Back To Top

foto1 foto2 foto3 foto4 foto5
المجلة الافريقية للعلوم السياسية أكاديمية دولية محكمة--------------- رئيس التحرير:الأستاذ بشير شايب

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

مجلة أكاديمية دولية محكمة

Choose your language

online now

185985 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

يمكنكم الإنضمام إلى قائمة
شركائنا في النجاح
من خلال إرسال شعار
 مؤسستكم العلمية  
الى البريد التالي

bnsbanis@gmail.com

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

بمنهج تحليلي متكامل بين المفاهيم القرآنية ومقررات النظريات الوضعية تناول هذا البحث موضوع التدافع أو مشكلة (الصراع) في المجتمع البشري في أصوله العامة. فقد تعرض البحث، إلى جانب طبيعة الصراع من المنظور القرآني، للأصول العامة التي تحدد طبيعة النـزاعات وأنواعها وأسباب إثارتها وطرق معالجتها، وذلك من خلال عرض أهم وأحدث النظريات العلمية عن الصراع من خلال ثلاث نقاط: أولى عن الصراع في المجتمع البشري في إطاره التاريخي، والثانية عن دور التنظير العلمي في فهم طبيعة الصراعات، وأخيراً دور هذه النظريات في كشف أسباب الصراع وأمثل الطرق للتعامل معها وإدارتها . من خلال العرض تبيّن أن التدافع والصراع في المجتمع البشري ظاهرة تفاعلية وسنة إلهية تقتضيها واقع الحياة، كما هي في مجتمعات أكثر الكائنات، وبالتالي لا يمكن إنكارها ولكن يجب البحث عن أفضل الطرق لتنظيمها وإدارتها بالتي هي أحسن، كما يقرره القرآن الكريم. أما أهم أسباب الصراعات، وفق هذه النظريات، فهي أربعة: المصلحة، القيم، الحاجة، والسلطة. فالدراسة تمثل فهماً تأصيلياً لطبيعة الصراع في المجتمعات البشرية من المنظورين الإسلامي والوضعي وتضع إطاراً نظرياً قابلاً للتطبيق في حل النـزاعات القائمة في العالم الإسلامي، لا سيما في السودان.

Abstract

Throughout human history, conflict has been the human experience. We are now living in global era and changing world, but the potential to destroy is the certain fact that ever-increasing in step with the technological revolution. Parallel to this was great contributions has been made for understanding of conflict as a social interaction phenomena, and of equal importance efforts has been made to conflict resolution, particularly in Social psychology. The Holly Qur`an on the other hand, had provided the humanity with useful potentials and concepts concerning conflict and conflict resolution.

The study, analytically, has addressed this issue at its genesis and root causes dimensions. Theoretically, socio-psychological theories and Qur`anic concepts has been used to discover roots or fundamental causes of conflicts and conflict resolutions. The discussion has concluded that conflict is a social phenomena which might not be avoided forever but it is, of course, can be managed by peaceful means that might be attained through recognition and management of four fundamental reasons of conflicts: interest, power, freedom o, and fulfillment of basic human needs.

1. نظرة تمهيدية في طبيعة الصراع

إن النظر في التدافع والصراع بين المجموعات البشرية له أبعاد مختلفة. فالصراع من حيث طبيعة تكوينه هو ظاهرة تفاعلية في حاجة إلى أطراف متعددة وعوامل مشتركة، لذلك فهو يرتبط بعلمي السياسة والاجتماع، كما يرتبط بعلم النفس الذي هو ضرورة لفهم طبيعة التكوين النفسي لأطراف الصراع. أما الصراع من حيث جوهره وأصول أسبابه فإنه ظاهرة طبيعية قامت على سنة الازدواج في الكون، بها تتجه الخلائق إلى نضجها وكمالها، وبها تتطور الأمم إلى مراقي مجدها ثم اضمحلالها، ومن خلالها يدرك الفرقاء ضرورة الائتلاف بعد الاختلاف وتذوق نعمة السلام بعد مرارة التنازع والاحتراب. فالصراع بين الناس، مهما كانت أشكاله، صورة من صور التفاعل الاجتماعي تتخذ أساليب متباينة تتأرجح بين منطق العقل وبيان الحجة باللسان إلى التعارك بالأيدي وأحدث مبتكرات الإنسان. ولذلك فإن النظر في قضايا التدافع في المجتمع البشري بمختلف مستوياته، الفردي والجماعي والدولي، يجب أن ينصرف نحو الكشف عن العوامل التي تخرجه عن إطاره (الإنساني)، أعني الدفع بالتي هي أحسن، إلى إطاره (الحيواني)، أي العنف والقتل والخراب والدمار. لأن من شأن هذا النوع من النظر أن يكشف الأسباب الأصلية للصراع ويهدي إلى وسائل ضبطه وتنظيمه.

أما التدافع من حيث نطاقه فيشمل كل وحدات المجمتع وفي سائر أوضاعها، ولكن على الجملة يتحدد في ثلاث صور: نـزاع ذو طابع شخصي، أي من حيث موضوعه وأسبابه. وهذا يقوم بين الأفراد وجهاً لوجه ولو كانوا في أسرة واحدة، كالزوجين والإخوان والأصدقاء. ونزاع آخر ذو طابع جماعي مترابط، موضوعه يخص كل أعضاء المجموعة ويكون الحل لجميعهم، كالصراعات القبيلة والحروب الأهلية. ودراسة هذه الصورة الثانية من الصراع تفيد في فهم أسباب التنازع وإدراك مدى ترابط المجموعات وتماسكها، كما تفيد في إجراءات اتخاذ القرارات المناسبة لاحتواء الموقف. والصورة الثالثة هي أن يقع النـزاع بين وحدات مستقلة أو مجموعات مختلفة، - مجموعتين أو أكثر- تقوم على الهوية الثقافية أو العرقية أو الإيديولوجية أو الجغرافية ..الخ. وهذه المجموعات قد تكون صغيرة مثل الدولة القطرية أو كبيرة مثل التحالفات الكبرى، ولكن يتوجه النظر، على كل حال، إلى المجموعات والعلاقة الرابطة لكل مجموعة، كالجنس أو العرق أو الثقافة، لا إلى الأفراد. ومقصودنا في البحث هو هذه الصورة الأخيرة ولكن ينحصر في نطاق الصراعات على مستوى الدولة القطرية، وليست الصراعات الدولية التي أسماها صمويل هانتغتون بتصادم الحضارات، رغم التشابك الظاهر بين هذين النوعين من الصراع في عصر العولمة، أعني الصراعات الداخلية والدولية.

يتجه هذا البحث، انطلاقاً من هذه النظرة، إلى مناقشة مشكلات الصراع والتنازع في أصولها العامة التي تحدد طبيعة النـزاعات وأنواعها وأسباب إثارتها وطرق معالجتها، وذلك من خلال عرض أحدث النظريات في هذا الشأن، إلى جانب المفاهيم القرآنية للتدافع.

2- الصراع في المجتمع البشري في إطاره التاريخي

الصراع ظاهرة لازمت البشرية منذ ظهورها على هذه الكوكبة. وبيد أن الدراسات النظرية في العلوم الإنسانية المختلفة لم تقدم إلا القليل في هذا الجانب التاريخي، فإن القرآن يحدثنا عن أول واقعة للنـزاع في التاريخ البشري حدثت بصورة مأساوية أدت إلى إزهاق الروح البريئة  لم يذكر القرآن سبباً واضحاً لإثارة تلك الواقعة إلا الحقد من أحد طرفيها، مما يؤكد أن العوامل النفسية هي الأساس في ظاهرة الصراع، ولذلك ينبغي لكل بحث عن حلول ناجعة في هذا الشأن أن يرتبط بإدراك العوامل النفسية، بترضية النفوس ودفع المظالم واستيفاء الحقوق. ويحدثنا القرآن أيضاً مراراً عن الصراع بين الكفر والإيمان من خلال قصص الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وأقوامهم. والصراع بين الحق والباطل ممثلاً في الحقائق المعرفية والمعطيات العلمية التي يقدمها أولئك الرسل، والخرافات التي يتشبث بها أهل الباطل. وهذه الصورة للصراع قد اتخذت أشكالاً مختلفة في هذا العصر يمكن تمثيلها بصراع الإيديولوجيات والثقافات المختلفة وبين أصحاب المواقف السياسية والدول وغيرها.

فعبر التاريخ البشرى كان الصراع تجربة إنسانية ملازمة، اتخذت بين الحوار والتنازع وبين الإعمار والدمار صوراً مختلفة. فرغم أن الإنسان في تطور وتغير مستمر من الناحية الفكرية والمعرفية إلا أن الجانب الثابت فيه هو قدرته على التنازع والتدمير. وهذه الخاصة في الإنسان، رغم مخاطرها الظاهرية، يبدو أن ثمة حكمة إلهية جليلة تكمن فيها. إذ أن القرآن بيّن لنا أن النفس الإنسانية مفطورة على الفُجُور والَتَقْوى، وهي السمة التي لولاها لصار الإنسان مَلَكاً كريماً أو شيطاناً رجيماً. ولكن جعل الله تعالى مهمة تكييف تلك النفس وتهذيبها للإنسان لتتخذ موقعها بإرادته لا بالجبر والإكراه. وهذه المجاهدة التهذيبية -التنظيمية المستمرة هي التي تعكس رسالة الإنسان في الحياة وتبيّن طبيعة الصراع الإنساني في أصوله التي بها تتحرك عجلة التاريخ وبها تقوم الحضارة والعمران. فكيف يكون الحال إذا رغب كل إنسان عن أسباب التنازع في الحياة، معرضاً عن التنافس في متاعها والسعي لتعمير الأرض فيها، كالرهبان ؟

هذه الخلفية للتدافع والتنازع هي التي دفعت بعض الباحثين إلي الميل نحو إثبات وظائف إيجابية للصراع في إطار المجتمع البشري. من أهمها: إنه يطلق التوتر الضروري لحركة المجتمع ونموه وتطوره. ومنها إنه يجعل القضايا المهمة في المجتمع تظهر وتطفو على السطح. ومنها إنه يدفع المجتمعات والدول إلى إعادة تقييم رسالتها وأهدافها. ومنها إنه يدفع إلى التغيير الاجتماعي من أجل إزالة الظلم والطغيان.

مهما يكن من أمر، فإن أساليب العنف ووسائلها التي صاحبت النـزاعات في التاريخ البشري وصور الخراب والدمار البشعة التي ارتسمت منها في أذهان الناس سلبت كل صورة إيجابية للصراع.

عندما وجّهت الدراسات اهتمامها بقضايا الصراع في المجتمع البشري مؤخراً، ضمن العلوم الإنسانية بصورة عامة، ظهرت بعض النظريات التي بحثت عن أسباب الصراع وطرق فهمه وتنظيمه في إطار علمي. ولعل من أهم تلك النظريات التقليدية نظرية (الصراع) بفروعها المختلفة، مثل نظرية التبادل الاجتماعي التي ترى أن المصلحة هي القوة الموجهة للسلوك الإنساني في الصراع. ونظرية صراع الجماعات، ونظرية العلاقات الإنسانية، ونظرية اللعبة التجريبية، والنظرية النفسية الدينامية  وغير هذه من النظريات التي حاولت أن تعالج قضايا الصراع في المجتمع البشري بأسلوب أكثر علمية وبنظرة أكثر دقة وشمولية.

إن النتائج المهمة التي توصلت إليها هذه النظريات وإن لم تتمكن من وضع تقنين كلي لضبط الصراع ليكون بطريقة سلمية على المستوى العام؛ مع إنشاء منظمات دولية كالأمم المتحدة؛ إلا أنها دفعت الكثير من الأمم إلى تنظيم الصراع وإداراته في أهم جوانبه وهو المستوى السياسي. وذلك في شكل التجربة الديمقراطية التي وضعت حداً لكثير من النـزاعات الداخلية والحروب الأهلية لكثير من الدول ولا سيما الغربية منها. فباتت الديمقراطية عندهم نظاماً راسخاً ذا مضامين قيمية وثقافية مثل احترام حقوق الإنسان والتسامح الفكري، والقبول بالتعدد السياسي والفكري واحترام رأي الآخر والمشاركة السياسية...الخ

3- طبيعة الصراع من المنظور القرآني:

في إطار تنظيم الوجود الاجتماعي للإنسان وتحديد معالم لمجتمع الاستخلاف، بيّن القرآن الكريم بعبارات واضحة وبشكل دقيق صور التفاعل الاجتماعي في المجتمع البشري في سائر أوضاعه وفي جميع مستوياته المحلي والدولي. فالقرآن يستخدم مصطلح (التنازع) للتعبير عن التفاعل الاجتماعي بين البشر في صورة صراع مادي، وهو الأمر الذي لا يجوز حدوثه، على كل حال، بين مَنْ تربطهم عروة الإيمان أو وشائج الوطن، نظراً لعواقبه الوخيمة. قال تعالى:﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46). فالتنازع، وفق المنطوق القرآني ليس قرين الضعف والفشل فحسب، وإنما يؤدي إلى ذهاب الهوية وضياع الكيان الذاتي للجماعة، أمة كانت أو دولة. أما المجادلة بالحسنى والتباين الفكري بصورة عامة فمسموح به، وفق ضوابط محددة، بين المسلمين أنفسهم ومع غيرهم طلباً الحق وتبياناً للصواب من الرأي والتصور. وفي ذلك يستخدم القرآن مصطلحات أخري مثل: الجدل والحوار والحُجة والبرهان ..الخ.

وللتعبير عن سائر هذه الأحوال، المادية والمعنوية، في سياق واحد يستخدم القرآن مصطلحاً آخر جامع لكل صور التفاعل الاجتماعي، وهو لفظ (التدافع) الذي يعبّر عن المشيئة الإلهية وسنته العامة في المجتمع والتي بها تتحرك عجلة التاريخ وتتحقق حركة الأمم الحضارية نهوضاً أو انحطاطاً، وهي ما يشير إليها قوله تعالى: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(البقرة: 251).

يُسْتَنْبَطُ من الآية معنيين مهمين تتعلقان بالحركة الحضارية للأمم: الأول يفيد أن التدافع بين البشر أمر ضروري لقيام الحضارة، والثاني يقضي بأن الله سبحانه وتعالى لن يتدخل مباشرة لتحريك عجلة التاريخ، إلا في إطار المعجزات الكبرى، كالإهلاك الحضاري الذي وقع لبعض الأمم في السابق عندما عمّ الفساد في المجتمع. ولأن الله لن يتدخل لتحريك عجلة التاريخ، وإنما يدفع الناس بعضهم ببعض، يجب على المسلمين أن لا يتوقعوا تبدل حالهم إلى أحسن حال بحجة التدين بالإسلام من غير إتباع لسنن التاريخ بالعمل والاجتهاد.

ولأن غاية التدافع بين البشر بصورة عامة في نظر القرآن هي صلاح الأرض- ليس بإظهار الحق ودحض الباطل فحسب وإنما أيضاً بالسعي فيها بالتعمير واستخراج كنوزها وخيراتها- فإن أفضل وسيلة أو أسلوب للدفع هي ما يعّبر عنه قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (فصلت: 34). وهذا يبيّن أن إظهار الحق يتحقق في الأساس بالوسائل السلمية، كما أن الصراع المادي والتنازع بالحرب والاقتتال في المجتمع البشري لا تكون وسيلة لإظهار الحق أو لنيل الحقوق بصورة عامة إلا استثناء في حالتين: الأولى: عندما لا يكون الدفع بالحُسنى عن طريق بيان الحجة بالفكر والمنطق العقلي محققاً لغايته وهي صلاح الأرض. والحالة الثانية: لرد العدوان الذي يعبّر عنه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190). والعدوان له صورة مختلفة كلها تجاوز للدفع بالتي هي أحسن، لغايات متعددة و لأغراض مختلفة.

فإذا نظرنا إلى أشكال الصراع بصورة عامة، سواء في نطاق النـزاعات الداخلية في نظام الدولة القطرية- في العالم الإسلامي وغيره- أو في نطاق النـزاعات الإقليمية والدولية، نجد أن أصول هذا الصراعات ترجع بالأساس إلى عنصر واحد جوهري وهو غياب الدفع بالحسنى، لأن التدافع في حد ذاته أمر ملازم للمجتمع البشري. فمثلاً عندما تحققت للعالم الغربي، بعد تاريخ حافل بالحروب الدامية، أهمية هذا العنصر- أعني الدفع بالحسنى- تمكن أهله من وضع أسس الديمقراطية المعاصرة كصيغة لإدارة الصراع والتنازع بالوسائل السلمية.

إذن هو ابتلاء الإنسان لأن يتدافع على مستوى التفاعل الاجتماعي بكل صوره. فكما أن الله تعالى أراد للإنسان أن يتولى نفسه الملهمة بالفجور والتقوى بالتزكية والتهذيب بوسائل مختلفة منها ممارسه الشعائر العينية في الدين، فكذلك على الإنسان أن يظهر طاعته بالدفع بالتي هي أحسن على مستوى التفاعل الاجتماعي في سائر علاقاته مع بني جنسه. فكل منهما سنة شرعية قضت بها الإرادة الإلهية للبشر، فتلك لتهذيب دوافع النفس وهذا لتهذيب حركة المجتمع وتنظيمها بإرادة الإنسان، لتكتمل له بذلك دائرة القربى من الله تعالى بشقيه منفرداً ومجتمعاً. والأسئلة المهمة التي تثور هنا هي كيف يمكن تحقيق هذا الدفع بالحسنى؟، وما هي وسائله وأدواته؟ ثم ما هي أفضل السُبل لحسم الصراعات في حالة نشوبها؟

إن محاولة التصدي لهذه التساؤلات والبحث عن أفضل الطرق العلمية وأقوم الوسائل الحضارية لتنظيم وإدارة التدافع في المجتمعات البشرية على مستوييها المحلي والدولي، قد تضع التصور الذي يؤطر منطق التدافع في هذا العصر، الذي تداخلت فيه العلاقات بين الأمم والجماعات، فباتت القضايا مهما صغرت تخرج عن نطاق أطرافها وتبحث عن الحلول في المستوى الكوني. ولهذا لا تكتمل عناصر البحث في قضايا الصراع والتنازع في عصر العولمة إلا في إطار عام، أي من خلال منهج تكاملي يجمع بين علوم مختلفة.

4- دور التنظير العلمي في فهم طبيعة الصراع

إلى جانب تلك النظريات التقليدية التي استعرضت أصول الصراع في المجتمع البشري من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي؛ فقد برزت نظريات أخرى معاصرة طورت من نتائج تلك البحوث بنظرة أكثر عمقاً وبمناقشة أشد تفنيداً. فقد طرحت هذه النظريات، في بحثها عن حلول عملية للصراعات، أسئلة رئيسية وهي: كيف يبدأ النـزاع بين المجموعات البشرية وفي أي اتجاه يسير، وما مواقف الأطراف عندئذ؟ وكيف يمكن للنـزاع أن تشكل الفكر الإنساني على مستوييه الفردي والاجتماعي وتؤثر فيه، وما هي الحلول ؟

كان تركيز هذه النظريات موجهاً بشكل أساسي نحو الكشف عن الأسباب الحقيقية للصراع بصورة عامة والبحث عن أقوم الوسائل لتنظيمه وإدارته بأسلوب سلمي لا بالعنف والاحتراب. وعلى الجملة يمكن ردّ أصول النظريات في هذا الصدد، من حيث المبدأ، إلى مدرستين فكريتين هما: مدرسة الرؤية المعرفية، ومدرسة الرؤية التفاعلية.

إن الرؤية المعرفية أو النظرية المعرفية في محاولتها لفهم الصراع لا تهتم بالسلوك ولا بالتفاعل ولكن توجه جلّ همّها إلى ما يدور في عقل الإنسان. فوفقاً لهذه النظرية إن الإنسان خلق مكيّفاً على المصلحة، ومن مقدراته أن يستخدم المعلومات لتحقيق مصلحته الشخصية والاجتماعية في الحياة. ولذلك السؤال الذي ينبغي فهمه عن الصراع الإنساني وفق هذه النظرية هو: ما الأهداف والغايات التي يسعى إليها الإنسان وفي أي الأحوال ولماذا ؟

أما الرؤية التفاعلية فتذهب إلى أن السلوك الإنساني هو المحل الذي ينبغي البحث عنده عن أسباب الصراع. فبينما تركز الرؤية المعرفية على العمليات العقلية والتصورات التي تؤثر على السلوك فإن الرؤية التفاعلية تركز على السلوك نفسه. فهي ترى أن الأفعال والسلوك عبارة عن سلسلة من الأحداث والوقائع المترابطة، ولذلك يتأسس تفسير الصراع عبر تلك النماذج من الأحداث المتشابكة، مما يجعل معاني النـزاع لا يمكن فهمها إلا وفق سياقها من الأحداث. أي أن مشكلات الصراع حقائق مترابطة ينبغي النظر إليها بصورة شمولية لا تجزيئية. فالرؤية المعرفية تفسر صراعاً محدداً بأنه بناء معرفي أو مشروع يحمله الناس في أذهانهم. أي أن الموقف نفسه أمر ثابت وإنما له أحوال متعددة وفق نظرة أطراف النـزاع، وبالتالي فإن إدراكات الأطراف ومشاعرهم تجاه الموقف تؤثر في سلوكهم واستراتيجيات تصرفاتهم. وفي الجانب المقابل فإن الرؤية التفاعلية تكبّر الواقعة نفسها بصورة هائلة، وترى أن المشاعر والإدراكات رغم أهميتها في الحدث فإنها لا تفسر الواقعة ولذلك يكون التركيز على السلوك والأفعال.

4/1- الصراع ظاهرة تفاعلية

إن ظاهرة الصراع، وفق أكثر الباحثين، هو تفاعل اجتماعي بين أطراف لها علاقات متداخلة تسعى إلى تحقيق غاياتها وفق مفاهيم غير متناسقة، مع محاولة كل طرف السيطرة على الوضع. أو بتعبير دوتش(Deutsch)- الذي عرّف الصراع ضمن عنصر الإثارة- هو الحالة المعاشة في كل ظرف يحصل فيه عدم انسجام في الأنشطة بين الأطراف فيحول التعارض بينها القيام بعمل مثمر تجاه الأهداف.

هذا التعريف يبيّن أن الصراع بطبيعته ظاهرة تفاعلية لا تقع بشكل كلي تحت سيطرة طرف واحد. كما أنه ليس مجرد عدم توافق وإنما أهم عنصر فيه هو التفاعل، أي أن الصراع باعتباره تفاعلاً يكشف عن سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تعتبر مقدمات منطقية تحدد مفاهيم الناس وإدراكاتهم، وآمالهم وطموحاتهم في الحياة. والتفاعل بهذا المعنى أمر مركزي ومبدأ عام يقع بين الناس في كل المستويات، الفردية والجماعية والدولية، ويتخذ أشكالاً متعددة، كل شكل يبيّن أنواعاً خاصة من المشاكل التي في حاجة إلى التعامل معها بصورة خاصة. فأفعال العنف المتبادلة نوع من التفاعل يمكن أن يحدث في سائر المستويات، وبالمثل التفاوض والحوار نوع من التفاعل يتميز عن العنف في الوسيلة لا في الطبيعة.

إن من أبرز أنواع الصراع المعروفة في إطار التفاعل الاجتماعي بين الناس هي المباريات والمنافسات الحرة التي يحاول كل طرف فيها أن يلحق الهزيمة بالطرف الآخر، مثل أكثر ألعاب القوة الملاكمة وغيرها. ولكن يمكن للصراع أن يتخذ صورة أكثر رقة ولطافة، لتبيّن القدرات العقلية للإنسان ومدى ذكائه وقدرته على التنافس، كألعاب الورق والدومين وغيرهما.

ففي كل هذه الأحوال إنما هناك تفاعل بين طرفين أو أكثر للوصول إلى غاية ما باستخدام وسائل مختلفة قد ترتبط بعضها ببعض بحيث يتصف الصراع بطابعين ممتزجين هما: التنازع والتعاون، كما هو معروف في لعبة (أزمة السجين)

فمن أهم أسباب النزاع من حيث كونه ظاهرة تفاعلية، المصالح والعلاقات المتداخلة بين الأطراف. أي أن سلوك الأطراف وأفعالهم لها آثار على بعضهم البعض، ولذلك ينشأ الصراع عندما يشعر الناس أن طرفاً آخر يتدخل ليحول دون تحقيق مصالحهم. وهذا الشعور قد يكون حقيقياً وقد يكون وهمياً ولكن على كل حال هو السبب في تفجر النـزاعات، لأن الناس قد يتصرفون دون إدراك واضح للأهداف أو المصالح التي يسعون إليها أحياناً.

4/2- أنواع الصراع والتنازع في المجتمع البشري

إن أهم تصنيف للصراع من حيث القدرة على فهم طبيعته والبحث عن الحلول له يكون بالنظر إلى حدته وشدة التوتر فيه. ومن هذا الوجه فإن الصراع يتنوع إلى صراع شديدة الحدة وآخر أقلّ حدة. ومن أهم سمات النوع الأول شدة العدواة والتعصب اللذين يجعلان من الصعب السيطرة على الأطراف. بينما النوع الثاني يكون عكس ذلك ويكون عادة قضايا حقيقية حول المصالح ومصادرها النادرة، أو مظالم واقعية في حاجة إلى حلول.

وثمة تصنيف آخر للصراع وفق طبيعة التفاعل، إذ أن من أهم مميزات التفاعل التمييز بين الصراع الواقعي، والصراع غير الواقعي. فالتفاعل في النوع الأول تفاعل مثمر لأن الصراعات الواقعية هي التي تنشأ حول الأهداف والغايات نفسها، أي حول القضايا الجوهرية التي يجب على أطراف النـزاع مواجهتها من أجل تنظيم وإدارة التدافع حولها. أما التفاعل في النوع الثاني فإنه ينشأ أساساً حول أمور ثانوية لا علاقة لها بجوهر القضية وأهداف غير محددة، وبالتالي فهو صراع غير مثمر، بل قد يكون مدمراً وتظهر طبيعته في تلك التعبيرات العدوانية التي الغرض منها الهزيمة وإلحاق الضرر بالطرف الآخر في نهاية المطاف، لا تحقيق الحق.

فأطراف النـزاع في الصراعات غير الواقعية أهدافهم غامضة ومتذبذبة، ويحاول كل طرف خدمة أغراضه ومصالحه الخاصة، بصرف النظر عن مصالح الطرف الآخر فيصبح كل طرف أقل مرونة فيتعقّد النـزاع ويطول أمده ويكثر ضحاياه وتزداد معاناتهم. ومن هنا فإن الصراع غير الواقعي يدفع إلى توتر غير مبرر وينتهي إلى العنف ومن وسائله القوة والإكراه. ومن مظاهره العداوة والاستغلالية وارتياب كل طرف في نوايا الطرف الآخر والتشهير به وتضليله. وهذه هي العناصر التي تميز بين التنافس والتعاون في النـزاع.

بينما في التفاعل الإيجابي أو في الصراعات الواقعية فإن وضوح الأهداف يفسح لأطراف النـزاع مساحة واسعة لإبداء المرونة الكافية في سبيل التوصل إلى حل يرضي كل الأطراف، مع التأرجح بين الخيارات للممكنة مثل التفاوض والحوار والإقناع، بل حتى اللجوء إلى التصويت لحسم اختلاف والصراع برأي الأغلبية. ولأن أطراف التفاعل الإيجابي يدركون أن لهم أهدافاً مشتركة، يصفون النـزاع بأنه مشكلة مشتركة ينبغي السعي لحلها، ومن ثم يتخذون كل الوسائل الممكنة للتوصل إلى حل مقبول لكل الأطراف.

 

5- أسباب النزاعات والأسلوب الأمثل لمواجهتها

إن التنازع والتدافع قد ينشأ بين الناس بسبب التباين الطبيعي، كالعرق والجنس أو لعوامل فكرية كالدين والمذهب وغيرهما، كما هو في الظاهر. ولكن بنظرة فاحصة أدرك الباحثون أن كل هذه الاختلافات الطبيعية والفكرية ليست أسباباً حقيقة للنـزاع بين الناس في أكثر الأحوال، وإنما هي عوامل مساعدة يستغلها الأطراف لإشعال نار الصراع وتطويل أمده.

إذن ما هي الأسباب الحقيقية للصراعات التي صاحبت التاريخ البشرية وما هي أنجع الطرق والوسائل لضبطها وإدارتها ؟

في عام 1906 استخدم أحد علماء علم النفس الاجتماعي المشهورين في ذاك الوقت مصطلح التعصب العرقي، ليشير به إلى ضيق أفق ثقافي مرتكز على العرق يدفع بصاحبه إلى رفض كل ما هو خارج مجموعته التي ينتمي إليها . وفيما بعد استخدم المصطلح نفسه ليشير إلى تحامل عام كامن في العوامل التي توجه حركة الفرد تجاه الآخرين. ولكن تم تطوير مفهوم التعصب العرقي من مستواه الفردي إلى المستوى الجماعي، حيث استخدم في النصف الثاني من القرن العشرين بمعنى تحامل وتمييز عنصري متجذر في العلاقات بين المجموعات.

إن التقدم والتطورات المتلاحقة للدراسات حول الصراع منذ منتصف القرن العشرين المنصرم أفضت إلى ابتكار نظريات عديدة، لعل من أهمها النظرية الواقعية للتنازع بين المجموعات، المعروفة اختصاراً بـ(RCT)، والتي ترى أن المصلحة هي السبب الجوهري للصراع بين الناس. وذلك لأن ندرة المصادر وعدم التناسق والانسجام بين الأطراف نحو تحقيق الأهداف المصلحية تفضيان إلى التصادم والصراع. ومن هنا تقرر هذه النظرية أن التعصب العرقي أو الجهوي ما هو إلا رد فعل للصراع حول المصالح، أكثر من كونه تعبيراً عن عملية نفسية دينامية في إطار الفرد.

والاتجاه نحو المصلحة لجعلها سبباً جوهرياً للصراع أدى إلى صياغة نظرية الحاجات الإنسانية. وجوانب النقص التي لحقت بالنظرية الواقعية(RCT) استدركتها نظرية أخرى تعرف بنظرية الهوية الاجتماعية(SIT)، فوفقاً لهذه الأخيرة إن الناس يكابدون من أجل الحفاظ على سمعة إيجابية لشخصياتهم، وبالتالي فإن تحديد الهوية الاجتماعية واتخاذ عضوية في جماعة والمساهمة فيها، كلها عوامل قائمة على عنصر المقارنة بين المجموعات بعلاقة الأفضلية. ولذلك عندما تؤدي المقارنة الاجتماعية إلى هوية اجتماعية سلبية سيحصل عدم رضا بتلك الهوية. فإن كانت حالة المجموعة غير مستقرة لا تقوم على قواعد عادلة فإن أعضاءها يلجأون إلى الأفعال التي من شأنها تحسين هويتهم الاجتماعية. وهذه المحاولة التحسينية للهوية هي التي تؤدي إلى التعصب العرقي أو الجهوي، وما يرتبط به من المواقف مثل الانطباع العرقي تجاه الآخر. ولذلك فإن نظرية(SIT)، على خلاف نظرية(RCT)، ترى أن الصراعات الواقعية حول المصالح لا تؤدي حتماً وفي كل الأحوال إلى زرع بذور الصراع بين المجموعات والتمييز بينها.

إلى جانب نظريتي الواقعية(RCT) والهوية الاجتماعية(SIT) فقد ناقش العلماء نظريات أخرى مهمة في مجال علم النفس الاجتماعي، من أجل فهم أفضل لأسباب الصراع بين المجموعات البشرية والبحث عن الوسائل لتنظيمه وإدارته. من أهم تلك النظريات التي اهتمت بالصراع بين المجموعات نظرية العدالة، ونظرية الحرمان النسبي، ونظرية النخبة، وغيرها.

كل واحدة من هذه النماذج أو النظريات حاولت بطريقتها الخاصة، وبما لديها من أدوات، أن يتناول جانباً من الصراع. فالنظرية الواقعية ركزت في جانب الصراع على مستوى الجماعة، أو بين المجموعات، ولكنها تميل إلى إهمال الصراع على مستوى الأفراد. ونظرية الهوية الاجتماعية أحدثت تكاملاً واندماجاً بين المستويين الفردي والجماعي في التدافع والصراع من خلال البناء الأولي للهوية الاجتماعية، ولكنها ضعيفة إلى حد ما في صراع الجماعات التي تعكس حقيقة الصراع على المصالح.

ومن جملة هذه النظريات نكتشف أن الصراع ظاهرة ذات بعدين: أحدهما ذاتي في شكل مؤثرات على أطراف النـزاع، والآخر موضوعي يتمثل في المصلحة. وتتشكل الأسباب الحقيقة الصراع من التركيبة المتجانسة لهذين البعدين. ولكن ما هي الوسيلة الجامعة لمناقشة هذين الجانبين بصورة شاملة وكيف يمكن الجمع بينهما؟

 

5/1- النموذج التكاملي لفهم ظاهرة التصارع

لعلنا نجد اللبنات الأولى للمنهج التكاملي لفهم أبعاد الصراع في ما يسميه أرنولد فيشر بـ ( النموذج الانتخابي-التكاملي). تعود أصل الفكرة في هذا النموذج إلى دوبن(Robert V. Dubin)،  الذي تبنى المنهجين القياسي والاستنباطي معاً لتطوير نماذج تطبيقية أكثر تلبية لدواعي الواقع في الصراع. ومن أهم مميزات هذا المنهج، كما يرى فيشر، إنه نموذج تفاعلي يبني مراحل تحليله على الحاجة من أجل فهم أفضل لتعقيدات الصراع. وهو لذلك يجمع بين الذاتي والموضوعي وبين الاستنباطي والقياسي في المنهج، وبين الأفراد والمجموعات في النطاق.

فيما يتعلق بالمنهج التكاملي فإن الباحثين يميزون بين المجموعات المتكافئة وغير المتكافئة في كيفية نشأة الصراع. فالنـزاع بين المجموعات غير المتكافئة، كما يرى تايلور ورفاقه، ينشأ على خمسة مراحل: ففي المرحلة الأولى العلاقة بين المجموعات المختلفة القائمة على أسس الفطرة والسليقة كالإثنية، أو الوصفية كالدين، صفات لا تكون محلاً للتساؤل والاستغراب بين أعضاء المجموعات. وفي المرحلة الثانية تصبح العضوية في الجماعة كسباً شخصياً أكثر من كونه وصفاً للجماعة. وهذا يقود إلى المرحلة الثالثة التي فيها تعبئة وتحريك اجتماعي. والمقصود بذلك هو محاولة أعضاء بعض المجموعات التي تعاني من الظلم أو التمييز الاجتياز إلى المجموعات الأكثر حظاً، وهي عملية قد يفلح فيها بعضهم ولكن سيفشل آخرون، وبالتالي يقود شعورهم بالظلم والمعاملة الجائرة إلى رفع درجة الإحساس بالذات لديهم، وذلك في المرحلة الرابعة. وهذا الشعور يقودهم إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة العلاقات التنافسية بين المجموعات التي يتصرف فيها أعضاء المجموعات الأقل حظاً بصورة جماعية طلباً للتحسين من وضعيتهم. وهذا سيؤدي إلى العمل بحسابات الربح والخسارة في العلاقة بين المجموعات، الأمر الذي سيفضي إلى صراع مفتوح بينها.

من خلال هذا النموذج ذي الخمس مراحل استطاع تايلور ورفاقه من تفسير نشأة الصراع بين المجموعات غير المتكافئة في المجتمع، ومن هذا الوجه يمكن تفادي الصراع بإزالة أسبابه في إحدى تلك المراحل قبل تفجّره واستفحاله.

أما فكرة دوبن، التي ترمي إلى عرض صراع المجموعات بصورة عامة، فتقوم على سبعة أصول نظرية تشير إلى الخطوات التي يتبعها الباحثون في سبيل تشييد نموذج تكاملي. فتبدأ العملية بتحديد الوحدات أو المتغيرات الرئيسية للمصلحة من أجل صياغة قوانين للتفاعل الاجتماعي التي تشير إلى كيفية ارتباط هذه المتغيرات مع بعضها البعض. وذلك من أجل وضع تعريفات للحدود التي تبين شرعية التفاعل الاجتماعي بين المجموعات.

يضع فيشر هذه المتغيرات، ضمن ثلاثة مستويات فردي، جماعي ومجموعات، في أربعة أنواع: أولاً، المتغيرات القبلية، وهي المميزات التي تحدد العلاقة بين الأفراد أو الجماعة أو الجماعات مسبقاً قبل التعبير عن مشاعر الصراع. ثانياً، التكيّفات، ويقصد بها النوايا والمفاهيم والمواقف التي تعبّر عن تطور الصراع في مراحله الأولي. ثالثاً، العمليات، ويعني بذلك الأساليب والسلوك والتفاعلات التي تغذي مثيرات الصراع وتعبّر عنها في نفس الوقت، سواء كان على مستوى الأفراد أو الجماعات. رابعاً، النتائج، وهي عبارة عن حصيلة الصراع وآثاره الإيجابية بالنسبة للأطراف، ومن أهمها على مستوى الأفراد إثبات الاعتبار للذات، وعلى مستوى الجماعة يحصل الترضية لرغباتهم. ومن أهم نتائج الصراع على مستوى الجماعات تقوية الترابط الداخلي للجماعة الواحدة.

إن أهم أسباب الصراع بين المجموعات البشرية، وفقاً للنموذج التكاملي أربعة هي المصالح والقيم والحاجات والسلطة. وهنا تتساوق النظرية التكاملية مع النظرية الواقعية لصراع المجموعات(RCT) والنظريات المتفرعة عنها. ففي المجموعات المتكافئة يقود التكالب على المصالح بالاشتراك مع عداوات تاريخية واختلافات ثقافية إلى الصراع فيما بينها. أما الفئات غير المتكافئة فإن الصراع على المصالح وفق شروط محددة سوف يؤدي إلى الشعور بالظلم في جانب الأطراف الأقل حظاً في المجتمع، كالأقليات، وذلك وفقاً لنظرية الحرمان النسبي.

وملخص القول في هذا الأمر، إن تبني منهج متعدد الأبعاد ممثلاً في النموذج التكاملي، سيسهم في فهم الجوانب المختلفة لأسباب الصراع ودواعي إثارته ووسائل حله. وهذا النموذج التكاملي يزود نظرية الحاجات بإطار من العمليات التي توفر لها تفصيلاً شاملاً لعوامل الإثارة وأسباب التنازع في صراع المجموعات.

 

5/2- دور نظرية الحاجات الإنسانية في كشف أسباب الصراع

اهتم الفكر الإسلامي بموضوع المصالح والمفاسد وحاجات الإنسان بصورة كبيرة في إطار الفقه الإسلامي. وكانت غاية علماء المسلمين في ذلك لا تقتصر على وضع حد للصراعات فحسب وإنما أيضاً تحديد المصالح الجوهرية التي تقوم عليها كيان المجتمع لتكون محمية بقوة الدولة ورعاية الجمهور ضد أي ضرر يلحق بها.

كان الإمام الشاطبي (ت:790ﻫ) من السباقين في هذا المجال، إذ عالج  هذا الموضوع بصورة دقيقة في كتابه " الموافقات في أصول الشريعة"، وجعل المصالح في ثلاث مراتب: ضرورية وحاجية وتحسينية. أما المصالح الضرورية فهي التي تشكل عصب الحياة الاجتماعية ويقوم عليها كيان المجتمع ومصيره، ولذلك تُضحَّى بكل شيء من أجل الحفاظ عليها، وتقوم الدولة بحراستها، وهي خمس: حفظ النفس والدين والعقل والمال والنسل. أما المصالح الحاجية والتحسينية فتأتي في مرتبة بعد الضروريات. الحاجيات، وهي الأمور التي لو لا لها لوقع الناس في حرج كبير مثل التبادل التجاري وسائر المعاملات، مقدمة على التحسينات. والأخيرة هي ما زاد عن الحاجة من المباحات.

هذه النظرة، إلى جانب تحديدها للمصالح الضرورية وحمايتها، فإنها تضع حداً للصراع لأنها تبحث المصلحة ضمن الأحكام الشرعية التي الغاية منها تنظيم التدافع والتفاعل في الحياة الاجتماعية. على كل حال فقد توسع الفكر الوضعي بدراسات مفصلة في هذا الشأن، أعني دور المصالح والحاجات في الصراع، ولعل أهم إسهام في ذلك هو نظرية الحاجات الأساسية للإنسان(BHN).

إن النظر في نظرية الحاجات هنا يكون من جانبين: من حيث طبيعتها ومضمونها، ومن حيث كونها النظرية الأساسية التي تهدف إلى إيجاد حلول جذرية للصراعات.

نجد معالجة دقيقة للجانب الأول عند روي(Ramashray Roy) في بحثه التحليلي حول طبيعة هذه النظرية بعنوان:( النـزاعات الاجتماعية ونظرية الحاجات) . تقوم هذه النظرية على جعل الإنسان الفرد هو الوحدة الرئيسية للتحليل. وذلك لأنها ترى أن الحل الجذري للصراعات يتمثل في تلبية الحاجات الأساسية للإنسان. صحيح أن وسائل تلبية الحاجات قد تختلف من ثقافة ومن بيئة إلى أخرى، إلا أن عدم القدرة على تلبية هذه الحاجات أو تلبيتها بطريقة غير مرضية هما السببان الجوهريان للصراع في المجتمع البشري. وتلبية حاجة الفرد ليس القصد منها ترضيته فحسب، وإنما هي مهمة لأنها تحدد الشروط الضرورية لبقاء المنظمات الاجتماعية في انسجام في كل مستوياتها المحلي والدولي. أي أن التركيز على حاجة الإنسان كوحدة رئيسية للتحليل وحلّ المشكلات موجه نحو استقرار وتقدم المجتمعات. لأن حاجة الفرد هي التي تجعل الإنسان قادراً على تفعيل الوحدات ضمن النظام الاجتماعي، والتي بدونها لا يكون ثمة انسجام للمنظمة الاجتماعية.

وربط انسجام المجتمع بتلبية حاجة الفرد يمكن تفسيره على ثلاثة وجوه: الأول، يُفسر على أنه إذا تمت تلبية حاجات الفرد فإن ذلك سيزعزع جذور النـزاعات، لأن النـزاع ينشأ بسبب غيبة أمل مستمر لتلبية حاجات رئيسية معينة للأفراد. الثاني، إن غيبة الأمل عن تلبية الحاجات هي التي تبدد نتائج الجهود المبذولة من أجل إحداث انسجام في المؤسسات الاجتماعية، لأن تلك الجهود لا تجعل من الإنسان الفرد وحاجاته وحدة للتحليل. الوجه الثالث، يفسر ارتباط الانسجام الاجتماعي بتلبية الحاجات الرئسية للفرد من حيث أن كل نـزاع ينشأ يحمل في طياته قضية تلبية الحاجات. لأن النـزاع ينشأ بسبب فشل طرف معين في رعاية تلك الحاجات، أو لم تلب بطريقة مرضية.

الظاهر من هذا العرض إن التفسير الأول يتجه إلى مصدر الصراع، بينما التفسير الثاني يتجه إلى العلاج من حيث أن الحاجة تكشف موضع الداء في بنية المجتمع. أما التفسير الثالث فمباين للتفسير الثاني ويرى أن النـزاع هو الذي يبيّن طبيعة الحاجات التي ينبغي تلبيتها.

مهما يكن، فإن السؤال الجوهري الذي يواجه هذه النظرية يأتي بالصيغة التالية: ما المقصود بالحاجات الأساسية للإنسان، وهل يمكن ترضية الإنسان الفرد بصورة كاملة ؟

ثمة وجهات نظر مختلفة في صدد الإجابة عن هذا التساؤل، لعل أمثلها تلك التي ترى أن الحاجات الأساسية للإنسان لا تنحصر في رغباته المادية البيولوجية وإنما تشمل أيضاً تلك التي تميزه عن الحيوان وتجعله كائناً اجتماعياً مثقفاً ومتديناً. أما عن الرضا بتلبية الحاجات فإنه أمر متغير مع تغير المجتمع والبيئة. مع ملاحظة أن هذا النظرية تتجاهل دور المجتمع في بناء الفرد والتأثير عليه، إذ أن المجتمع نفسه أحد الحاجات الضرورية للإنسان الفرد.

أما عن دور نظرية الحاجات في حل النـزاعات فهناك العديد من الدراسات في هذا الصدد، نجد خلاصتها في البحث الشامل الذي أعده كريستوفر(Christopher Mitchell) بعنوان: (رجل الحاجات وحلّ النـزاع) ، حيث حاول الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي تثور في هذا الشأن، من أهمها: هل يمكن لمفهوم (حاجات الإنسان) أن يضع الأسس التي تقوم عليها نظرية عامة في حل النـزاع؟ وما هي الإيضاحات المطلوبة لقيام مثل هذه النظرية ؟

لسنا بصدد للإجابة عن هذه التساؤلات في هذا الموضع، ولكن دور تلبية الحاجات الأساسية للإنسان في إيجاد مجتمع منسجم مترابط تعلوه المودة والسلام أمر لا تخفى أهميته على أحد. ولذلك كان حرص القرآن على رد الحقوق وتحقيق المساواة بين الناس يأتي من هذا الجانب. كما أن للقرآن منهج فريد في تنظيم التدافع في المجتمع البشري. وذلك بتقرير المساواة والتكافؤ بين الجنس البشري في الإنسانية، وباستيفاء الحاجات الضرورية للإنسان بصورة مرضية. فهو يتدرج في هذه المسألة، فيضع مبدأ الإيثار والتطوع في قاعدة التفاعل الاجتماعي، ثم يزيل الأحقاد وأسباب التباغض بالتوزيع العادل للثروة وبرد جزء من مال الأغنياء إلى الفقراء. ثم إحاطة كل ذلك بضمان حفظ الحاجات الضرورية: النفس والدين والعقل والمال والنسب، ورعاية الأمور الحاجية وجعل عنصر (الرضا) هو أساس التعامل في المعاملات والتفاعل الاجتماعي، أما الأمور التحسينية فمباح ومجال للتنافس بين سائر الناس.

وهكذا يتحقق الإفادة العظمى من المنهج القرآني في تنظيم التدافع وحل النـزاعات، بمقارنته بمقررات الدراسات التحليلية ومكتشفات النظريات الوضعية في هذا الشأن وذلك لتكون هذا النظريات، بل كل المجهود البشري في هذا المجال، هي الإطار النظري لتحليل مسائل التدافع وقضايا الصراع وطرق حلها، وصولاً إلى مجتمع التعاون والأمن والسلام على مستوييه القطري والدولي.

ومن جملة العرض والتحليل السابق نخلص إلى حقيقتين مهمتين:

الأولى: إن الأسباب الجوهرية للتنازع في المجتمع البشري تتمثل في أربعة أشياء: المصالح المشتركة ومصادرها النادرة، السعي لتلبية الحاجات الضرورية، البحث عن السلطة وإمتيازاتها، وأخيراً الدفاع عن القيم الدينية والثقافية والعرقية. وإذا كان التدافع حول هذه الأشياء أمراً مشروعاً في أكثر الأحوال، فليكن بالتي هي أحسن كما ذكر القرآن، بضبطه وتنظيمه وإدارته، دون تحويله إلى حرب واقتتال وتدمير.

الحقيقة الثانية: إن الطريق الصحيح للتعامل مع أي صراع قائم والتصدي له بحلول ناجعة يمر عبر بوابتين: الأولي، الإدراك الصحيح لطبيعة الصراع، هل هو صارع واقعي حول غايات جوهرية يجب على أطراف النـزاع مواجهتها من أجل تنظيم وإدارة التدافع حولها، أم هو حول أمور ثانوية لا علاقة لها بجوهر القضية؟ الإجابة عن هذا التساؤل يقتضي معرفة التكوين النفسي لأطراف الصراع، وهو عنصر ضروري لغايات استراتيجية. أما البوابة الثانية فهي العنصر الظرفي، أي لابد من إدراك كامل وقراءة جيدة لواقع الحال، والتنبؤ لمتغيرات الوقائع المحيطة بالصراع، لأن الزمن هو العنصر الحاسم في عصر العولمة.

مراجع البحث

 

1- Burton, John, Conflict: Human Needs Theory (Center for Conflict Analysis and Resolution, George Mason University, Virginia, USA 1990)

2- Conflict and Intervention in The Third World, edited by Mohammed Ayoob (ST.Martin’s Press, New York 1980).

3- Coser, Lewis, The Functions of Social Conflict (The Free Press, New York1956).

4- Constructive Conflict Management, edited by Ferd E. Jandt & Paul B.Pederson (Sage Publications, London 1996).

5- Conflict and Social Psychology, edited by Knud S. Larsen (International Peace Research Institute, London 1993).

6- States in a Changing World, edited by Robert H. Jackson & Alan James (Clarendon Press 1993).

7- Hare, A. Paul, Social Interaction as Drama: Applications from Conflict Resolution (Sage Publications, London 1985).

8- Luard, Evan, Conflict and Peace In the Modern International System (State University of New York Press 1988).

9- Simone, T. Abdou Maligalim, In Whose Image?: Political Islam and Urban Practices in Sudan (The University of Chicago press 1994).

 

شارك هذا المنشور على مواقع التواصل

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

شركائنا في النجاح...

عن المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

ISSN: 2661-7323

ISSN ONLINE:2661-7617

Indexed in The PKP Index includes 897630 records indexed from 3478 publications.under ref 4107

مدير التحرير الناشر المسؤول :الأستاذ بشير شايب

نائب رئيس التحرير مسؤول القسم العربي :الدكتورة براك صورية

جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة الجزائر

بريد التحرير

نظام الإدارة الإلكتروني للمجلة

لنشر مقالاتكم يرجى التسجيل في البوابة الرقمية للمجلة

 

Copyright © 2019 المجلة الأفريقية للعلوم السياسية كل الحقوق محفوظة.