Back To Top

foto1 foto2 foto3 foto4 foto5
المجلة الافريقية للعلوم السياسية أكاديمية دولية محكمة--------------- رئيس التحرير:الأستاذ بشير شايب

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

مجلة أكاديمية دولية محكمة

Choose your language

online now

46847 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

يمكنكم الإنضمام إلى قائمة
شركائنا في النجاح
من خلال إرسال شعار
 مؤسستكم العلمية  
الى البريد التالي

bnsbanis@gmail.com

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

  مقدمــة:

       تبنى ميثاق الأمم المتحدة موقفا صريحا بشأن تحريم استخدام القوة وأعمال العدوان أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، وهذا حفاظا على السلم والأمن الدوليين وأوكلت هذه المهمة بموجب المادة 39 من الميثاق إلى مجلس الأمن. تواصلت جهود منظمة الأمم المتحدة لإيجاد صيغة قانونية دولية ملزمة يحرم فيها اللجوء إلى حرب العدوان ويضبط تعريف دقيق لها،من خلال قرار الجمعية العامة الشهير 3314 الصادر في 14/12/1974(1)، إلا أن هذا المصطلح ظل مجرد اصطلاح سياسي تفسره كل دولة وفق رؤيتها السياسية ومصالحها الحيوية، ولم ينل نصيبه وأهميته بسبب ما واجهه من تضارب للمصالح السياسية والاقتصادية.

     بعد إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ودخوله حيز النفاذ سنة 2002  تم إدراج الجريمة ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، لتطبق عليها قواعد القضاء الجنائي الدولي كباقي الجرائم الدولية كجريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهذا ما أشارت إليه المادة 05 من ذات النظام ، لكن يبقى ممارسة المحكمة لاختصاصها معلقا على تقرير انعقاد حالة العدوان من طرف مجلس الأمن، ففي هذه الحالة نجد و أن الاختصاص قد تنازع بين اختصاص قضائي للمحكمة الجنائية ودور مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان باعتباره الجهاز الدولي المكلف بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين(2)، وهذا ماحاولنا توضيحه في هذه المقالة. فهل يمكن للمحكمة ممارسة اختصاصها بنظر جريمة العدوان دون تدخل من مجلس الأمن لتقرير حالة العدوان ؟ . وبصياغة أخرى هل إنفراد مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان يقييد اختصاص المحكمة بنظر هده الجريمة.

 المبحث الأول: أسباب إرجاء اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان

         بالرغم من أن المادة05 فقرة 1 من النظام الأساسي للمحكمة قد شمل جريمة العدوان بنصها على أن:"يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره"، وللمحكمة بموجب هذا النظام اختصاص النظر في الجرائم التالية.....جريمة العدوان، متى أعتمد حكم بذلك طبقا للمادتين 121و123 من ذات النظام، يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقا مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة.

فقد تم تقييد اختصاص المحكمة الجنائية بمحاكمة مرتكبي هذه الجريمة، إلى غاية اعتماد حكم بهذا الشأن، حسب قواعد التعديلات التي يمكن أن تجرى على النظام الأساسي للمحكمة وهذا ما تم الاتفاق عليه من طرف فريق عمل مخصص معني بجريمة العدوان المنشئ من طرف جمعية الدول الأطراف للمحكمة ، فقد تركزت مناقشات وأعمال هذا الفريق على عنصرين أساسين وهما شروط ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لصلاحياتها القضائية على هذه الجريمة، مع الإشارة إلى دور مجلس الأمن في تحديد ما هو فعل العدوان قبل أن تمارس المحكمة لسلطتها القضائية بنظر جريمة العدوان(3).

تعد الصلاحية الممنوحة للمجلس أخطر سلطة تهدد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وتعرقله، حيث يجعل المحكمة لا تباشر صلاحيتها لمحاكمة مرتكبي هذه الجريمة وتقرير مسئوليتهم الجنائية، إلا إذا سمح مجلس الأمن بذلك. وبما أن الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن تمتلك حق ''الفيتو'' فسيكون بإمكانها عرقلة عمل ،واختصاص المحكمة بالنظر في جريمة العدوان، فإذا اتفقت الدول الأربعة عشر في مجلس الأمن على أن الحالة المعروضة عليه تشكل جريمة عدوان، إلا أن أحد الدول دائمة العضوية استخدمت حق النقض أو الفيتو فإن استخدامه يعني الحيلولة دون إمكانية قيام اختصاص المحكمة إزاء هذه الجريمة، هذا ما يؤدي إلى إلافلات من العقاب خاصة إذا تعلق الأمر برعايا ومواطني الدول الدائمة العضوية، وهذا يتنافى مع مقاصد المحكمة الجنائية الدولية.

المطلب الأول: الخلاف بشأن إنفراد مجلس الأمن بتكييف العدوان . 

     أثارت مسألة منح مجلس الأمن الدولي سلطة الإنفراد بتقرير حالة العدوان وجهات نظر متباينة، والمشكلة الأساسية تتمثل في الإجابة عن تساؤل هام هو ما إذا كان مباشرة المحكمة لاختصاصها بنظر جريمة العدوان يتوقف على قرار مسبق صادر عن مجلس الأمن يثبت فيه وقوع هذه الجريمة؟. أم أن المحكمة تتمتع بسلطة تقرير ارتكاب العدوان من عدمه ودون أن يتوقف اختصاصها على ما يقرره المجلس؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، قدمت اقتراحات عديدة منذ بداية العمل لإنشاء المحكمة، فقد أكدت لجنة القانون الدولي بأنه:" لا يجوز تقديم شكوى عن عمل من أعمال العدوان أو تتصل مباشرة بعمل من أعمال العدوان بموجب هذا النظام الأساسي، ما لم يقرر مجلس الأمن أولا أن دولة ما قد ارتكبت العمل العدواني موضوع الشكوى"(4).

 يتبن بوضوح أن لجنة القانون الدولي منحت المجلس سلطة إثبات وتقرير العدوان، وبذلك فأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر هذه الجريمة يتوقف على ما يقرره المجلس، فإذا كيف الواقعة موضوع الشكوى بأنها عدوان، فإنه ينعقد اختصاص المحكمة. وإذا لم يتم تكييف الوضع على أنه يشكل جريمة عدوان من طرف المجلس، فإن اختصاص المحكمة يتعطل(5).لم يختلف الأمر بالنسبة لمشروع النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث جاء في الصياغة الأخرى للمادة 10 من مشروع النظام الأساسي وتحت عنوان دور مجلس الأمن على أنه:" لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة عدوان، ما لم يكن مجلس الأمن قد قرر أولا بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أن الدولة المعنية قد ارتكبت عملا عدوانيا.(6) "

الفرع الأول : الموقف الدولي من منح مجلس الأمن سلطة تحديد العدوان:

 أثارت المادة 10 من مشروع النظام الأساسي للمحكمة انقساما واضحا بين الدول المشاركة في مؤتمر روما بين معارض ومؤيد لدور مجلس الأمن.

أولا: الدول المعارضة لمنح المجلس سلطة تحديد حالة العدوان: تبنت هذه الدول موقفا معارضا لاحتكار مجلس الأمن تحديد وقوع العدوان، لما له من تأثير سلبي على اختصاص المحكمة باعتباره قيد يكبل يديها. وشملت هذه الدول مجموعة من الدول العربية ودول عدم الانحياز. فقد أشار الأستاذ "محمد عزيز شكري" مندوب سوريا بأنه:"إذا تركت المسألة إلى مجلس الأمن بما يتصف به من حق النقض البغيض في تحديد المسائل التي يتعين إحالتها إلى المحكمة فإن استقلالية هذه الاخيرة سوف تتعرض للخطر. وذهبت كل من تونس ليبيا والمكسيك، الهند، الباكستان، نيجريا،كوستاريكا،سلوفاكيا نفس المذهب، مؤكدين على أن قرارات المجلس لا تخلو من الازدواجية والانتقائية وهذا من شأنه شل اختصاص المحكمة، و حددت المكسيك شروط قبول سلطة المجلس وهي تقييد دوره عملا بأحكام المادة 27 فقرة 2 من الميثاق، وبذلك تعتبر كمسألة إجرائية لا ينطبق عليها حق النقض. (7)

ثانيا: الدول المؤيدة لمنح المجلس سلطة تحديد وقوع العدوان: كانت الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن في مقدمة الدول التي طالبت بمنح المجلس سلطة الانفراد بتقرير حالة العدوان و التأكيد على أن المحكمة لن تباشر اختصاصها بنظر جريمة العدوان، إلا بعد أن يقرر مجلس الأمن حالة العدوان وهذا ما أيدته كل من الولايات المتحدة الأمريكية بشدة أثناء مناقشات مؤتمر روما باعتبار أن المجلس وحده ينفرد بهذه السلطة بموجب الميثاق لكونه يستطيع اتخاذ التدابير القسرية.(8)

كما تبنت كل من فرنسا و الاتحاد السوفيتي وإسرائيل و الصين وألمانيا و اليابان موقفا مماثلا وأيدت السلطة الممنوحة لمجلس الأمن.

ثالثا: محافظة المؤتمر الاستعراضي على دور مجلس الأمن: لم يغفل المؤتمر الاستعراضي للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التطرق إلى صلاحية مجلس الأمن في تقرير العدوان، فأشار المؤتمر إلى أنه إذا ما خلص المدعي العام إلى وجود أساس معقول للبدء في تحقيق يتعلق بجريمة عدوان، عليه أن يتأكد أولا مما إذا كان مجلس الأمن قد إتخذ قرارا مفاده وقوع عمل عدواني.(9)

 وفي حالة رفض مجلس الأمن تقرير حالة العدوان أو سكوته عن ذلك، فإن هذا لا يعني سقوط اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وانعدام الأثر القانوني لتلك الجريمة، وإنما يترتب على الرفض ما يترتب على سلطة المجلس في إرجاء التحقيق أو المقاضاة، بمعنى أن المحكمة تتوقف عن النظر بالدعوى لمدة 12 شهر وبنهايتها، إما أن يزول اعتراض المجلس ومن ثمة تمارس المحكمة اختصاصها، أو يطلب مجلس الأمن تجديد طلب التأجيل الذي يعرض على واحدة من الجهات التالية لحسم النزاع: الجمعية العامة للأمم المتحدة أو جمعية الدول الأطراف أو محكمة العدل الدولية(10).

الفرع الثاني : مجلس الامن الجهة الدولية المختصة بتكييف حالة العدوان

       طبقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وللقرار3314 الصادر عن الجمعية العامة يعد مجلس الأمن الجهة المختصة بتكييف الفعل الذي وقع على أنه يشكل عملا من أعمال العدوان، هذه السلطة التقديرية التي يتمتع بها المجلس مستوحاة من نص المادة 39 من الميثاق بنصها:" يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع عمل يشكل تهديدا للسلم أو إخلالا به، أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من تدابير طبقا لأحكام المادتين 41 و42 من الميثاق، وذلك لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه. فإذا قرر المجلس أن الأعمال التي صدرت عن الدولة تشكل عملا من أعمال العدوان طبقا للمادة السابقة، فإن الدولة المعتدية تكون مسئولة دوليا عن هذه الأعمال، وتكون عرضة لتوقيع الجزاءات الدولية، فضلا عن مسؤوليتها عن تعويض الأضرار التي أحدثتها نظرا لاعتبار العدوان كجريمة دولية تدخل في نظام الجزاءات الجماعية المقررة في ميثاق الأمم المتحدة في النظام القانوني للمسؤولية الدولية، وذلك بالنظر إلى اللائحة 1314 والمادة 19 من مشروع  لجنة القانون الدولي بشأن المسؤولية الدولية للدول.(11)

المطلب الثاني: إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

         لم يكن إقرار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان أمرا محلا للاتفاق بين الدول بل أثار جدلا ونقاشا قانونيا واسع النطاق، سواء خلال الفترة التي سبقت انعقاد مؤتمر روما أو خلاله، وحتى الفترة التي تليه. وحتى الآن لا يزال العدوان هو المعضلة الأبرز التي لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها خاصة بعد تأخير تعريف هذه الجريمة وتحديد شروطها وإمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها إزاءها، بالرغم من إدراجها في آخر لحظة في النظام الأساسي للمحكمة،. وسنحاول إبراز الخلاف حول إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة فيما يلي

الفرع الأول: الخلاف بخصوص اختصاص المحكمة الجنائية الدولية جريمة العدوان

     تباينت مواقف الدول بشأن إدراج جريمة العدوان ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وانقسمت مواقف الدول بين معارضة ومؤيدة.

 أولا: الدول المؤيدة لاختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان:أثناء انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي المعني بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، ظهرت إرادة قوية لدى غالبية الدول في أن يشمل الاختصاص الموضوعي للمحكمة جريمة العدوان، وكان من الطبيعي أن تكون الدول العربية في مقدمة تلك الدول، وهو ما عبرت عنه كل من جمهورية مصر العربية في كلمتها أمام المؤتمر والتي جاء فيها ''أنه بالنسبة للجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة فقد أيدت مصر دائما إدراج جريمة العدوان ضمن هذه الجرائم لأنها تشكل أقصى وأفظع الجرائم في حق البشرية، ولا يمكن أن تترك بدون عقاب في نظام قضائي، جاء ليدعم العدل في المجتمع الدولي وأنه على الرغم من الصعوبات التي تعترض إدراج هذه الجريمة إلا أن تلك الصعوبات يمكن التغلب عليها إذا توافرت الإرادة اللازمة لذلك'' ،ونفس الموقف تبنته الجمهورية العربية السورية بهدف تمكين المحكمة من ملاحقة مرتكبي العدوان بوصفه جريمة ضد السلام بدقة وبمعيار واحد،وسارت معظم الدول العربية هذا المسار. كما وقد أكدت فرنسا وبريطانيا تأييدهما إدراج جريمة العدوان في اختصاص المحكمة، بشرط التوصل إلى تعريف دقيق لجريمة العدوان وكذا الحفاظ على دور مجلس الأمن في تحديد العدوان(12). وأبدت كل من سلوفينيا، بلجيكا، إيران، الاتحاد السوفياتي، الهند، جنوب إفريقيا، الدانمارك، اليونان، ألمانيا، جمهورية كوريا وكوستاريكا وسلوفاكيا، السنغال وتايلاندا، زامبيا وإيطاليا وغيرها، موقفا مؤيدا، لإدراج جريمة العدوان في اختصاص المحكمة، وأن الإخفاق في إدراج هذه الجريمة سوف يعرض وجود المحكمة للخطر، وأن المحكمة دون وجود اختصاص لها بشأن العدوان ستكون رمزية أكثر منها فعلية.وفي هذا الصدد قدمت مجموعة من الدول اقتراحات لتعريف العدوان وشروطا لممارسة المحكمة لاختصاصها المتعلق بالجريمة، فهناك من الدول من أيد تعريف الجمعية العامة للعدوان وفقا لقرارها 3314 لأهمية التعريف الذي جاء بتوافق الآراء، ولأنه احتفظ بدور مجلس الأمن في تقرير حالة العدوان(13).

 ثانيا: الدول المعارضة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان: عارضتقلة من الدول اختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان، متذرعة بعراقيل عدة منها سياسية، قانونية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة هذه الدول المعارضة. فقد أكد مندوبها في الجلسة السادسة لاجتماعات اللجنة أن إثارة جريمة العدوان يثير مشكلة التعريف ومشكلة دور مجلس الأمن إزاء العدوان. وأن القرار3314 لا يعد إلا تكرارا لما ورد في صيغة نورمبورغ، وذهب المندوب الإسرائيلي نفس المذهب الولايات بحيث أشار إلى عدم اقتناعه بوجوب إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة أكد على إنفراد مجلس الأمن وحده بالتصرف حيال العدوان حسب ما له من صلاحيات وتدابير عسكرية وغير عسكرية للحد من هذه الجريمة(14).

لم تقتصر المعارضة لاختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان على الدول الكبرى بل حتى الدول النامية عبرت كذلك عن معارضتها بقوة لاختصاص المحكمة بالنظر في جريمة العدوان منها باكستان، المغرب والمكسيك وذكرت المغرب أيضا أن العدوان يعتبر سياسيا في طبيعته ومع صعوبة إيجاد تعريف دقيق له  فإنه يتم استبعاد العدوان من قائمة الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة(15)

ثالثا: النتائج المتفق عليها في النظام الأساسي للمحكمة:يتبين لنا مما سبق ذكره أن أغلبية الدول المشاركة في مؤتمر روما، كانت تؤيد إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، على الرغم من كون موضوع العدوان من الموضوعات التي أثارت نقاشا حادا في مؤتمر روما إلا أنه لم يتم التوصل إلى إتفاق بخصوص تعريف العدوان، مما أدى إلى إسقاط جريمة العدوان عمليا من اختصاص المحكمة ومن نظام روما الأساسي وهو الاقتراح الذي تقدم به مكتب المؤتمر بالفعل قبل يومين من اختتام المؤتمر لكن مصير هذا الاقتراح الرفض من معظم الدول المشاركة، بل إنه كاد يؤدي إلى إفشال أعمال المؤتمر، وهو ما أشار إليه المندوب الإيراني ممثلا لحركة عدم الانحياز آنذاك، وأكد بأنه يشعر بالواجب إزاء الأجيال المقبلة بضرورة إدراج جريمة العدوان واستخدام الأسلحة النووية كجرائم في النظام الأساسي للمحكمة(16)،فقدبذلت العديد من الدول منها العربية ودول عدم الانحياز، وبعض الدول أوروبية جهودا كبيرة لإدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

والملاحظ فأن المشرع الدولي في المادة 05 من النظام الأساسي، ميز بين جريمة العدوان وبقية الجرائم الأخرى المندرجة ضمن اختصاص المحكمة، فقد تم تحديد مفهوم وتعريف للجرائم ضد الإنسانية بمقتضى المادة السابعة وفي المادة السادسة منه تم تحديد تعريف لجريمة الإبادة الجماعية، وحدد جرائم الحرب في المادة الثامنة، خلافا لما نص عليه النظام الأساسي بالنسبة لجريمة العدوان، والتي يتم تعريفها وتحديد شروطها في وقت لاحق حسب المادة 121 و122 من النظام الأساسي للمحكمة أي بعد انقضاء سبع سنوات من بدأ نفاد هذا النظام ، في مؤتمر استعراضي للدول الأطراف(17)وفي المؤتمر ينبغي أن تتم الموافقة على تعريف العدوان المقترح، إما بإجماع كل آراء الأطراف أو بأغلبية ثلثي تلك الدول. ومتى تحققت الأغلبية المطلوبة فإن المحكمة تمارس اختصاصها بخصوص جريمة العدوان بعد مرور سنة واحدة من تاريخ إيداع صكوك التصديق أو القبول بالنسبة إلى الدول التي وافقت عليه، أما بالنسبة للدول التي لم توافق على تعريف العدوان، فإن المحكمة ليس لها أن تمارس اختصاصها بنظر العدوان، وذلك عندما ترتكب في إقليم هذه الدولة أو يرتكبها أحد مواطنيها(18).

الفرع الثاني: نتائج المؤتمر الاستعراضي للنظام الأساسي للمحكمة.

      أدخل المؤتمر الاستعراضي المنعقد في كامبالا للفترة من 31 ماي إلى 11 جوان 2010 تعديلا جوهريا على جريمة العدوان، ليشمل وضع تعريف دقيق لها وتحديد إمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمةومن أهم النتائج الأخرى المتوصل إليها هي التعديلات المتعلقة بأركان الجرائم ،وخاصة جريمة العدوان في نص المادة 8 مكرر، وبعض التفاهمات الأخرى المتعلقة بالاختصاص الزمني والمحلي للمحكمة بشأن هذه الجريمة. مع التأكيد على أنه يجب أن لا تفسر هذه التعديلات على نحو يخالف قواعد القانون الدولي العام، أو تتنافى مع أغراض النظام الأساسي للمحكمة*. وسنحاول التطرق إلى هذه التعديلات بالتفصيل:

أولا: تعريف جريمة العدوان: تم حذف الفقرة 2 من المادة 5 من النظام الأساسي للمحكمة، وإدراج نص المادة 8 مكرر بعد المادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة.

حددت الدول الأطراف في المؤتمر الاستعراضي في المادة 8 مكرر تعريفا دقيقا للعدوان، استنادا إلى قرار الجمعية العامة رقم 3314 وذلك حسب الآتي بيانه:

1/لأغراض هذا النظام الأساسي، تعني جريمة العدوان قيام شخص ما، له وضع يمكنه فعلا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل، بتخطيط أو إعداد أو بدأ أو تنفيذ عمل عدواني يشكل، بحكم طابعه وخطورته و نطاقه، انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة(19).

2 / لأغراض الفقرة 1 ، يعني"العمل العدواني" استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وتنطبق صفة العمل العدواني على أي عمل من الأعمال التالية، سواء بإعلان حرب او بدونه(20).

أ–قيام القوات المسلحة لدولة ما بالغزو أو الهجوم على إقليم دولة أخرى أو الاحتلال العسكري،ولو كان مؤقتا،أو ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة .

 ب–قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال أية أسلحة

ج–ضرب حصار على موانئ دولة أو سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى(21).

د–قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى(22).

ه–قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق، أو أي تهديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق .

و–سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة.

ز–  إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال القوة المسلحة،أو الاشتراك في ذلك .(23)

ثانيا: شروط ممارسة الاختصاص على جريمة العدوان: نصت المادة 15 مكرر على  الشروط اللازم توافرها لممارسة المحكمة لاختصاصها على جريمة العدوان.
1 / الإحالة الصادرة عن الدول من تلقاء نفسها :يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها بشأن جريمة العدوان وفقا للمادة 13 فقرة أ،ج، من النظام الاساسي للمحكمة.

أ–لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة العدوان إلا بعد مضي سنة واحدة على مصادقة أو قبول التعديلات من ثلاثين دولة طرف.

ب–تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بجريمة العدوان وفقا لهذه المادة، ورهنا بقرار يتخذ بأغلبية دول أطراف تساوي الأغلبية المطلوبة لاعتماد تعديلات على النظام الأساسي، وذلك بعد 01 جانفي 2017.

ج–يجوز للمحكمة وفقا للمادة 12 من ذات النظام أن تمارس اختصاصها بشأن جريمة العدوان التي تنشئ عن عمل عدواني ترتكبه دولة طرف ما لم تكن تلك الدولة الطرف قد أعلنت سابقا أنها لا تقبل الاختصاص عن طريق إيداع إعلان لدى المسجل. ويجوز سحب هذا الإعلان في أي وقت و يجب النظر فيه من قبل الدولة الطرف خلال ثلاث سنوات.

د–بالنسبة لدولة ليست طرفا في هذا النظام، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها المتعلق بجريمة العدوان عندما يرتكبها مواطنو تلك الدولة أو ترتكب على إقليمها.

ه–إذا خلص المدعي العام إلى وجود أساس معقول للبدء في تحقيق يتعلق بجريمة عدوان، عليه أن يتأكد مما إذا كان مجلس الأمن قد إتخذ قرارا مفاده وقوع عمل عدواني ارتكبته الدولة المعنية. وعلى المدعي العام أن يبلغ الأمين العام للأمم المتحدة بالوضع القائم أمام المحكمة، بما في ذلك أي معلومات أو وثائق ذات صلة.

و–في حالة عدم اتخاذ قرار من هذا القبيل في غضون ستة أشهر بعد تاريخ الإبلاغ، يجوز للمدعي العام أن يبدأ التحقيق، شريطة أن تكون الشعبة التمهيدية قد أذنت ببدء التحقيق وفقا للإجراءات الواردة في المادة 15،وأن لا يكون مجلس الأمن قد اعترض .

2/الإحالات الصادرة من مجلس الأمن:يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها بناء على إحالة من مجلس الأمن وفقا للفقرة ب من المادة 13 من النظام الأساسي بعد مرور سنة واحدة على التصديق أو القبول بالتعديلات من ثلاثين دولة طرف، بغض النظر عما إذا كانت الدولة المعنية قبلت اختصاص المحكمة في هذا الصدد.(24)

3/ متى يمكن للمدعي العام أن يفتح تحقيق بشأن جريمة العدوان. لا يمكن للمدعي العام للمحكمة فتح تحقيق إلا في الحالات التالية:

أ/حالة إقرار المجلس وتكييفه للوضع بأنه يشكل جريمة عدوان مرتكبة من طرف الدول، عملا بأحكام المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة. أو أن يتم مرور فترة 06 أشهر دون تقرير مجلس الأمن لحالة العدوانولم تعلن الدول المعنية صراحة بعدم قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية(25).

ب/ إذا كانت الجريمة تشكل عدوانا وارتكبت من طرف الدول الأطراف في نظام روما

ج/في حالة صدور ادن بفتح تحقيق بشأن جريمة العدوان من طرف الدائرة التمهيدية.

4/ متى ينعقد اختصاص المحكمة بنظر جريمة العدوان.في جميع الأحوال، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصها على جريمة العدوان، بعد صدور قرار يتخذ بأغلبية دول أطراف تساوي الأغلبية المطلوبة لاعتماد تعديلات على النظام الأساسي، وذلك بعد 01 جانفي 2017.

 المبحث الثاني : عيوب انفراد مجلس الأمن بسلطة تقرير حالة العدوان

       إن إنفراد مجلس الأمن بتقرير حالة العدوان هو أمر مهم وخطير في نفس الوقت. فبوصف مجلس الأمن جهازا سياسيا من شأنه أن يقيد اختصاصها بقرار وجود عدوان، أو يخشى منه وصف عمل ما بأنه غير عدواني بالرغم من توافر أركان جريمة العدوان، بسبب استخدام حق النقض أو الفيتو، الذي سيكون سيفا يشهر في وجه المحكمة إذا ما تعلق الأمر برعايا الدول دائمة العضوية. (26)

المطلب الاول:تداخل السلطات القضائية للمحكمة والاختصاص الخالص لمجلس الأمن

         تندرج جريمة العدوان ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أن هذا يجب أن لا يؤثر مطلقا على الصلاحيات الممنوحة لمجلس الأمن والمقررة بموجب الفصل السابع من الميثاق، والتي بموجبها ينفرد المجلس بتقرير حالة العدوان. وهو شرط أساسي لممارسة المحكمة لاختصاصها، وهذا ما اشترطته المادة 21 و23 من مشروع النظام الأساسي للجنة القانون الدولي(27)، لكن هذه المسألة أثارت فكرة التداخل في الاختصاصات بين الجهازين، وهذا ما يؤدي إلى مخاطر تعارض المفهومين وهما مفهوم حفظ السلم والأمن وترقية العدالة الجنائية الدولية.

الفرع الاول : تقييد الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية

       تكتسي جريمة العدوان بعدا إضافيا فيما يخص العبارات التي أخذ بها الميثاق باعتبارها جريمة دولية ينجر عنها مسؤولية مدنية وجنائية فردية أوشخصية ومسؤولية دولية. الأمر الذي يستتبع بطبيعة الحال تضارب في تقرير الجهة المختصة بتقرير تلك المسؤولية ونوعها، لأن جريمة العدوان ترتب مسؤولية مزدوجة، فمن ناحية تسأل الدولة المعتدية دوليا عن أعمالها العدوانية ومن ناحية أخرى يسأل الأشخاص الطبيعيين المرتكبين لجريمة العدوان مسؤولية جنائية دولية أمام المحكمة الجنائية الدولية(28).فلمجلس الأمن اختصاصات عضوية أو تأسيسية باعتباره جهاز تنفيذي للأمم المتحدة ومن شأنه أن يبرر سمو اختصاصاته على الاختصاصات القضائية للمحكمة، وإذا كان مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية معترف به عند ارتكاب جريمة دولية، كجريمة العدوان، فلمجلس الأمن أن يهتم بجرائم العدوان المرتكبة من الدول، بينما تهتم المحكمة بمتابعة الأشخاص باعتبارهم موضوع مساءلة جنائية دولية(29).

لكن جريمة العدوان المرتكبة من طرف شخص تفترض جرم الدولة، وبهذا يطرح تداخل المسؤوليتين وبالأخص العلاقة التي يجب أن تكون مع الجهاز المختص بتكييف العدوان والذي يتخذ قبل كل شيء قرارات سياسية. فمعاقبة الأشخاص من طرف المحكمة نتيجة ارتكابهم جريمة العدوان، سيجعل من الصعب تناسي مسؤولية الدولة أو دور المجلس إذا تم الاتفاق حول هذه الجريمة(30)وفي هذا الصدد أكد الأستاذ "يوبجي كندرولي" قائلا: ''النظام الأساسي لروما يضع تحت استعداد مجلس الأمن محكمة جنائية دولية ذات طابع خاص دائمة، فلمجلس الأمن اختصاصات يمكن أن تؤثر سلبا على المحكمة الجنائية الدولية وفعاليتها''(31)والجدير بالذكر هو سمو الاختصاصات القضائية للمحكمة على اختصاصات مجلس الأمن لأن المحكمة هي الهيئة القضائية المسئولة عن تحديد المسؤولية الشخصية لمرتكبي جريمة العدوان، باعتبارها جريمة تندرج ضمن اختصاصها. فالمجلس منح سلطات من طرف الميثاق في مواجهة الدول التي تهدد السلم والأمن الدوليين، لكن دون أن يمنح له أي حق في مواجهة الأشخاص(32).

الفرع الثاني : تجنب مجلس الأمن استعمال مصطلح العدوان .   

       يخضع تقرير مجلس الأمن لوقوع جريمة العدوان لاعتبارات سياسية وليست قانونية، وهذا من شأنه أن لا يربط المحكمة بمعيار قانوني ثابت، بل يؤثر على حيادها. فقد ذكر أحد القضاة وهو ''شوبيل لي'' في قضية النشاطات العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها ''بأن مجلس الأمن هو مخول بمعاينة وجود فعل العدوان ليس باعتباره جهاز قضائي بحيث يمكن أن يستشف وجود عدوان أو قد يرفض أن يأخذ هذا الموقف نظرا لاعتبارات سياسية أكثر منها قانونية ".(33)

أبدى مجلس الأمن ترددا كبيرا في تكييف حالات على أنها تشكل جريمة عدوان، بالرغم من توافر أركانها، وفضل استعمال المصطلحات الواردة في المادة 39 من الميثاق كتهديد بالسلم أو إخلال به،  ودون تحديد الدولة المعتدية لأنها مسألة موضوعية يتطلب التصويت عليها وفقا للمادة 27 من الميثاق(34)وهي مسألة قانونية دقيقة أكثر منها سياسية، كفكرة المسؤولية الجنائية الدولية للأفراد و المسؤولية الدولية للدولة المعتدية، وفي الواقع كان مجلس الأمن معاقا نتيجة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، فلم  يعترف بوجود جريمة العدوان إلا في حالات معينة منها، مثل حالة العدوان في جنوب إفريقيا.(35)والهجوم الذي ارتكبه الجيش الإسرائيلي على مركز منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وتم استعمال مصطلح العدوان لتجنب سخط دول العالم الثالث.

وفي حالات أخرى تم اللجوء لحق النقض لمنع تكييف الجريمة على أنها عدوان وهذا لاعتبارات سياسية، فهناك جملة من القرارات فيما يخص هذه المسألة، فعلى سبيل المثال القرار 660 سنة 1990 الخاص بغزو العراق للكويت وكذلك القرار رقم661، لم يشر المجلس إلى وصف العدوان وفقا للمادتين 39 و40 من الميثاق، ولم يستعمل تعبير العدوان واكتفى باتخاذه عبارة حيادية هي:"التهديد بالسلم والأمن الدوليين".(36)

      لم يتغير موقف المجلس أثناء النزاع في يوغوسلافيا ثم البوسنة والهرسك، فقد كيف الوضع على أنه تهديد للسلم، رغم من أن الوضع كان يشكل جريمة عدوان، واستعمل عبارة العملية العسكرية المتخذة من قبل إسرائيل في قراره 242 حول الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة لعام1967، وكذلك عبارة الهجمات العسكرية التي قامت بها إسرائيل ضد لبنان في1973 بموجب قراره 338 الخاص بحل النزاع في الشرق الأوسط دون أن يستعمل مصطلح العدوان،غير أنه استعمل مصطلح تصرفات عدوانية، هجمات مسلحة، بالنسبة إلى تدخلات حكومة جنوب إفريقيا في أنغولا (37).

المطلب الثاني: مقترحات التقليل من تدخل مجلس الأمن في مسألة العدوان.

         يمكن تقديم بعض المقترحات لاحتواء دور مجلس الأمن بشأن جريمة العدوان نأمل أن تلقى هذه الاقتراحات مجالا لها في مؤتمر استعراضي لاحق، ويمكن بهذا الخصوص العودة إلى قرار الاتحاد من أجل السلام الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1950 بناءا على طلب الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، والذي يمنح للجمعية العامة للأمم المتحدة حق الحلول محل مجلس الأمن(38).

الفرع الاول: تجانس في التعامل مع العدوان كما هو حال محكمة العدل الدولية.

       تطرقت العديد من الآراء أثناء إعداد النظام الأساسي للمحكمة إلى محاولة تجنب فرض تحديد مسبق من المجلس لجريمة العدوان، محاولة منح المحكمة سلطة ممارسة اختصاصها إزاء جريمة العدوان حتى في حالة عدم تصرف المجلس. ورفضت دول عدم الانحياز فرض أي إجراء للمجلس من شأنه أن يحد من فعالية اختصاص المحكمة، مقارنة بحكم محكمة العدل الدولية في قضية النشاطات العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها، حيث لم ترفض محكمة العدل الدولية فحص النزاع رغم ثبوت أن إحدى الدول قد ارتكبت فعلا عدوانا، وفي غياب تحديد مسبق للعدوان من طرف المجلس وأشارت محكمة العدل الدولية في حكمها في قضية السلك الدبلوماسي بطهران قضية الرهائن، وذكرت محكمة العدل الدولية إزاء رفض بعض الدول المشاركة في نفقات الأمم المتحدة في رأيها الاستشاري الصادر في 20/07/1962 ''إن مسؤولية مجلس الأمن في مجال حفظ السلام والأمن الدوليين تبقى أساسية ولكنها ليست خصوصية''(39)

الفرع الثاني/ إمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها رغم عدم إقرار المجلس للعدوان.

       تم الاتفاق من طرف الدول المجتمعة في مؤتمر روما، على قبول المسؤولية الأساسية للمجلس إزاء جريمة العدوان مع إعطاء المحكمة دور مهم في ذلك. فالمحكمة الجنائية الدولية لها الحق في تقديم طلب للمجلس بشأن وجود أعمال العدوان، وذلك بتحديد المصطلح وفقا للمادة 39 من الميثاق وفق حالتين:

الحالة الأولى:هي عندما يتم إخطارها حسب المادة 13 فقرة (أ) و(ج) من نظام روما الأساسي، فلها أن تطلب من المجلس أن يحدد ما إذا كان هناك عدوان وبالتالي فالمحكمة ملزمة بتبليغ مجلس الأمن فورا بالقضية المعروضة أمامها لكي تفسح له المجال للنظر في خياراته.(40)

الحالة الثانية: تكون عندما تخطر المحكمة من طرف المجلس وفقا للمادة 13 فقرة (ب) من النظام روما الأساسي، فإن المحكمة تبدأ بممارسة اختصاصها إذا كان المجلس قد أقر حالة العدوان، حيث تم استيفاء الشرط المتعلق بممارسة الاختصاص، وإذا لم يتم ذلك فإن المحكمة تطلب من المجلس تحديد الحالة في منطوق قراره وللمحكمة أن تباشر اختصاصها بالمقاضاة عن تلك الجريمة(41).

الحالة الثالثة:تقتضي إمكانية المتابعة حتى رغم صمت مجلس الأمن وعدم قيامه بأي تصرف إزاء هذه الجريمة، فبعد إخطار المحكمة بإحالة حالة من طرف الدولة الطرف أو قيام المدعي العام بمباشرة التحقيق بنفسه، تتأكد المحكمة مما إذا كان المجلس قد أصدر قرارا بخصوص تحديد لجريمة العدوان ويتم هذا الإجراء من طرف الأمين العام للأمم المتحدة وفقا لاتفاق العلاقة بين المحكمة والأمم المتحدة وللمحكمة في حالة ما إذا تبين لها عدم اتخاذ المجلس لأي قرار لمدة 06 أشهر من تقديم الطلب إليه(42)، أن تطلب فتوى إلى محكمة العدل الدولية ويوجه الطلب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، والغرض من هذه الفتوى هو إثبات ما إذا كانت المحكمة قادرة على مباشرة اختصاصها لمحاكمة مرتكبي هذه الجريمة.

 الخاتمـــة:

      إن لمجلس الأمن صلاحيات خطيرة وهامة في نفس الوقت أسندها له النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بإيعاز من الدول الدائمة العضوية فيه وتتمثل هذه السلطات في سلطة إرجاء التحقيق أو المتابعة والانفراد بتقرير حالة العدوان ومن شأن هذه الصلاحيات أن تعرقل نشاط المحكمة الجنائية الدولية وتحويلها إلى جهاز سياسي وهذا ما تصبو إلى تحقيقه الدائمة العضوية كالولايات المتحدة الأمريكية ، فيمكن لمجلس الأمن أن يشهر سيفا معاديا للمحكمة تحت جميع الضغوطات المفروضة عليه نتيجة تضارب مصالح الدول الكبرى وهذا ما يؤثر سلبا على فعالية المحكمة الجنائية الدولية . لهذا يجب إعادة النظر في الصلاحيات الممنوحة لمجلس الامن والنهوض بالدور الحيادي والقضائي للمحكمة الجنائية الدولية لتكريس العدالة المنشودة.

الهوامش والمراجع  :

1–راجع تعريف جريمة العدوان حسب قرار الجمعية العامة رقم 3314، وثيقة الأمم المتحدة رقم (A/9890) بتاريخ 14 ديسمبر 1974 .

2– حسنين عبد الخالق حسونة:"توصل الأمم المتحدة إلى تعريف العدوان "،المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 32، 1976،ص.57 .

3–إبراهيم الدراجي: جريمة العدوان ومدى المسؤولية القانونية الدولية عنها، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005 ، ص 953 .

4– أنظر الفقرة 2 من المادة 23 من مشروع لجنة القانون الدولي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية،أعمال لجنة القانون الدولي ،الأمم المتحدة، الطبعة الخامسة،1998. 

5–أنظر الوثيقة رقم :A/conf,18212/Add.1p14 ,15  المرجع السابق،ص 955.         6أنظر نص الفقرة 1 من المادة 10 من مشروع النظام الأساسي وثيقة رقم:                                             A/conf,183/2,1/Add-1.Arabic.pp36 ابراهيمالدراجي،المرجع السسابق،ص557.

7- عبد الواحد محمد الفار:الجرائم الدولية وسلطة العقاب عليها،دار النهضة العربية، القاهرة ، 1996، ص. 169.

8–أمير فرج يوسف:"المحكمة الجنائية الدولية والطابع القانوني لها ونشوء عناصر فوق الوطنية في القضاء الجنائي الدولي"،منشأة المعارف، الإسكندرية،طبعة 2008، ص.119.

9–عبد الفتاح بيومي حجازي:"المحكمة الجنائية الدولية"،دراسة متخصصة في القانون الجنائي الدولي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2004، ص. 217- 221.

10– ابراهيم الدراجي : المرجع السابق، ص.957.     

11 – عبد الله علي عبو سلطان: دور القانون الدولي الجنائي في حماية حقوق الانسان، دار دجلة ، المملكة الأردنية الهاشمية، الطبعة الأولى، 2008 ، ص.137  .

12– BOURDON William «la cour pénale internationale, le statut de rome », ed Seuil, Paris, Mai 2000,p. 37.    

13 - أمير فرج يوسف:"المحكمة الجنائية الدولية والطابع القانوني لها ونشوء عناصر فوق الوطنية في القضاء الجنائي الدولي"،منشأة المعارف،الإسكندرية، طبعة 2008، ص.119.

14– حامد العليمات: جريمة العدوان في ظل نظام المحكمة الجنائية الدولية ، دار الثقافة للنشر و التوزيع، عمان، الاردن ،الطبعة الأولى، 2010 ، ص 214 .  

15GAJA Giorgio : « the cong journey towards RepressingAggression» the Rome statute of the international court A commentary, Volume, Oxford University press, 2005, P 435

16– راجع وثائق المحكمة الجنائية الدولية منشور على موقع المحكمة:                                                 .www.UN,ORG/icc/Speeches/616SyR4,NTM

17–  سدي عمر:" دور منظمة الأمم المتحدة في الحد من جريمة العدوان"، مذكرة لنيل شهادة الماجستير فرع القانون الدولي والعلاقات الدولية، كلية الحقوق، بن عكنون، السنة الجامعية 2009-2010، ص .166 .

18 – بن تغري موسى: علاقة مجلس الامن بالمحكمة الجناية الدولية  في ظل اتفاقية روما، مدكرة ماجيستير قانون دولي جنائي، جامعة سعد دحلب ، البليدة، 2006، ص94.

19– Résolution RC / Res .6 adoptée le 11 juin 2010 , lors de la  conférence de révision du Statut de Rome à Kampala : http:// www .Kampala .icc _ cpi .info /

20 –أنظر القرار رقم (RC/RES,6) أعتمد القرار بتوافق الأراء في الجلسة العامة الثالثة عشر المعقودة في 11 جوان 2010.على الموقع الالكتروني:

www .Kampala. .icc _ cpi .info / fr

21–أنظر القرار رقم (RC/RES,6) 2010.

22– نتائج المؤتمر الاستعراضي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 2010، تقرير المحكمة الجنائية الدولية للفترة ما بين 2009، 2010،وثيقة رقم 313/65/Aعلى الموقع الإلكتروني: www.icc.cpi.int.

23–  المرجع نفســه .

24– المرجع نفســه .

25– أنظر القرار رقم (RC/RES,6) 2010.

26محمود شريف بسيوني:"وثائق المحكمة الجنائية الدولية"،المرجع السابق، ص.10.

27-براء منذر كمال عبد اللطيف:علاقات المحكمة الجنائية الدولية، دراسة مقارنة، بحث مقدم إلى مؤتمر التنمية البشرية و الأمن في عالم متغير على الموقع الالكتروني:

                           29.  ص.   ,topic83 baraa , get , us ,t

28-أحمد إدريس: المحكمة الجنائية الدولية و مجلس الأمن أية علاقة بين القضاء الجنائي الدولي و المحافظة على السلم و الأمن في عالم متغير، مداخلة في ندوة المحكمة الجنائية الدولية الطموح، الواقع ، أفاق المستقبل، أكاديمية الدراسات العليا طرابلس 10، 11 يناير 2007 ، ص 05.

29-شاهين سهام: الاشكاليات المتعلقة ببعض جوانب الاختصاص الموضوعي المحكمة الجنائية الدولية، جريمة العدوان نمودج،ص05 ،على الموقع :

ac.ly_vb_ showthread . php ? p5371 

                                

30- BULA. BULA Sayeman : « la cour pénale internationale envisageé dans ses rapports avec le conseil de sécurité des nations unies», the African soceity of international and comparative law proceedings of the Eleventh Annual conference 1999, p. 323.         

31-مجاهد وردة: مجلس الامن والمحاكم الجنائية الدولية،مدكرة تخرج لنيل شهادة الماجيستير، فرع القانون الدولي والعلاقات الدولية، جامعة بن عكنون الجزائر العاصمة، السنة الدراسية 2009 ، ص.103.

32– محمد هاشم مافورا: العلاقة بين المحاكم الجنائية و الأمم المتحدة، منشور على شبكة الأنترنيت       sectionsitem.     phppiteniedymain/www.aladel.gov.

33-BASSIOUNI Cherif: «international criminal court ; compilation of united Nation» Documents and draft icc statute before the diplomatic conference, p. 133 .               

34Ibid ; p134 ، ص. 241.

35اخلاص بن عبيد:اليات مجلس الامن في تطبيق القانون الدولي الانساني، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجيستير تخصص القنون الدولي الانساني السنة الجامعية 2008، 2009 ، ص. 211.

36–أبو الخير أحمد عطية:"المحكمة الجنائية الدولية الدائمة"،دراسة للنظام الأساسي للمحكمة وللجرائم التي تختص بالنظر فيها،دار النهضة العربية،القاهرة،الطبعة الثانية، 2006 ، ص. 122 .

37–المختار عمر السعيد شنان:العلاقة بين مجلس الامن و المحكمة الجنائية الدولية الدائمة  الندوة العلمية حول المحكمة الجنائية الدولية الدائمة،الطموح والواقع،أفاق المستقبل في الفترة 10، 11 جوان 2007 أكاديمية الدراسات العليا طرابلس، ليبيا، ص 14

38– براء منذر كمال عبد اللطيف، المرجع السابق، ص. 27.

39- أبو الخير أحمد عطية:"المحكمة الجنائية الدولية الدائمة"،دراسة للنظام الأساسي للمحكمة و للجرائم التي تختص بالنظر فيها،دار النهضة العربية،القاهرة، الطبعة الثانية، 2006 ، ص. 122 .

40سدي عمر، المرجع السابق، ص. 169.

41–المرجع نفســـه

42- حامد العليمات، المرجـع السابق ،ص .218 .

42- ابراهيم الدراجي: ص570.

شارك هذا المنشور على مواقع التواصل

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

شركائنا في النجاح...

عن المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

ISSN: 2661-7323

ISSN ONLINE:2661-7617

Indexed in The PKP Index includes 897630 records indexed from 3478 publications.under ref 4107

مدير التحرير الناشر المسؤول :الأستاذ بشير شايب

نائب رئيس التحرير مسؤول القسم العربي :الدكتورة براك صورية

جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة الجزائر

بريد التحرير

نظام الإدارة الإلكتروني للمجلة

لنشر مقالاتكم يرجى التسجيل في البوابة الرقمية للمجلة

 

Copyright © 2019 المجلة الأفريقية للعلوم السياسية كل الحقوق محفوظة.