منشاوي، مرجع سابق.

([117]) محمد محمود السيد، مرجع سابق.

([118]) إبراهيم منشاوي، مرجع سابق.

([119]) محمد محمود السيد، مرجع سابق.

([120])  د. محمد سعد أبوعامود، مرجع سابق.

([121]) أبو بكر الدسوقي، مرجع سابق.

)[122]( Charles W. Dunne, Egypt’s Role In Arab Politics: Punching Below Its Weight, Arab Center Washington DC, Oct. 4, 2017.

www.arabcenterdc.org/policy_analyses/egypts-role-in-arab-politics-punching-below-its-weight/

([123]) إيمان حمدي، مصر والزعامة الإقليمية، شئون الأوسط، بيروت، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، عدد 68، ديسمبر 1997، يناير 1998، ص ص  49 ـ 66.

([124])  د. هالة مصطفى، العلاقات مع أمريكا والدور الإقليمي لمصر، الأهـرام، 29 أكتوبر 1997.

([125]) د. طه عبدالعليم، السلام المصري الإسرائيلي: عشرون عاماً على مبادرة السلام، شئون الأوسط، بيروت، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، عدد 68، ديسمبر 1997، يناير 1998، ص ص 7 ـ 19.

([126]( Fawaz A. Gerges, Egyptian-Israeli Relations Turn Sour, Foreign Affairs, Vol. 74, No. 3, May - Jun., 1995, PP 69-78.               

([127]) عربي لادمي محمد، مرجع سابق.

([128]) عبد القادر محمد فهمي، المدخل الى الاستراتيجية، عمان، دار مجدلاوي، 2006، ص41.

([129]) Huda Raouf, Opinion: Egypt’s Expanding Regional Role And Move Toward More Power, Egypt Today, Jan. 20, 2018.

([130]) Ibid.

)[131]( Mohamed Kamal, Op. Cit.

)[132]( Ziad A Akl, Op. Cit.

)[133]( Karla L. Winter, Op. Cit., PP 54 - 55.

([134]) مركز الدراسات الاستراتيجية، المسارات المزدوجة: كيف تدير مصر علاقتها الخارجية فى عهد الرئيس السيسى؟، الأهـرام، 20 يونيو 2014.

([135]) محمد عز العرب، المثلث الاستراتيجى:أبعاد التحالف مع السعودية والإمارات، مرجع سابق.

([136]) محمد أبو الفضل، مرجع سابق.

([137]) د. رفعت السعيد ـ المفكر السياسي ورئيس حزب التجمع السابق، في: محمد قاياتى، مرجع سابق.

([138]) السفير/ عبد الرؤوف الريدي ـ سفير مصر الأسبق في واشنطن، في: المرجع السابق.

([139]) محمد خالد وماجدة أبو طير، استطلاع "البيان": مصر أصبحت بقيادة السيسي قوة إقليمية فاعلة، البيان، 28 يناير 2018.

([140]) ياسر عبد العزيز ـ الخبير الإعلامي، في: علاء جمعة ، مصر... وتحديات العودة إلى قوة إقليمية فاعلة!، DW، 21 نوفمبر 2017.

www.p.dw.com/p/2o0Yc

([141]) Claudia Conticello, Egypt: A Rising Regional Power In Quest Of New Strategic Alliances, Mediterranean Affairs, Aug. 29, 2014.

www.mediterraneanaffairs.com/egypt-a-rising-regional-power-in-quest-of-new-strategic-alliances/

([142]) Huda Raouf, Op. Cit.

)[143]( David Hartwell, Op. Cit.

([144]) أبو بكر الدسوقي، مرجع سابق.

([145]) عبد الحافظ الصاوي، مرجع سابق.

 

شارك هذا المنشور على مواقع التواصل

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

شركائنا في النجاح...

عن المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

ISSN: 2661-7323

ISSN ONLINE:2661-7617

Indexed in The PKP Index includes 897630 records indexed from 3478 publications.under ref 4107

مدير التحرير الناشر المسؤول :الأستاذ بشير شايب

نائب رئيس التحرير مسؤول القسم العربي :الدكتورة براك صورية

جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة الجزائر

بريد التحرير

نظام الإدارة الإلكتروني للمجلة

لنشر مقالاتكم يرجى التسجيل في البوابة الرقمية للمجلة

 

Copyright © 2019 المجلة الأفريقية للعلوم السياسية كل الحقوق محفوظة.