Back To Top

foto1 foto2 foto3 foto4 foto5
المجلة الافريقية للعلوم السياسية أكاديمية دولية محكمة--------------- رئيس التحرير:الأستاذ بشير شايب

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

مجلة أكاديمية دولية محكمة

Choose your language

online now

71802 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

يمكنكم الإنضمام إلى قائمة
شركائنا في النجاح
من خلال إرسال شعار
 مؤسستكم العلمية  
الى البريد التالي

bnsbanis@gmail.com

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الملخص:
عرفت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة انتفاضات شعبية متعددة الأبعادوالتوجهات المدنية والسياسية
والاجتماعية والاقتصادية,تجاوزت الأطر الوطنيةوالحدود الإقليمية مستغلة ثورة المعلومات لتجسد نموذجا للتغيير السياسي فيالفضاء العالمي وأساليب التحول الديمقراطي على غرار ما حدث في أمريكااللاتينية وارويا الشرقية وما عرف بالثورات الملونة  في أوروبا وإيرانبداية الألفية لتؤسس التحولات العربية لتجربة ديمقراطية ناشئة  بأسلوبالثورات الناعمة. الوضع الاجتماعي المتردي للمواطن العربي والبيئة المتأزمة التي فرضها منطقالاستبداد التسلطي للأنظمة الفاسدة باداءات كارثية وتغييب كامل  للشرعيةالشعبية,كانت تلكم ابرز العوامل التي حركت الشارع العربي والنخب للانتفاضةضد تسلط تلك الأنظمة ويمكن قراءة مشهد الموجات العالمية للديمقراطيةوالتجارب الإقليمية  الناجحة كأبرز ملامح المحفزات المحركة لهذه الانتفاضاتالشعبية.
تنامي الوعي العربي بحقوقه وحرياته ومطالبه التنموية اتخذ منطقا لتبريرالتدخلات الخارجية ودفاعها عن تلك المطالب من منطلق المعيارية الغربيةللديمقراطية وحقوق الإنسان للتغطية عن تدخلاتها في تلك الانتفاضات وتوجيههاوفق مصالحها الثابتة في المنطقة
الكلمات الدالة
ثورات الربيع العربي,الانظمة العربية,التحول الديمقراطي,التسلط ,الاستبداد.

مقدمة:
شهدت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة حراك سياسي غير مسبوق في التاريخالعربي منذ حركات التحرر,بل أن هذا الحراك شبه إلى حد كبير بالاستقلالالثاني للدول العربية بعد أن تحررت شعوب تونس,مصر,ليبيا واليمن من أنظمةفاسدة استبدت بالسلطة وقهرت هذه الشعوب كما اجتاحت موجات الاحتجاجات معظمالدول العربية وبدرجات متفاوتة واستطاعت الضغط على السلطة وتحقيق انجازاتسياسية واجتماعية وافتكاك حقوق أساسية ساهمت في تحرير المشهد السياسيالعربي من احتكارات السلطة القمعية.
شعارات الديمقراطية,الحرية والتحرر لم تكن مستقلة عن القوى الخارجية ليسبحكم ان هذه القوى هي الراعية لتلك الشعارات العالمية ولكن بحكم حجم التدخلالخارجي وأسلوب تدخله الغير متماشي مع تلك الشعارات وهذا ما يقودنا إلىطرح السؤال التالي:
هل تعكس ثورات الربيع العربي تراكم النضال الديمقراطي الشعبي والفكري بماهي تتويج له أم أنها صناعة أجنبية لتأكيد المعادلة الثابتة لثبات المصالحالغربية واقتران التغيير العربي بمعيارية الغرب المفاهيمية وأجنداتهالتطبيقية؟
محاور الإجابة:
1-
ملامح الوضع الإقليمي قبل ثورات الربيع العربي.
ا-السمات العامة لاداءات الأنظمة العربية.
ب-السياقات الإقليمية والدولية للإصلاح والتغيير في المنطقة العربية.
2-
ثورات الربيع العربي ومشاهد التغيير.
ا-المحددات الداخلية للثورات.
ب-ثورات الربيع العربي ونظرية المؤامرة.
3-
الدولة والمجتمع  والعلاقات الخارجية في الوطن العربي بعد الثورات.
الخاتمة.
1-
ملامح الوضع الإقليمي قبل ثورات الربيع العربي.
عرفت الأقطار العربية منذ نهاية الحرب الباردة حالة من التشرذم والانكساروتوالي النكسات السياسية والخيبات الاقتصادية وتفاقم الصراعات الداخليةوالبينية ,من حرب الخليج الثانية إلى احتلال العراق امتدت على مستوى كل قطرعربي سلسلة من التحديات والمخاطر المهددة لوحدة هذه الأقطار وسيادتهاوالمقوضة لاستقرار المجتمعات فارتسمت مشاهد التفكك و تجسدت ملامح التدخلالخارجي بعد إحداث سبتمبر واحتلال العراق فاتضحت خارطة التغيير الخارجي فيظل غياب الفعل والرؤية العربية للتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدوليةوالعجز عن مواكبة هذه التحولات مما فسح المجال لانجاز خارطة التصوراتالخارجية لمستقبل المنطقة.
 
السمات العامة لاداءات الأنظمة العربية :يعرف على الأنظمة العربية علىأنها أنظمة أبوية إيديولوجية ومن تلك الإيديولوجية الثورية تستمد شرعيتها,وحتى مع سقوط المعسكر الاشتراكي والتحول نحو المنظومة الليبرالية لم يحدثفي الأقطار العربية تحول سياسي مصاحب لمسيرة الديمقراطية والتحولاتالعالمية وظلت المجتمعات العربية تعيش في إطار ما تنتجه سلوكيات الدولةالوطنية من بيروقراطية وتسلطية كرست الفراغ البنيوي والمؤسساتي في هذهالمجتمعات(1)وأفشلت كل محاولة لقيام مشروع ديمقراطي يسمح بإبراز قدراتالمجتمعات العربية ويعبر عن ذاتها وكينونتها كفواعل مهمة في انجاز إسهاماتحضارية للحاق بركب المجتمعات المتقدمة بدل أن تبقى تلك المنطقة كمركز توتردائم.
نموذج الدولة التسلطية في فترة ما بعد الحرب الباردة  أدى إلى استمرارالفواعل التقليدية في صياغة المشهد السياسي العربي بكل ما يعنيه ذلك من وادللمشروع الديمقراطي وإخلال بفلسفة التعاقد في مشروع بناء الدولةالحديثة(2)
ا-السمات العامة لاداءات الأنظمة العربية:
تندرج معظم الدراسات العربية على اصطلاح مفهوم نصف ديمقراطية أو ديمقراطيةالمرة الواحدة لوصف حالة بناء المشروع الديمقراطي في المنطقة العربية إذبات ينظر إلى هذا المشروع كثنائية متناقضة"العروبةوالديمقراطية"نظرا لازمة الديمقراطية التي تعانيها المنطقةالعربية مع بقائها عاجزة عن التكيف مع التحولات العالمية وعدم قدرة الأنظمةالسياسية على بلورة مشروع ديمقراطي لإعادة إنتاج الدولة والمجتمع ووضع خططواستراتيجيات بديلة للتنمية وهكذا رهنت الأنظمة القائمة مستقبل الشعوبالعربية بإيديولوجيات ضيقة وممارسات تسلطية ربطت التغيير العربي والتطورالمجتمعي باستمراريتها واستمرار منطق تفكيرها وتسييرها ما جعل هذه الأنظمةعرضة للتعثرات المستمرة وأداة لتراكم الأزمات داخل الأقطار العربية وعلىمستويات متعددة إذ نجد أهم هذه المعضلات التي باتت تسير في ظلها منظومةالعمل العربي تتمثل في:
-
الاختلالات الوظيفية للنظام السياسي: إذا كانت وظيفة النظام السياسيبالأساس هي معالجة مطالب البيئة والتعامل مع إفرازاتها وفق مخرجات تراعيطبيعة تلك البيئة وظروفها فان الاختلالات الوظيفية تعرف طبقا لحجمالتناقضات والفوارق الناتجة عن عدم ملاءمة تلك المخرجات مع طبيعة المدخلاتالمطروحة على مستوى بيئة النظام ومحيطه,فبالرغم مما تتمتع به الأقطارالعربية من طاقات طبيعية وبشرية ومؤهلات اقتصادية كافية لبلورة مشاريعتستجيب للتطلعات الشعبية وترجمة تلك القدرات المتاحة بأفعال ملموسة تضمنالمساواة في المواطنة والعيش الكريم لفئات الشعب إلا أن الأنظمة العربيةفشلت في صياغة تلك المقدرات وترجمتها ضمن سياسات واقعية تعالج أوضاع الشعوبوإشباع حاجياته ,وهذا ما أدى إلى اتساع الهوة بين السلطات القائمةوالطبقات الشعبية وفقدان الثقة في الأنظمة القائمة فادى تراكم تلك المدخلاتإلى اصطفافها دون معالجتها إلى الحد الذي شكل منها أزمة بنيوية عميقةوتعفن داخلي حاد ,هذا الوضع هو الذي أدى إلى طرح أسئلة جوهرية بخصوص مضامينالدولة التعاقدية والعقد الذي يمكنه الاستجابة لتطلعات الشعوب أي أن هذهالأزمة البنيوية للأنظمة العربية أدت في النهاية إلى إعادة طرح مسالة إنتاجالدولة وعقدها السياسي الذي يحتوي كافة التوجهات المجتمعية والسياسية علىأسس ديمقراطية(3).
أزمة الشرعية:
عجزت الأنظمة العربية عن تحديث سياساتها في الحكم وفشلت في إفراز قياداتوأسس بديلة لقيادة الدولة العربية الحديثة في فترة ما بعد الاستقلال بنخبتعبر عن فكر وثقافة أجيال ما بعد الاستقلال بعيدا عن إيديولوجية المكونالتقليدي للقيادات السابقة وهو ما جعل تلك الأنظمة تشعر بعمق الأزمةالبنيوية والفكرية
        التي اكتسبتها ومن اجل ضمان باستمراريتها كان لابد على هذه الأنظمةأن تتجه نحو مزيد من الانغلاق والإقصاء والتهميش خوفا من التغيير بما أنهاانتفت شرعية بقائها,هذا الوضع كرس مزيد من الشعور بالإحباط لدى النخبالسياسية والنخب المثقفة والطبقات الشعبية مع تزايد الشعور بانسداد أفقالمستقبل وضبابية التغيير,هذا الوضع الداخلي كان يقابله وضع خارجي أكثرتعقيدا في مواجهة الضغوط الخارجية المطالبة بالديمقراطية واحترام حقوقالإنسان فانتهجت الأنظمة العربية أساليب معالجة تأخذ بعين الاعتبار مصالحهذه القوى لكسب شرعية خارجية تغنيها عن الالتفات إلى الاهتمام بتآكلشرعيتها الداخلية حتى ولو كانت على حساب مصلحة شعوبها وهكذا لم تستطع تلكالأنظمة تحقيق  مشروعية ودعم شعوبها (4).حيث يقول ماكس فيبر عن الشرعية باننظام الحكم يكون شرعيا عند الحد الذي يشعر فيه المواطن بان ذلك النظامصالح ويعمل للمصالح العليا للأمة ويستحق التأييد والطاعة(5)غير أن هذهالملامح تغيب تماما عن الأنظمة العربية بحكم اللاشرعية المكرسة نتيجةخطابات الديماغوجيا ومواجهة المطالب الإصلاحية بوضعها ضمن خانة التآمر ونشرالفوضى.
تعثر اداءات الأنظمة العربية:
عرفت الأنظمة العربية في العقدين الأخيرين مؤشرات سلبية لاداءاتهاالاقتصادية والسياسية ومؤشراتها الاجتماعية الصحية والتنموية مما شكل فيالعموم وضعا كارثيا اسم على مستوى الجبهة الداخلية بانتشار الفسادوالمحسوبية,وارتفاع معدلات البطالة,السيطرة الفئوية على الحكم,انخفاضالقدرة الشرائية ,توسع رقعة الفقر,تدني مستوى الخدمات الصحية الاجتماعيةوفساد الإدارة العمومية. أما على المستوى الخارجي فان الوضع تترجمه أرقامالدين الخارجي وفاتورة الاستيراد وارتفاع نفقات التسلح على حساب التنمية.
أشارت الإحصائيات المقدمة لسنتي 2006-2007 إلى أرقام مخيفة تتعلق بالنموالسكاني وسوق العمل ,فقد بلغ سكان الوطن العربي خلال هذه الفترةنحو335مليون نسمة ومالا يقل عن 3ملايين عربي يدخلون سنويا إلى سوق العمليضافون إلى قائمة العشرين فالمائة من نسبة البطالة و30 مليون من ذلكالتعداد يعيش تحت خط الفقر بينما تشير أرقام الدين الخارجي إلى أكثر من 170مليار دولار(6) .  أمام هذه الأرقام المرعبة لم يكن المستقبل الاجتماعيمخيفا فقط بل مجهولا وغامضا خصوصا لدى الفئة الشبابية وخريجي الجامعات.  الحراك السياسي وتنامي الوعي المجتمعي في الوطن العربي:
أدركت النخب المثقفة والفعاليات الشعبية خطورة المأزق الذي رسخته الأنظمةالتسلطية على مستوى الرؤية السياسية والنهج التنموي الاقتصادي في البلدانالعربية وبرزت تيارات فكرية وقناعات شعبية بضرورة تكوين كتلة توافقيةلمختلف فعاليات ومكونات المجتمعات العربية بغية تغيير تلك الأنظمة المأزومة,لقد بدأت في هذه المرحلة تتشكل معالم قاعدة جماهيرية مناهضة لسياساتالاستبداد وناقمة على مظاهر الفساد المتفشية في كامل مكامن الدولة السياسيةوالاقتصادية والبيروقراطية وهكذا كان يؤشر ميلاد مجتمع مدني لنمو نوع منالنضج السياسي والوعي الجماهيري الذي أفضى في الأخير إلى تأسيس قناعاتوترسخها في ذهنية عموم الشعوب العربية حول تكوين حركة تاريخية من اجلالانتقال الديمقراطي وإحداث قطيعة مع الأنظمة الاستبدادية(7).
احدث صعود الرأي العام العربي وتنامي دور المجتمع المدني هزة أثارت انتباهالأنظمة الحاكمة التي استشعرت خطورة هذه التغيرات وتشكل ملامح هذه البنيالجديدة خاصة وأنها أظهرت فاعلية وابتكارا في أسلوب التعبير وطريقة التفاعلمع السياسات المنتهجة من قبل الأنظمة مستغلة الثورة المعلوماتية وتقنياتالاتصال الواسعة إضافة إلى دعم الهيآت الدولية والمنظمات الغير حكوميةلمسعى هذه التحركات.
حاولت الأنظمة الحاكمة انتهاج مقاربة إصلاحية لاحتواء مطالب التغييرالداخلية وكنوع من الاستجابة للضغوط الخارجية ,حيث توالت مبادرات الإصلاحالعربية الفردية والجماعية الرسمية منها والغير رسمية منذ بداية الألفيةحيث عقد مؤتمر إقليمي في اليمن بداية2004ضم فعاليات المجتمع المدني العربيوتيارات فكرية ركزت على الانتقال الديمقراطي وإقرار حقوق الإنسان  ثم جاءتوثيقةالاسكندرية للإصلاح الديمقراطي في مارس من نفس السنة والتي قدمتتقييما قاسيا للوضع العربي كما قدمت رؤية للإصلاح من خلال الانتقالالديمقراطي وتوسيع دور المجتمع المدني ,وصدر في تلك الفترة تقرير التنميةالبشرية العربية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأممالمتحدة"2003-2004"
حيث ركز هذا التقرير على الفجوةالخطيرة التي أصابت اداءات الأنظمة العربية وركز على محاور الحرية المعرفةوقضايا المرأة حيث قدم منهجا للتغيير الدائم في الوطن العربي من خلالالإصلاح من الداخل لمعالجة أوجه النقص والقصور ونقد الذات(8).كما صدرتالعديد من المبادرات الرسمية للإصلاح على غرار مبادرة ولي العهد السعودي2003ومبادرة مصر لإصلاح جامعة الدول العربية كما نرصد هنا صدور وثيقة العهدوالوفاق الصادرة عن قمة تونس 2004 للتطوير السياسي والإصلاح الاقتصاديوالاجتماعي(9)وعلى مستوى الأقطار العربية فإننا نرصد موجة من الإصلاحاتالدستورية والظاهرة الانتخابية الشكلية التي اجتاحت معظم الدول العربية.
فتبنت كل من السعودية والجزائر والمغرب مشاريع للمصالحة الوطنية ودشنت دولالسودان, المغرب الجزائر, قطر, الإمارات العربية اليمن بداية 2005 عهددستوري بإصدار تشريعات دستورية جديدة بينما تحولت البحرين إلى مملكةدستورية(10)بالموازاة مع الانتخابات المحلية والبرلمانية التي شهد تها بعضالدول العربية لأول مرة مثل السعودية وقطر والكويت ولأول مرة نسجل حضورالمرأة في المشهد السياسي في الكويت, البحرين, قطر والإمارات العربيةالمتحدة(11).
ب-السياقات الإقليمية والدولية للإصلاح والتغيير في المنطقة العربية.
لم تكن المنطقة العربية بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية منذ نهايةالحرب الباردة وازدادت حدة التأثير الإقليمي والدولي على المنطقة بعد أحداث11سبتمبر إذ أصبح ينظر إلى البيئة العربية والإسلامية كبيئة حاضنة للعنفوتدجين الإرهاب وان مشاكل التنمية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسيهي المنطلقات الفعلية لتهديد الأمن العالمي ومن ثمة وجب تغيير هذه البيئةوإصلاحها وفق ما يخدم الأمن والسلم الدوليين  ويطور من منظومة العمل العربيالتحرري وفق أفق الحداثة ومتطلبات العصر ألمعلوماتي.
وهكذا ترى الو ان انسداد قنوات التغيير السياسي  كان السبب المباشر فيانتشار التطرق والإرهاب وهي بذلك تؤيد فكرة الفجوة الديمقراطية في المنطقةولمعالجتها تقترح:
-
إشراك القطاع الخاص لسد الفجوة الاقتصادية ومعالجة مشاكل الشغل.
-
توسيع مشاركة  المجتمع المدني وإعطاء حقوق المرأة لسد فجوة الحرية.
-
العمل على سد فجوة المعرفة عن طريق إصلاح المنظومات التربوية والتعليمية(12).
وعملت الولايات المتحدة الأمريكية على تجسيد هذه الرؤية الإصلاحية من خلالطرحها لمبادرة الشرق الأوسط الكبير عقب قمة مجموعة الثماني في سي آيلندعندما خير جورج بوش الحكومات العربية بين قيادة التغيير الديمقراطي بلدانهمأو انتظار التغيير على الطريقة العراقية مع ما يحمله هذا التغيير من مصيرمشابه لنهاية الرئيس صدام حسين (13),بدورها عملت القوى الأوروبية على تهيئةالأوضاع الداخلية للمنطقة العربية لاستيعاب التحولات الديمقراطية من خلالالضغط على الأنظمة العربية لفتح مجال الحريات  الفردية والحريات العامةومزيد من الانفتاح السياسي والاقتصادي كشرط ضروري لدعم الشراكة والتعاون.تأثير الأوضاع الإقليمية والدولية على المنطقة العربية لم يقتصر علىالفاعلين الرسميين فقط بل إن الإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي تحديداكان في لب المفاوضات مع المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية وخصوصا ماتعلق بقضية منح القروض والمساعدات الاقتصادية فقد كانت الشروط في المقابلسياسية بامتياز تتعلق بالانتقال الديمقراطي وإصلاح العدالة والمنظومةالتربوية.
هذه التأثيرات لم تقتصر على مشاهد القوة والضغوط الدولية فقط بل إنالتحولات في أوروبا الشرقية من خلال الثورات الملونة والثورة الخضراء فيإيران كان لها أيضا وقع خاص على الشارع العربي مع تشابه ملامح الأوضاعوالأسباب السياسية والاقتصادية في كلتا المنطقتين(14),ويمكن القول أن نجاحالتجربة الديمقراطية في تركيا الهم الشارع العربي حول تكوين الرؤى السياسيةوالاجتماعية لقيادة التغيير إذ يبقى مشهد التعامل التركي مع اعتداءإسرائيل على غزة 2008 ورد القيادة التركية ابرز مثال للشارع العربي عنالشرعية الشعبية وكيف يمكنها ان تعبر عن إرادة الشعوب بدل الأنظمة التسلطيةالتي راعت مصالحها في البقاء ولم تحرك ساكنا اتجاه تلك الاعتداءات وهذهالفوارق في سياسة الأنظمة هي التي وضعت الشعوب العربية أمام حتمية إحداثالقطيعة مع هذا الإرث التقليدي التسلطي.
وهكذا انفجرت المنطقة العربية بشبابها فيما شبهه البعض با الزلزال الذي اجتاح المنطقة
2-ثورات الربيع العربي ومشاهد التغيير:
عرفت المنطقة العربية طوال تاريخها الحافل بالنضال السياسي والكفاح المسلحنوعين من الاتجاهات السياسية من اجل بناء الدولة والمجتمع وتأسيس السلطةوأسس نظام الحكم ,إذ تمثل الاتجاه الأول في الاتجاه الثوري الذي يدعو إلىالتغيير الراديكالي ويركز على القوة والعنف والخطابات الحماسية والثوريةلانجاز هذا التغيير مستلهما فلسفته من روح الثورات والتحولات الكبرى.
أما الاتجاه الثاني فكان تيار النضال السياسي السلمي والذي دعي إلى التغييرولكن من خلال وسائل سلمية وأساليب حضارية ومدنية تقود إلى التغييرالتدريجي يعتمد خطابات الإصلاح والمصالحة ولم يستطع أي من التيارين تجسيدهذا النضال في الواقع العربي كتغيير ديمقراطي(15).وهكذا كان على الواقعالعربي أن يشهد نوعا آخر من النضال الديمقراطي وبآليات وأساليب لم تكن منقبل من اجل انجاز التغيير المطلوب.
ا-المحددات الداخلية للثورات:
مع تنامي تنظيمات المجتمع المدني واعتمادا على ثورة الاتصالات الهائلةوالاستفادة من تجارب الثورات الملونة في كيفية استخدام كل هذه العوامللصناعة الثورة ,مكن الشباب العربي من التعبئة الجماهيرية وسرعة نقل الأفكاروالمعلومات وحركيتها المتواصلة مما مكنها من إفراز جملة من القيموالتفاعلات والمفاهيم المشتركة المتعلقة بالحرية ,الديمقراطية ,العدالةالاجتماعية, حقوق الإنسان وكرامة المواطن العربي,فاستطاعت بذلك أن تعريالأوضاع الحقيقية لمأساة الشعوب في ظل هذه الأنظمة وبذلك حيدت الخطاباتالأيديولوجية  والثورية التي كانت تستخدمها تلك الأنظمة مع كل محاولةللتغيير.
رمزية الثورات الكبرى والتحولات المهمة من مثل كييف البرتقالية,عودة نيلسونمانديلا من السجن وبور يس يالتسين على ظهر دبابة في شوارع موسكو للدفاع عنالديمقراطية(16)تكررت هذه الرمزيات مع اندلاع ثورات الربيع العربي منمشاهد إحراق البوعزيزي لنفسه,وإسقاط الكتاب الأخضر في بنغازي,وفوز المناضلةتوكل كرمان بجائزة نوبل للسلام هي رمزيات تستند إليها الذاكرة الجماعية فيهذه التحولات المهمة.
أطلق البوعزيزي صرخته الغاضبة، لتدوّي في العالم العربي، وتعجّ الشوارعالعربية بالمتظاهرين السّاعين لنيْل حقوقهم ومطالبهم ,فتمكن الشباب التونسيمن إجبار بن علي على الهروب إلى السعودية وإسقاط نظامه الفاسد,ولم تمهلمصر حاكمها أكثر من 18 يوماً ليغادر الحكم. وحاكى شباب اليمن مباشرةً تجربةميدان التحرير، وأذهلوا العالم بمدى تحضّرهم وسلميّة ثورتهم. وفي ليبيا،انطلق الثوّار، في 17 فبراير/ شباط ،لإقامة نظام بديلٍ عن جماهيرية  نظامالقذافي.
أمّا في سوريا، فقد انطلقت الاحتجاجات من مدينة درعا التي تعاني أيضاً منالتّهميش، وتعتبر من أكثر المناطق المصدّرة للعمالة من سوريا إلى الخارج. وكما في سيدي بوزيد انطلقت الاحتجاجات رداً على اعتقال شباب وأطفال في سنّالتعليم الأساسي (ما دون 15 سنةً)، وعدم تجاوب بعض الجهات المعنيّة معالأهالي في الإفراج عنهم(17).
وفي ظرف أسابيع أصبحت المنطقة العربية تموج وتعج بسيل من الانتفاضات وموجةمن التظاهرات والاحتجاجات العربية ,اتخذت من الساحات والميادين الرئيسيةمركزا رئيسيا لها لصناعة التغيير ,تغيير أرادت له القوى الشعبية أن يكون فياحد أهم الأيام رمزية وقدسية وهو يوم الجمعة إذ عرفت كل ثورة جمعة مقدسةخاصة بها.
صرخة البوعزيزي كانت جد معبرة عن أوضاع الكرامة العربية المهدورة والمستوىالمرتفع من الفساد وتكميم الأفواه وتكسير الأقلام ونهب الثروات الوطنية(18)
وأمام هذا التهميش الاقتصادي والسياسي لعامة فئات الشعب العربي والشبابالمتعلم والمثقف على وجه الخصوص وبطموحه العالي وتحدياته تكونت بيئة خصبةقابلة للثورة والانفعال والتفاعل على نطاق واسع ,وفي ظل غياب المؤسساتالرسمية والقنوات الفاعلة لنقل انشغالات ومطالب هذه الفئات وتفهم طبيعةمطالبها ورؤاها لم يكن أمام هذه الفئات الواسعة سوى الشارع والميادينوالساحات العامة للتظاهر واستغلال وسائل الإعلام والاتصال لنقل اهتماماتهموالتعبير عن رؤاهم ,لقد مثلت هذه الانتفاضات متنفسا  حقيقيا للشعوب العربيةفي ظل الانغلاق التام لحرية التعبير ومشاهد القمع اليومية كأسلوب حواريوتواصل بين السلطات وشرائح المجتمع.
التهميش السياسي كان جنبا إلى جنب مع الانحدار الاقتصادي والاجتماعيالمتردي في محيط البيئة العربية مع عدم قدرة المواطن على المطالبة بحقوقهالاجتماعية والاقتصادية ,انغلقت أبواب تواصل أخرى بين الشعب والسلطة ، فيظلّ سيطرة حزبٍ واحد على السّلطة بشكل الحزب المسيطر أو الجبهوي من أنماط"حزب الواحد والنصف" أو ما يشبه ذلك، وتدنّي الكفاءةالداخليّة والخارجية لمؤسّسات الدولة، وتحوّلها إلى أدوات بيدالبيروقراطيات السياسية، وتحوّل السلطة التشريعية إلى مجرد ملحقة تابعةللسلطة التنفيذية وتحكم رجال المال والأعمال كرقم مهم في صياغة سياساتالدولة الاقتصادية والسياسية وحتى القضائية في ظل هشاشة استقلال القضاءوتحالف البيروقراطية مع ساحة المال في البلدان العربية إذ لم يكن المواطنالعربي في ظل هذه الأجواء سوى مجرد رقم في حسابات احدهم أو سلعة في تعاملاتآخر أو ديكور في أحسن الأحوال للديمقراطية التجميلية الزائفة(19)
لقد أصبح واضحا أن عقل المواطنة تطور إلى حد تجاوز معه  عقل السلطة فهذهالأخيرة وصلت إلى حد العجز في فهم واستيعاب جملة التحولات المحيطة بهاوالفئات الشعبية وصلت إلى حد لايطاق وعدم القبول بتسيير ومسايرة أوضاعهاالحالية بمنطق تفكير السلطة التقليدي وهذا هو العامل الحقيقي الذي أدى إلىاندلاع هذه الانتفاضات الشعبية وغذاها في ذلك مشهد الرقمنة الإعلاميةالفعالة والملتهبة بفعل ما يصنعه تأثير الصوت والصورة حتى على الرأي العامالعالمي الذي اطلع أخيرا على مشهد اندفاع الطاقات العربية الشعبية لأول مرةبتعبير أصحابها وليس كما نقلته لهم أنظمتهم أو الأنظمة القائمة في البلدانالعربية.
لقد كانت تلك الأنظمة المعيق الأول لتطور البنية الاجتماعية والطاقاتالبشرية في البلاد العربية لذلكعكست هذه التحركات الشعبية والنخبوية درجةالفساد والاستبداد التي وصلت إليهما الأنظمة العربية وتأزم الوضع الاجتماعيالقاسي للمواطن العربي والذي وصل إلى حد لا يطاق كما تعكس تلك التحولاتدرجة الوعي الذي بلغته الطبقات الشعبية والنخبوية وإدراكها للمتاهاتالخطيرة للمستقبل الغامض والمخيف والمصير المجهول بسبب تسلط أنظمة فرديةواستبدادية تقود الدول العربية نحو الهاوية ,إذ بات في حكم المؤكد انالخروج من هذا الوضع يتطلب أي شكل من أشكال القطيعة مع هذه الأوضاع.

 
ب-ثورات الربيع العربي ونظرية المؤامرة:
يعتقد الكثير من المحللين والمتابعين للثورات الديمقراطية في أوروباالشرقية والعالم العربي أن هذه الثورات ليست بريئة وليست عفوية نتيجة القهرالذي تتعرض له الشعوب وانتفاضتها ضد الأوضاع الفاسدة ولايمكن وصفها علىأنها تطور طبيعي لمسار وحركة الديمقراطية أو بناء الدولة في العالم الثالث,بل إن الأمر كله مخطط له من قبل الحركة الصهيونية والمخابرات الأمريكية فيإطار رسم الهيمنة الأمريكية وتحقيق أفضل وضع مريح لإسرائيل في المنطقةلذلك تقوم المخابرات الأمريكية والعملاء الصهيونيين بعمليات سرية منذالخمسينات لقلب أنظمة الحكم في العالم وتنصيب أنظمة موالية بواسطةالانقلابات آو من خلال الشبكات النائمة والتخطيط للاضطرابات الشعبية(20).
منطق التغيير الامريكو صهيوني يتماها مع كلا التيارين للتغيير سواء تعلقالأمر بالثورة واستخدام القوة او منطق الإصلاح والتغيير الناعم وكلاالنموذجين نجد لهما مشارب فكرية وإستراتيجية في خلفيات التغيير الامريكوصهيوني وبلغ هذا التماهي الأمريكي الصهيوني ذروة تطابقه المصلحي اتجاهالمنطقة العربية مع بداية النظام الدولي الجديد وبدرجة اكبر مع وصول تيارالمحافظين الجدد إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية.
يعتبر ليو شتراوس اكبر الفلاسفة المنظرين لاتجاه المحافظين الجدد ,حيث لاقتأفكاره صدى واسع النطاق جلب اهتمام هؤلاء المخططين من العصبة الفاعلة فيالبيت الأبيض واستخدموا أفكاره لإعادة رسم خارطة العالم من خلال سايكس بيكوجديد يفكك جغرافية الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص ,حيث يعتقدليو شتراوس أن الشعوب لاتناسبها الديمقراطية لذلك يتهجم على فلاسفة العقدالاجتماعي ويناصر الفلاسفة اليونانيين القدامى الموصوفين حسبه بالرزانةوالحكمة وبعد النظر فإذا كان فلاسفة العقد لاجتماعي قد نظروا للحريةوالعدالة  فان الفلاسفة اليونانيين القدامى حسب استراوس يروا أن الحقيقةوالحرية لاتناسب الشعب ,ويتطلب الأمر وجود نخبة من الفلاسفة القادرين علىخداع الشعب وصناعة الأكاذيب النبيلة وعليه فعندما يكون هناك من يفكربالخداع دوما يكون هناك من تكون لديهم قابلية للانخداع (21)وعلى هذا الأساسيمكن خداع العالم العربي مادام أن لديه قابلية للانخداع من خلال مؤامراتمدروسة.
ويعتبر جين شارب ابرز منظر للتغيير اللاعنيف بواسطة التحركات الشعبيةواستخدام وسائل وأساليب سلمية قدم عبر تحليلاته الكثير من التنظيرات حولكيفية تحقيق تغييرات كبرى بواسطة مجموعات شعبية تتحرك كأسراب النحل وتحتشدفي الساحات الرمزية وتكتسح الأماكن العمومية عبر سيل من المظاهرات وبواسطةخلايا توجيهية تبتدع تكتيكات موازية لعمل الأجهزة الأمنية يمكن شل الحركةالعامة وغلق المنافذ المهمة لمحاصرة أجهزة الدولة والتضييق عليها وإجبارهاعلى الاستسلام(22).
لقد طورت هذه الأساليب خصوصا مع تقدم التكنولوجيا وسرعة تدفق المعلوماتوتبادل الأفكار ودور الإعلام وشبكات التواصل مع ماتقدمه  هذه التقنياتالجديدة من قدرة فائقة على التلاعب بالمعلومة والصورة وتوجيه الجماهير وفقمنطق غير الذي يسير فيه مشهد تطور الأحداث الفعلية ,كما أن هذه التخطيطاتالتي جرى الإعداد لها وتطويرها منذ فترات تاريخية سابقة تطورت أكثر مع مرورالتجارب التي شهدتها مناطق من العالم بواسطة هذا النوع من التغيير.
التغيير اللاعنيف,النضال السلمي,الثورات الناعمة,الفوضى البناءة,الفوضىالخلاقة,إعادة رسم الخرائط,إعادة بناء الأوطان  كلها عبارات صيغت للتعبيرعن حركة فكرية وإستراتيجية تستهدف في المقام الأول العالم الإسلامي والعربيوخدمة للمشروع الغربي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكيةوإسرائيل,تهدف هذه الأخيرة من خلال هذه المؤامرة وتغيير الأنظمة العربيةبهذه الطريقة بحجة قريبة من منطلق أن تحقيق الديمقراطية يقود إلى السلام فيالمنطقة مادام أن الأنظمة الديمقراطية لاتحارب بعضها وهكذا يقود هذاالتغيير الديمقراطي إلى التطبيع الشامل.
إعادة تفكيك المنطقة يمكن أن يعيد صياغة خارطة الشرق الأوسط على أساسالديمقراطية الطائفية والمذهبية التي سوف تؤدي في النهاية إلى إضعاف دويلاتالمنطقة في مقابل قوة إسرائيل وبالتالي إمكانية دخول هذه الدويلات فيمشاريع تقدمها الدولة العبرية وعندها نكون قد وصلنا إلى تفكيك وتفتيتالهوية العربية الإسلامية العقبة الكبرى لتحقيق القبول باندماج إسرائيل فيالمنطقة.
من الواضح أن هذه المقدمات الإستراتيجية تتطابق تماما مع ماتسعى إليهالولايات المتحدة الأمريكية في إطار تهيئة التوازنات الكبرى لبناءإمبراطوريتها العالمية وإعادة رسم جغرافية العالم من خلال مبادئالديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتيح لها التدخل في أي منطقة من العالمبدعاوى إنسانية وحضارية.
المنطق الحضاري له رؤية خاصة في هذه المؤامرة إذ تتطابق الأهدافالإسرائيلية مع الأهداف الأمريكية بهذا الخصوص ,فإسرائيل تعيقها الهويةالعربية الإسلامية عن تحقيق أهدافها والربيع العربي فرصة لفرقعة الهويات فيالمنطقة وستكون بذلك إسرائيل واحدة من فسيفساء وتركيبة منوعة للهوياتيختفي معها الطابع العربي الإسلامي,وبدورها ترى الولايات المتحدة الأمريكيةمن خلال نظرية صامويل هنتغتون  أن جميع الحضارات يمكن احتواءها ضمنالحضارة الغربية ما عدا الحضارة الإسلامية فان تطورها ينحى دوما ضمن منحىخاص بها والأكثر من ذلك تتوقع هذه النظرية ان التصادم الرئيسي سيكون بينالحضارة الغربية والحضارة الإسلامية(23)  ولذا يجب على الولايات المتحدةالأمريكية أن تتدخل لإحداث فوضى في المنطقة تحول دون استمرار الوحدةالحضارية العربية الإسلامية لذلك كانت رؤيتها للتغيير في المنطقة تتماها معالرؤية الصهيونية مادام أن ثورات الربيع العربي قد فككت بشكل كبيرالمنظومات الهوياتية والحضارية في المنطقة وفسحت المجال لبروز الهوياتالفرعية والاثنية وأطلقت العنان لعودة الأحلام القديمة للفرس والأتراكللحؤول دون استمرار هذا الاعتراض الحضاري على منطق السيطرة والهيمنةالأمريكية وقيمها الحضارية المسيحية الصهيونية.
التطابق في الأفكار أدى إلى التطابق في الأفعال البناءة والهدامة على حدسواء ,إذ نجد هذا التطابق مع فكر اليهودي السوفياتي الأمريكي من بعد ناتانشارنسكي الذي عايش تجربة تفكك الاتحاد السوفياتي  وتحول دول أوروبا الشرقيةإلى المنظومة الحضارية الغربية بتبنيها النهج الديمقراطي والليبرالي وقداستفاد منه الإسرائيليون بوجوده في إسرائيل ضمن الدوائر الرسمية وتكوينرؤية بيريس شمعون لمشروع الشرق الأوسط الجديد وهي الفكرة التي نقلها إلىصناع القرار الأمريكيين.
يصف شارنسكي المنطقة العربية على أنها تجمع لأقليات واثنيات وأعراق مذهبيةوطائفية يستحيل التعايش بينها ضمن كيانات موحدة ولذلك فهي مهددة على الدوامللأمن والسلم العالميين ومهددة للمصالح الأمريكية  وتشكل عقبة أمام تطورمسار الديمقراطية وتحضر الشعوب باعتبار هذا الأمر هو لب الرسالة الأمريكيةالحامية للقيم الحضارية ,ومن اجل إقرار الديمقراطية وتحقيق المصالحالأمريكية (ويفترض شارنسكي أنهما مترابطان)لابد من إحداث خلخلة للمنطقةلتحريك هذه البيئة الراكدة ولابد من استخدام صريح للطائفية والمذهبية وعلىهذا الأساس يمكن للديمقراطية الطائفية أن تعيد تفكيك خارطة الشرق الأوسط مثلما تريد الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل فيكون مصيرالعالم العربي والإسلامي على شاكلة مصير الرجل المريض بإعلان موت العالمالعربي وتقسيم ارث الرجل المريض القرن الواحد والعشرين (24 ) وبذلك يتحققمشروع الشرق الأوسط و تتهيأ التوازنات الكبرى للإمبراطورية الأمريكية.
انطلاقا مما اسماه زالماي زادة بإستراتيجية بناء الأوطان آو من خلال ماقدمه ريتشارد هاس حول التغيير من الخارج بالقوة والتغيير من الداخل عن طريقالتغيير التدريجي(25) ,تكونت الرؤية الامريكو صهيونية نحو المنطقة العربيةوكانت ثورات الربيع العربي فرصة لوضع تلك الرؤية موضع التنفيذ.
إلا أن منطق التغيير اللاعنيف أي النضال السلمي والتغيير من الداخل كان هوالسيناريو الأكثر تناسبا مع المشهد السياسي العربي والأكثر حضورا في مؤامرةالتغيير الامريكو صهيونية خصوصا مع فشل تجربة التغيير بالقوة في العراقوأفغانستان وما يقابلها من نجاح السيناريو الثاني في الثورات الملونة.
يمكن لأي متابع أن يلاحظ مدى التشابه الكبير في الأساليب والآلياتالمستخدمة في الثورات الملونة وثورات الربيع العربي من شعارات واسم الحركاتالتي قادت الاحتجاج والمظاهرات في الشارع واستخدام مواقع التواصلالاجتماعي والإيحاءات الرمزية الثورية والشعارات التي تكررت من أوكرانياإلى جورجيا ثم مصر وليبيا وأسماء الحركات الشبابية مثل"كفاية"المصرية وهو الترجمة الحرفية لحركة"كامارا"الجورجية وحركة 6ابريل وتنظيمات أخرى كانت حاضرة في الثوراتالملونة وثورات الربيع العربي وهو ما يؤكد ان التغيير في المنطقة العربيةلم يكن داخليا ولم تحركه قوى محلية وعفوية بل كان مخططا له من فترات مسبقةومن قبل قوى خارجية(26).
التغيير في المنطقة العربية بتياريه الثوري والإصلاحي داخليا وبأسلوبيهالعنيف واللاعنيف خارجيا لم يكن مجرد تغيير سياسي فقد كرس هذا التغيير شرخاعميقا على الخارطة العربية فمن خلال نظرة سريعة لآثار الربيع العربيومخلفاته والتغيير الذي أحدثه (دعاوى الفيدرالية في ليبيا,المذهبية في مصروالطائفية في سوريا والصراع أللائكي الإسلامي في تونس)يتطابق هذا الوضع معخارطة الشرق الأوسط التي تسعى إسرائيل إلى انجازها كما أن هذا التغيير يرسمحدود الثقافات و يجسد الصدام بين الخطوط الحمراء للحضارات في النظريةالهنتغتونية.
وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مستقبل الدولة والمجتمع في دول الربيع العربي ومستقبل العلاقات الخارجية لهذه الدول تأسيسا على ما تقدم.
3-
الدولة والمجتمع  والعلاقات الخارجية في الوطن العربي بعد الثورات.
يعتقد البعض أن ابرز النتائج التي قادت إليها هذه الثورات هي تفكيك النظمالشمولية والديكتاتورية في الوطن العربي والتأسيس لنموذج جديد من الدول ذاتالسيادات الشعبية(27)باعتبار أن التغيير طال كامل هياكل الدولة من مؤسساتتشريعية وتنفيذية وحزبية حاكمة وثورة على الأيديولوجية التي كانت تعتمدهاالأنظمة السابقة ,كما أن التغيير الذي أحدثته هذه الثورات يستهدف في المقامالأول التأسيس لتحول ديمقراطي كنظام حكم ومنهج للتفاعلات السياسية والحوارالوطني بمختلف أطيافه يتيح للأقليات كما للمعارضة بكل تياراتها المشاركةفي شؤون الحكم وإدارة الدولة وصياغة توجهاتها القومية.
ومن منطلق أن التغيير كان بدوافع داخلية وتلبية لتطور مجتمعي صاغ التغييروفقا لرؤاه بعد أن سدت جميع الأبواب في وجهه , فان هذا المجتمع نفسه معمرور المرحلة الانتقالية لدولة مابعد الثورة يمكن أن يتشكل من جديد على أسسأكثر نضجا وعلى مبادئ أكثر دمقرطة ويمكن أن يؤسس لفضاء جذاب للإبداعوالابتكار ومنتج  للطاقات الحية والفاعلة  بأكثر وعي للتحديات المستقبليةوبانفتاح ايجابي على القوى الخارجية والفواعل الإقليمية من منطلق تبادلالمنافع والفرص المتكافئة.
يوضح المثال التونسي لتونس ما بعد الثورة كيف يمكن لثورة أن تنجح عندماتكون عفوية تصنعها قوى المجتمع المدني والنخب الحية والمندمجة وليس من صنعجيوش أو قبائل أو طوائف مذهبية (28)وكيف تمكن النضج المعرفي والوعي السياسيللمجتمع التونسي ومعارضته المتفتحة على كل الأطياف الداخلية والقوىالخارجية و الفواعل الإقليمية ما بعد الثورة ,أن تصد جميع المحاولاتللالتفاف على مكاسب الثورة واستطاعت أن تفكك الدولة الداخلية التي كانتداخل الدولة التونسية(عائلة الطرابلسية,الدولة العميقة والأجهزة الأمنيةالموالية للرئيس,الحزب الدستوري)ثم الانتقال من الثورة إلى بناء الدولة فيظرف ستة أيام واستطاعت بذلك أن تحقق نموذج للتغيير في العالم العربي(29).
وهكذا يتضح أن الوعي العام داخل الطبقة السياسية والشعبية في تونس استطاعأن يحدد المنطلق الصحيح لهندسة التغيير وبناء تونس ما بعد الثورة ,إذ لميكن منطلق التفاعل هو إطار الحكومة والمؤسسات ومن يقودها وإنما كان المؤتمرالوطني بكل قواه الحزبية,النقابية,الحقوقية والمدنية لمناقشة الأرضية التييبنى عليها المشروع الديمقراطي للدولة والمجتمع والعلاقات الخارجية ايتكوين رؤية وطنية وبناء قاعدة توافق وطني من اجل الدولة,المجتمع,المواطنة(30).
 
المواطنة ,المجتمع المدني .بناء الدولة المدنية,الهوية ودولة القانون هيمفاهيم قابلة للنقاش في الحالة الطبيعية وفي تونس  لكن في حالة مجتمعاتالربيع العربي التقليدية والحالة الليبية كمثال على ذلك, تشكل تلك المفاهيمقائمة ضحايا القبلية والعشائرية فبناء الدولة المدنية يتطلب وجود مجتمعمدني فاعل يؤسس للمواطنة ويحول ولاءات المواطنين إلى دولة القانون الوطنيةأي أن قيام المجتمع المدني ودولة المواطنة يقتضي تجاوز التشكيل التقليديللمجتمع والذي في ظله تموت مفاهيم المواطنة وثقافة المدنية بكل أبعادهاوهكذا تظهر القبلية كأحد اكبر المعوقات أمام بناء الدولة المدنية,فعندماتسود القبيلة يكون الطابع الرسمي للمجتمع بدوي وتكون الميليشيات الممثلالرسمي لهذا المجتمع واللغة الرسمية للحوار الوطني القبلي- إذا كان هناكوطن -هي لغة الرصاص وتصبح شرعية الملك للعصبية وهذا الوضع هو الذي يضع وحدةليبيا على كف عفريت.
الحالة الليبية تقدم لنا صورة واضحة عن كيفية سحب خيوط القنبلة القبليةلنسف الدول الوطنية في المنطقة ,فعندما تطرح مسالة الهوية والانتماء والولاءات وتكون القبيلة هي محور الإجابة يبدأ التشكيك في هوية الدولة وتبدأفرقعة المجتمعات وتصبح سيناريوهات التفكك القطري أطباق طازجة ومفضلة لحلالمعضلات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة وهذا ما نشهده اليوم فيليبيا , كيف قادت تحولات الربيع العربي في ظل مجتمع تقليدي إلى مزيد منالاستقطاب الخارجي وأضحى مصير الدولة الليبية بيد ميليشيات مسلحة قبليةومدعومة من أطراف خارجية لتحطيم ليبيا وتفتيتها والسيطرة على ثرواتهاالطاقوية ,فخارطة العنف في ليبيا هي نفسها خارطة النفط وحدود التقسيمالفدرالي المقترح.
اندلاع الثورات العربية في تونس يؤكد أن الثورة من اجل التغيير ممكنة حتىفي البيئات الاكثر بعدا عن هذه الظاهرة كتونس ,التغيير مع توفر الإرادةوتراكم الوعي السياسي والنضج المعرفي والنخب المثقفة الفاعلة والمؤمنةبالرقي الحضاري لمجتمعاتها يمكن أن يؤسس لتجارب ذاتية راقية وسط المجتمعاتالمتحضرة وتلك العوامل هي أبواب الدخول إلى هذا الفضاء المتحضر(31) لكن فيظل غياب هذه العوامل وطغيان المتغيرات التقليدية على ساحة التفاعل السياسيفي أي تجربة انتقال تعقب ثورة تغيير فانمآلها مزيد من الانخراط في التبعيةوالتأخر بكل مقاييسه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
الخاتمة:
نستنتج من كل ما تقدم أن عملية التغيير السياسي في المنطقة العربية من خلالالثورات التي شهدتها في الفترة الأخيرة ,تتسم بالكثير من التعقيد ويعتريهاالكثير من الجدل والغموض قياسا بمشاهد العنف والتدخل الخارجي وصعوبة بناءنموذج مشترك لعملية التغيير وعدم القدرة على استشراف مآلات هذا الحراكالسياسي,والأسلوب الذي انتهجته كل ثورة في عملية التغيير داخليا والسلوكالذي انتهجته كل قوى دولية من ثورة إلى أخرى.
غير أن القاسم المشترك لهذه الثورات أنها كانت محكومة بإطار تفاعل جملة منالعوامل الداخلية والخارجية واختلفت درجة التفاعل من بلد إلى آخر حسب طبيعةالتكوين الداخلي للقوى المجتمعية والمسار التاريخي لبناء الدولة ودرجةالتغلغل والاستقطاب الخارجي والموقع بالنسبة للقوى الكبرى.
البارز في هذه الثورات أنها أبانت عن وعي عربي ونمو غير مسبوق لثقافةالمدنية والحريات العامة ما شكل لبنة حقيقية في هذا الزخم لميلاد كينونةجديدة للرأي العام العربي تؤسس لمجتمع مدني عربي حديث كركيزة لها وزنها علىالساحة السياسية في مشهد التفاعلات المستقبلية
بروز الفرد والمجتمع المدني العربي كوحدة رئيسية لصياغة المعادلات السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية وحتى الإستراتيجية ,في ظل ثورة المعلوماتوالاتصالات التي فرضتها العولمة يجعلنا نقر بمبدأ عام ترسخ من خلال هذهالثورات وثورات أخرى وعبر المسيرات العالمية للديمقراطية وهو أن الفردوالمجتمع المدني في الدولة الوطنية يناضل من اجل إقرار المساواة فيالمواطنة في إطار سيادة الدولة الوطنية ,بينما يغدو هذا المواطن فردا منالمجتمع المدني العالمي في إطار العولمة يطالب بحقوق المواطنة العالمية فيإطار المبادئ الأساسية للحريات والإنسانية لمجتمع العولمة.
قائمة المراجع:
1-
العربي صديقي,إعادة التفكير في الديمقراطية العربية انتخابات بدون ديمقراطية,لبنان:مركز دراسات الوحدة العربية,2010,ص ص 14-16.
2-
عبد القادر حمودي,الثورات العربية التحدي والاستجابة ,حوار مع شاب عربي.الجزائر ,دار هومة,2012,ص 15.
3-
المرجع نفسه,ص ص 16-18.
4-
توفيق المديني ,اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل,سوريا :منشورات اتحاد الكتاب العرب ومكتبة الأسد ,ص ص18-19.
5-
إسماعيل معراف,الوضع الإقليمي العربي في ظل المتغيرات الدولية,الجزائر:المؤسسة الوطنية للاتصال ,النشر والإشهار,2009,ص435.
6-
انظر صندوق النقد العربي ,التقرير الاقتصادي العربي الموحد2010.
7-
أمحمد مالكي وآخرون ,لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟لبنان:مركز دراسات الوحدة العربية,2009,ص ص229-230.
8-
تقرير التنمية الانسانية2004,الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي,الأردن:المطبعة الوطنية,2005,ص ص5-10.
9-
المرجع نفسه,ص 25.
10-
العربي صديقي ,مرجع سابق,ص243.
11-
تقرير التنمية الإنسانية العربية2004,مرجع سابق ,ص ص30-32.
12-
المؤسسة العربية للديمقراطية,مؤشرات قياس الديمقراطية في البلدان العربية,لبنان :مركز دراسات الوحدة العربية ,2009,ص ص52-53.
13-
العربي صديقي,مرجع سابق,ص 217.
14-
فراس أبو هلال ,إيران والثورات العربية:الموقف والتداعيات,قطر:المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ص ص1-4.
15-
توفيق المديني,مرجع سابق,ص161.
16-
مؤسسة بيرتلسمان, مؤشر بيرتلسمان للتحول الديمقراطي 2008,ابوظبي:مركز الخليج للأبحاث,2009, ص27
17-نيروز غانم ساتيك,هل تتشابه الثورات العربية؟الدوحة:المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات,جوان 2011.
18--
فراس أبو هلال,مرجع سابق,ص5.
19--
هشام محمود,حقيقة الثورات العربية.بحث اطلع عليه في مارس 2012 على الموقع:
WWW.GLOBALRESEARCH.CA/PRINT ARTIC.
20-
المرجع نفسه.
21-
عبد الواحد الجاسور ناظم ,تأثير الخلافات الأمريكية الأوروبية على قضايا الأمة العربية,حقيقة مابعد نهاية الحرب الباردة,بيروت :مركز دراساتالوحدة العربية,2006,ص  255
22-جين شارب ,من الديكتاتورية إلى الديمقراطية,ترجمة خالد دار عمر ,ط2 ,2003ب ب ن,ص16.
23-
صامويل هنتغتون
24-توفيق المديني,مرجع سابق ,ص 223.
25-
المرجع نفسه,ص 224.
26-
هشام محمود ,مرجع سابق.
27-
للمزيد انظر: علي حرب,ثورات القوة الناعمة في العالم العربي:نحو تفكيكالديكتاتوريات والاصوليات,بيروت:الدار العربية للعلوم ناشرون,2011.
28-
عبد الإله بلقزيز,ص 29.
29-
المرجع نفسه,ص ص 30-33.
30-
المرجع نفسه,ص36.
31-
المرجع نفسه,ص ص 25-27.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك هذا المنشور على مواقع التواصل

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

شركائنا في النجاح...

عن المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

المجلة الأفريقية للعلوم السياسية

ISSN: 2661-7323

ISSN ONLINE:2661-7617

Indexed in The PKP Index includes 897630 records indexed from 3478 publications.under ref 4107

مدير التحرير الناشر المسؤول :الأستاذ بشير شايب

نائب رئيس التحرير مسؤول القسم العربي :الدكتورة براك صورية

جامعة 20 أوت 1955 سكيكدة الجزائر

بريد التحرير

نظام الإدارة الإلكتروني للمجلة

لنشر مقالاتكم يرجى التسجيل في البوابة الرقمية للمجلة

 

Copyright © 2019 المجلة الأفريقية للعلوم السياسية كل الحقوق محفوظة.