محرك بحث المجلة


foto1
foto1
foto1
foto1
foto1
foto5

مفهوم الأقليات وعوامل نشوئها

بشير شايب أستاذ العلوم السياسية بجامعة  20 أوت 1955 سكيكدة الجزائر

 

تبلورت إستيراتجيتان أساسيتان في التعامل مع التعدد الإثني بين إعتباره مشكلة صفرية تتطلب حلها لتستمر الدولة ،وتستقر وبين إعتباره واقعا يمكن altالتعايش معه وإدارته وتوجيهه لخدمة التنوع الثقافي للدولة ،وهو ما يفرض الإستيراتجيتين التاليتين :

1-استيراتيجية الإقصاء:وتنتهج الدولة فيها أسايب الإبادة الجماعية والترحيل القسري والتقسيم أو الفصل ،أو الإدماج والتذويب والإستيعاب .

2-إستيراتيجية التسوية وإدارة التعدد:وتتضمن الهيمنة على الجماعات الإثنية والتحكم فيها ،من خلال تقاسم السلطة ،أو الفدرالية التي تتطابق فيها الحدود الجغرافية للأقاليم مع الحدود الإثنية،وسيركز الباحث في هذه الدراسة على الفدرالية كأحد خيارات إدارة التنوع الإثني والتحكم بالأقليات والحد من الصراعات التي تتفجر بينها .

مفهوم الأقليات وعوامل نشوئها

يطرح مشكل الأقليات عندما يتعثر مشروع بناء الأمة أو مشروع بناء الأغلبية الاجتماعية-السياسية،هذا المشروع الذي تطمح إليه كل دولة من أجل أمنها الإجتماعي ورقيها وتماسكها ،

المطلب الأول:إتجاهات  تحديد مفهوم الاقلية

إعتمد الدارسون لموضوع الأقليات على ثلاث أتجاهات رئيسية في تحديد مفهومها وقدموا عدة تعاريف وفق تلك الإتجاهات وهي:

الفرع الأول: الاتجاه  العددي

يرى أنصار هذا المعيار ان مفهوم الاقلية مرتبط بعدد الافراد المنتمين اليها والذين تجمعهم روابط مشتركة وتميزهم عن غيرهم داخل المجتمع المشكل للدولة الواحدة على اقليمها، ويرون أن الاقلية هي الجماعة العرقية الأقل عددا في مجتمع ما،و أنصار هذا الاتجاه من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية والدراسات القانونية([1])،الا أن هذا الاتجاه يصطدم بحقيقة تواجد مجموعات مختلفة داخل دولة ما مع عدم تمتع أي منها بصفة الاغلبية حيث تضطر تلك المجموعات الى التكتل لتشكيل الأغلبية المنشودة في مواجهة أقلية أخرى أو مجموعة أقليات وهو الحال في لبنان([2]).وهذا يفقد المعيار العددي صدقيته الى حد ما ما ،زد على ذلك صعوبة التحقق من الاحصائيات المعلن عنها ،أذ يجب التواجد على نفس الجغرافيا التي تتواجد فيها تلك الأقليات،وأن كان أمر التحقق من عدد أقلية ما في دولة مركزية موحدة ،فانه يصعب ان لم يستحيل في الدول اللامركزية أو الفدرالية ،وهذا لظهور الأقليات داخل الأقليات (les sous-minorités ) كما هو الشأن في العراق حيث يعتبر الأكراد أقلية بالنسبة للعرب في حين يشكل العرب أقلية في أقليم كردستان،ويعرفون الأقلية حسب المعيار العددي على أنها:

أولا-الأقلية هي:مجموعة من الناس يتمتعون بجنسية الدولة التي يعيشون فيها بذاتهم ويختلفون عن غالبية مواطنيها في الجنس واللغة والعقيدة والثقافة والعادات والتقاليد ([3]) . إلا أن هذا التعريف وصف بالمتزمت والمتطرف الى حد ما، نظرا لإستحالة أو صعوبة إيجاد أقلية تختلف عن باقي سكان دولة ما في كل الخصائص ،الدينية والجنسية واللغوية والعقدية والثقافية والتاريخ ، والعادات والتقاليد ويرى منتقدوه أن توفر عنصر من العناصر الآنفة الذكر كاف للوصول إلى وضع الاقلية.

ثانيا -الأقلية هي :كل مجموعة بشرية تعيش داخل إقليم دولة ما وتتمتع بخصائص تميزها عن غيرها من بقية السكان سواء كانت خصائص ثقافية أو دينية أو لغوية أو تاريخية أو جنسية([4]).

ثالثا-الأقلية هي :كل جماعة يتقاسم أفرادها روابط الأصل أو اللغة أو الدين ،كما يجب أن يشعر هؤلاء عن وعي تام بوضعهم ويتصرفون على أساسه([5]) .

رابعا-الأقلية هي :هي مجموعة من الناس قليلة العدد بالنسبة لباقي سكان دولة ما ،والتي يمتلك خصائص مشتركة بين أفرادها تختلف عن بقية خصائص مجموعات سكان الدولة وتتميز بتلك الخصائص (أثنية ،دينية ،لغوية)ولها الإرادة والرغبة في المحافظة على كل أشكال تميزها عن الآخرين([6]).

الفرع الثاني:اتجاه الفاعلية

يرى أنصار هذا المعيار إن الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي هو العنصر المحدد لمفهوم الأقلية ،وهي حسبهم كل جماعة عرقية مستضعفة أو مقهورة أو مغلوب على أمرها بغض النظر عن عدد إفرادها كثرة كانوا أم قلة([7])، ويستدلون على ذلك بوضع الهنود الحمر في أمريكا في بداية الغزو الأوربي لها وكذلك الزنوج في جنوب إفريقيا أيام حكم الميز العنصري .

واعتماد معيار الفاعلية لا يخلوا من الإنتقاد ،ففي بلجيكا مثلا نجد الفرانكفونيين الذين يشكلون حوالي أربعون بالمائة 40%  من عدد السكان وهم بذلك في حكم الأقلية بالمعيار العددي ،لكن التشريعات البلجيكية منحتهم امتيازات جعلتهم في وضع المهيمن على حساب الفلامون les flamands   ،إلا أن الفدرالية أعطت أيضا امتيازات لجماعة الفلامون مما جعلها أيضا في وضع المهيمن إلى جانب الأقلية الفرانكفونية ،ونتج عن هذا الوضع ما يسمى بالهيمنة المشتركة co-dominance وغدت وفقا لهذا الوضع الجماعة الهولندية هي الأقلية الوحيدة بالمعيار العددي ومعيار الهيمنة ([8]).

 

 

يعرف أنصار هذا الإتجاه الأقلية على أنها:

أولا-الأقلية:هي كل جماعة في الدولة لا تسيطر ولا تهيمن على جماعة أخرى وتتمتع بجنسية تلك الدولة،إلا أنها تختلف عن باقي السكان في لغتها وجنسها ودينها،وتسعى إلى حماية ثقافتها وترقية لغتها والمحافظة على تقاليدها ([9]).وان كان هذا التعريف يربط مفهوم الأقلية بفاعليتها فقط فان اعتماده يؤدي إلى خلق نوع من الخلط بين مفهوم الأغلبية والأقلية ،خاصة في الأوضاع التي نكون فيها أمام مجموعتين أحداهما كثيرة العدد وأقل سيطرة والأخرى قليلة العدد ومسيطرة فكلتاهما أقلية وأغلبية حسب معيار الدارس أو الملاحظ ([10]).

ثانيا-الأقلية :هي مجموعة يتشارك أعضاؤها في واحد أو أكثر من الخصائص الثقافية أو الجنسية ،وفي عدد من المصالح ولديهم الوعي التام بواقعهم وتمايزهم عن باقي السكان ،وهم متضامنون في مواجهة مصيرهم ([11]).ويتميز هذا التعريف بإدراجه للعامل النفسي المثمثل في الوعي والإحساس لدى أفراد المجموعة كما سيأتي لاحقا.

ثالثا-الأقلية:كل مجموعة تربطها روابط بيولوجية أو ثقافية تميزها عن غيرها وتتعرض للاضطهاد أو التمييز وعدم المساواة ([12]). إلا أن ما يعاب على هذا التعريف هو إعتماده على الخصائص البيولوجية والتي تحيلنا إلى مفهوم السلالة البشرية، وهذا المفهوم لم يعد متداولا نظرا لاقتصاره على عالم الحيوانات دون الإنسان ،فالبشر ينقسمون إلى ثلاث مجموعات كبرى وهي :

1-الجنس الأبيض leucoderme.

2-الجنس الأسود mélanoderme.

03-الجنس الأصفر xanthoderme.

وهذه المجموعات اختلطت وتصاهرت عبر التاريخ لعدة أسباب أهمها الحروب والهجرات والنزوح([13]).

رابعا-الأقلية :هي جماعة من الناس منفصلة بخصائصها العضوية أو الثقافية عن بقية المجتمع الذي تعيش فيه ،وتعاني معاملة غير متساوية مع باقي أفراد المجتمع ،وعليه فهي تحس بالتفرقة والتمييز([14]).

الفرع الثالث:اتجاه الفاعلية والعدد معا

لقد تعرض أصحاب معيار العدد كما أصحاب معيار الفاعلية إلى كثير من الإنتقادات مما حدا بمجموعة من الدارسين إلى اعتماد المعيارين معا في اتجاه جديد وتتمحور تعريفاتهم لمفهوم الأقلية بين الجمع المتزامن بين قلة العدد ودونية الوضع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي ومن بين التعاريف التي ساقوها نورد:

أولا-الأقلية:مجموعة من مواطني دولة ما تختلف عن أغلبية المواطنين في الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة ،مع شعورها بالتهميش والاستهداف من غيرها كما أنها لا تتمتع بأي هيمنة على المجموعات الأخرى ،مما يوجب حماية القانون الدولي لها ([15]).

واللافت في هذا التعريف هو ظهور عنصر الجنسية وإشتراطه في تعريف الأقلية ،والجنسية هنا يستنبط منها عنصر الولاء للدولة التي تتمتع أي مجموعة بجنسيتها ،كما أنها تتيح للدارسين التفريق بين مجموعات المهاجرين أو اللاجئين المتواجدين على إقليم أي دولة ([16]).

ثانيا-الأقلية:هي كل جماعة لها أصل عنصري ثابت وتقاليد دينية ولغوية،وهي الصفات التي تختلف بصفة واضحة عن بقية الشعب الذي تعيش فيه،ويجب أن يكون عددها كافيا للمحافظة على تلك التقاليد والخصائص ،كما يجب أن تدين بالولاء للدولة التي تتمتع بجنسيتها ([17]).

وهذا التعريف هو نفسه الذي اعتمدته اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة (نيويورك من 6-12أكتوبر 1951)، ويتميز هذا التعريف بعنصر الولاء للدولة وما يترتب عليه قانونيا .

ثالثا-الاقلية:هي كل جماعة غير مسيطرة وقليلة العدد بالنسبة لبقية سكان الدولة التي تعيش فيها ،والتي يرتبط أفرادها فيما بينهم بروابط العرق والدين والثقافة واللغة ويتميزون بهذه الخصائص بشكل واضح،ويتكاثف أفرادها من أخل الحفاظ على خصوصيتهم وترقيتها ([18]).

الفرع الرابع:العوامل المحددة لمفهوم الأقلية

من التعاريف السابقة لمفهوم الأقلية يمكن الإشارة إلى مجموعة من المحددات اللازمة التي تتحكم إلى حد كبير في بلورة مفهوم واضح للأقليات تتلخص فيما يلي:

 

 

أولا:العامل المجتمعي  L’élément communautaire:

وهو من المحددات الأساسية لمفهوم الأقلية ،إذ لا يمكن وصف أي مجموعة على أنها أقلية إلا إذا اشترك أعضاؤها في خصائص مشتركة تميزهم عن غيرهم من جهة وتوحدهم حولها من جهة أخرى،وشكلوا تجمعا واضح المعالم  ،إذ لا يعقل إن توصف بالأقلية مجرد مجموعة أفراد  أو أسر تعيش مبعثرة في أرجاء الدولة وبين أهلها ([19]).

ثانيا :العامل الكمي L’element quantitatif

ويعني ذلك وجوب وجود تجانس ديني ،لغوي ،ثقافي ،تاريخي بين أعضائها مع توفرها على عدد كاف من الأفراد يشكلون مجموعة وطنية حقيقية وليست مجرد جماعة حالمة في مشهد فلكلوري محلي([20]).

ثالثا:العامل النفسي L’element psychologique

ويقصد به أن الجماعة المتجانسة لا يصطلح عليها بالأقلية إلا إذا أحست بوضعها عن وعي تام بواقعها وتصرفت على أساسه في كل تفاعلاتها مع المحيط الداخلي والخارجي على حد سواء([21]).

رابعا :العامل الجغرافي L’element geographique:

ويشكل المسرح الحقيقي لتفاعل كل الخصائص والمقومات وتبلورها بين أفراد الأقليات فبالإضافة إلى عوامل الدين واللغة والتقاليد والعرق ....الخ ،يشكل الوطن الأم الوعاء الذي تنصهر فيه كل تلك العوامل مع الزمن،وتلتصق بالأقلية مبرزة شخصيتها ومن هذه العوامل التي تتفرع من الاشتراك في وطن واحد لجماعة ما نذكرمنها الاسم والماضي المشترك والتاريخ والثقافةوالتضامن )[22](  :

01-الاسم:تأخذ الأقليات أسماءها في كثير من الأحيان من اسم الإقليم أو الرقعة الجغرافية التي تعيش فيها منذ زمن بعيد ،كما تشكل الأسماء رمزا هاما لشخصية المجموعة ،كما أنها تدل على قدر أدنى من التنظيم والتعارف والتقدير بين أفراد المجموعة كل حسب مكانته.

02-الماضي المشترك:وهو الملهم لكل أفراد المجموعة فيما بينهم من أجل العيش .

03-التاريخ :ويشكل الذاكرة المشتركة لكل الأفراد والذي يساهم في الإلهام الروحي وتعبئة الأفراد من أجل ألتفافهم حول المصير المشترك لجميعهم.

04-الثقافة:وتتجلى في شكل اللباس وطريقة الطبخ والغناء والنمادج العمرانية واللغة والدين

05-التضامن:ويبرز قوة الروابط بين أفراد الأقلية ويقيس مستوى تماسكهم.

خامسا:العامل السياسي l'élement politique

أن مواطني أقلية ما داخل الدولة يتعرضون للحرمان والتهميش في المشاركة ،وإدارة الشأن العام ،وهم بذلك يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية وهذا الإحساس بالغبن ينمي لديهم الرغبة في المساواة ،والمشاركة على قدم المساواة في إدارة الشأن السياسي لوطنهم مع باقي مواطني الدولة ([23]) .

ومن  خلال ما تقدم من محاولات إعطاء تعريف لمفهوم الأقلية من خلال المعايير التي أعتمدها الدارسون لمسألة الأقليات يرى الباحث أن إختصاص الدراسات وتنوعها هو ما يجعل هذا الفريق يعتمد على معيار دون الآخر،ولما كان موضوع بحثنا سياسيا وهو محاولة الوصول إلى العلاقة بين الأقليات والنظم السياسية في أفريقيا ،خاصة تلك التي اعتمدت الفدرالية كنظام حكم محلي تتوزع فيها السلطات بين المركز والوحدات الإقليمية ،حيث تتمتع الأقاليم بالاستقلالية الإدارية والتشريعية ،فان مفهوم الأقلية يتبلور من خلال العوامل القوية والتي تشكل الخصوصية البارزة لمختلف الجماعات،وأمام كثرة الأقليات في الفضاء الإفريقي وتنوعها ،واختلاف تقاليدها وثقافاتها ومعتقداتها ولغاتها ،يشكل الدين أو المعتقد واللغة والثقافة عنصرا قويا نظرا للبعد الحضاري الذي يشكله وعليه فالباحث يرى أن الأقلية هي:

"مجموعة أقل أهمية من الناحية الديموغرافية ،يتشارك أفرادها عناصر الهوية ويتناغمون معها بكل وضوح،ويعيشون في دولة، ويختلفون عن بقية السكان في الخصوصيات الإثنية واللغوية والعادات والتقاليد ،ويكونون في الغالب ضحية للتهميش والإقصاء من طرف المجموعات الأخرى أو من طرف الدولة عبر تشريعات غير منصفة".

المطلب الثاني: تصنيفالأقّليات

الأقلية مصطلح فضفاض ومطلق يحمل الكثير من التفاسير وقد تجلى ذلك في محاولة حصر مفهومه الذي أخذ اتجاهات متعددة ولم يصل إلى أجماع الدارسين حول تعريف متفق عليه وثابت يمكن اعتماده ،وكلمة أقلية هي كلمة نكرة حتى لو عرفت بأل،لأنها لا تعني شيئا دونما أضافتها إلى كلمة أخرى تؤدي المعنى المراد قصده ،بل لقد ذهب باحثون كثر إلى رفض اعتماد مصطلح الأقلية في الدراسات العلمية الجادة  )[24](. فمصطلح الأقلية يأخذ معناه من المصطلح أو الكلمة التي يضاف إليها ، مثل أقلية لغوية،أقلية دينية،وطنية،ثقافية ، وبناء على ذلك يمكن ذكر التصنيفات التالية:

الفرع الأول :الأقليات الأصلية minorités autochtones

وكلمة autochtoneمستمدة من الأصل اليوناني auto-khthôn    والتي تعنيالإنسان الذي ولد من نفس الأرض(celui qui est né de la terre même)وهي الشعوب والأقليات التي تواجدت قبل تشكل الدولة نفسها ، في مناطق عديدة من العالم وشكلت على مر العصور وحدة أثنية وثقافية ولغوية ،وقد يستعمل مفهوم الشعوب الأصلية للتفريق بينها وبين المهاجرين مثل الهنود في أمريكا  ([25])،كما أن توصيف الشعوب الأصلية بالأقلية لا يحيل إلى عددهم فقط ولكنه يؤشر على موجة المهاجرين التي استقرت في بلادهم وهيمنت على كثير من مناحي الحياة العامة.

الفرع الثاني:الأقليات القومية minirotés nationales:

يمكن تعريفها على أنها تلك المجموعة من السكان التي تعيش في المناطق الحدودية للدولة ،وليست لها كل الخصائص الثقافية أو اللغوية لسكان تلك الدولة، وإنما تشكل جزء من أغلبية في الدولة المجاورة ويرتبط هذا المفهوم ببداية تشكل الدولة الوطنية والتي لأسباب كثيرة قد تفصل عنها أجزاء من ترابها وتلحق بإقليم دولة أخرى ([26]). ويجب في هذا المقام معالجة مسألة الأقليات الوطنية على ضوء الاتفاقيات التي أدت إلى نشوئها والتي تلي عموما فترة الحروب والنزاعات بين الدول ،أو الحدود  الموروثة على الاستعمار ،مثل ما هو الشأن في كثير من الدول الإفريقية .

 

 

الفرع الثالث:الأقليات الإثنية  les minorités ethniques

إذا  كانت عوامل الدين واللغة والثقافة والعرق (la race) هي العوامل الأكثر التصاقا بمفهوم الأقلية ،فان العرق مسألة وراثية بيولوجية لا دخل للأفراد فيها فهم لا يقررونها وإنما تنشأ بينهم نتيجة ميلهم إلى التزاوج من نفس أفراد المجموعة التي ينتمون إليها ،وإذا كان انغلاق المجتمعات وعزلتها فيما مضى وتباعد أقاليمها قد ساهم في بروز الثقافة الخاصة بكل مجموعة ، فان المسالة الآن فيها إعادة نظر ،نظرا لظهور زيجات بين مختلف المجموعات حتى بين تلك الأشد اختلافا ،وهذا مرده إلى وسائل الأعلام والاتصال ،كما أن الثقافة لم تعد محددا قويا قوة الدين لتلاقحها مع ثقافات أخرى نتيجة لتفتح الجماعات وتفاعلها داخل الدولة الواحدة ،وعلى العكس من ذلك ساهمت تلك الوسائل والظروف الجديدة في بروز الفوارق الدينية وتبلورها أكثر وعليه يأتي الدين في المرتبة الأولى متبوعا بالثقافة واللغة والعرق.

وتعرف الأقلية الإثنية على أنها مجموعة أفراد يتمتعون بهوية تختلف عن هوية باقي المجموعات داخل الدولة،متجدرة في الوجدان التاريخي،ولهم أصل عرقي واحد ،ويتمتعون بوعي تام بواقعهم مبني على عناصر الدين و اللغة والثقافة والتقاليد التي تفاعلت على إقليم معين عبر الزمن ([27]).

 

ويرو بعض الدارسين أن ربط الإثنية بالعرق   la race يشكل قناعا للعنصرية أكثر مما يساهم في التمييز بين الأقليات([28])  .وكلمة الاثنية   ethnos مشتقة من اللغة اليونانية القديمة وتعني الشعوب غير المنظمين في المدن polis. أما في العصر الحديث فان ظهورها يعود إلى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ومنها جاءت الأثنلوجيا والتي تعني علم الشعوب ومثلها الأثنو-غرافيا ،واستعملت كلمة الإثنية للدلالة على الإشكاليات الاجتماعية problematiques sociales  ووردت في دراسات  gobinau   كتابه essai sur l’enégalité des races hummainesللدلالة على اختلاط الأعراق ،وفي سنة 1896 م أقترح vaucher de lapouge من جديد مصطلح  الاثنية للتفريق بين :

01-العرق:كمجموعة خصائص فيزيولوجية تميز مجموعة ما عن مجموعات أخرى.

02-الأمة:كوحدة سياسية واجتماعية وتاريخية

03-الإثنية:كمجموعة الخصائص الدينية واللغوية والثقافية التي  تتميز بها مجموعة بشرية عن أخرى.

أما ماكس فيبر max weber  فقد فصل في مفهوم الإثنية حسب استعمالاتها لتعني العرق أو الإثنية أو الأمة،ويرى فيبر أن العرقية ترتكز على وحدانية الأصل ،في حين تؤدي الإثنية معنى الأيمان والوعي والإعتقاد بوحدانية ذلك الأصل،أما  الأمة فتعني  مجموعة المطالب بضرورة إيجاد قوة سياسية تعبر على المصالح المشتركة بين أفراد ها ([29]).

       

أولا –تصنيف الأقليات الإثنية :

تعددت الآراء حول المعايير الواجب اعتمادها في تصنيف الأقليات الإثنية وأفرزت رأيين هامين نسوقهما فيما يلي :

1-الرأي الأول:تصنف الأقليات الإثنية حسب المقومات الأساسية الذاتية من عرق ولغة ودين وتندرج تحت هذا الرأي الأقليات الإثنية  التالية)[30](:

أ-الأقليات السلالية:وهي الجماعات التي ترتبط فيما بينها بأصل عرقي مشترك ،يتبلور في سمات فيزيولوجية كاللون وشكل العيون ....الخ)[31](.

ب-الأقليات اللغوية:هي كل جماعة يتحدث أفرادها لغة تختلف عن لغة الأقليات الأخرى في المجتمع)[32](.

ج-الأقليات الدينية:هي كل جماعة يشكل الدين أكبر مقوماتها وأبرز ما يميزها عن غيرها من الجماعات)[33](.

2-الرأي الثاني:تصنف الأقليات الإثنية على أساس موقعها السياسي والاجتماعي والإقتصادي إلى :

أ-الأقليات الإثنية المسيطرة:وهي الأقليات التي تهيمن على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتسيطر على عملية صنع القرار في مجتمعها)[34](.

ب-الأقليات الإثنية غير المسيطرة:وهي على النقيض من الأقلية المسيطرة إذ لا تهيمن على أي من نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والإجتماعية )[35](.

 

 

 


[1]-أحمد وهبان،"الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر"،دارالجامعة الجديدة،الاسكندرية،2001،ص99

[2] -José woehrling, Les trois dimension de la protection des minorités en droit constitutionnel comparé,rapport generale présenté aux journées mexicaines de l’Association Henri Capitant à Mexico

et Oaxaca du 18 au 25 mai 2002,p100

  

[3]-أحمد وهبان،"الصراعات العرقية واستقرارالعالم المعاصر"،مرجع سابق،ص100

[4]-نفس المرجع السابق.

[5]-نفس المرجع .

[6] - Nicolas schmitt,protection des minorités,federalisme et democratie de concordance :tout etat lié,institut du federalime-universite de fribourg (suisse),conference sur le burundi,geneve,17-19 avril 1996,p5

[7]-أحمد وهبان ،مرجع سابق ،ص104.

[8] -José woehrling, Les trois dimension de la protection des minorités en droit constitutionnel comparé,op.cit,p104

[9]-أحمد وهبان ،نفس المرجع السابق

 

[10]-نفس المرجع،ص109

[11]-نفس المرجع،ص105

-[12]نفس المرجع،ص106

[13] - Claude levis-straus,rev.int.sc.soc,vol23(1971),N°4,p647

-[14]سميرة بحر ،"المدخل لدراسة الأقليات"،مكتبة الأنجلو المصرية،1982،ص10

-[15]أحمد وهبان ،مرجع سابق،ص109

[16]-José woehrling, op.cit,p105

-[17]محمود ابو العينين،"إدارة وحل الصراعات العرقية في أفريقيا"،الدار الجامعية للنشر والتوزيع والطباعة، الطبعةالأولى،ليبيا،2008.ص15-16

-[18]أحمد وهبان،مرجع سابق،ص112

[19] - Landre-sousthene beni,gestion des forets et exclusions des minorites pygmees baaka dans la reserve speciale de dzanga-sangha republique centreafricaine,memoire de maitrise en sociologie,bangui,96-97, p10

 

[20]-ibid, p11

 

[21] -ibid

 

[22]- Christian Geiser,Le retour des réfugiés en Bosnie : quelles conséquences pour la paix?,Approches théoriques sur les conflits ethniques et les réfugiés, communications présentées lors d’une table ronde tenue le 19 novembre 1998 sous l’égide de la Chaine Téléglobe Raoul-Dandurand en études stratégiques et diplomatiques.

[23]-Beni Landry-Sosthène ,LES MINORITES PYGMEES AKA DE LA LOBAYE FACE AUX ENJEUX D’INTEGRATION SOCIALE EN CENTRAFRIQUE, MEMOIRE de D.E.A. de SOCIOLOGIE, INSTITUT DES SCIENCES SOCIALES RAYMOND LEDRUT, Toulouse, année académique: 2000-2001,p10

 

[24]-مسعود ظاهر،"الاقليات في الوطن العربي"،متوفر على الرابط :http://aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?t=3869،تم تحميل الملف يوم 12 أفريل 2011 ،الساعة12 :10

 

[25]-ejournalusa,http://www.america.gov/ar/publications/ejournalusa.html,consulter le 14 avril 2011,14 :00

 

[26] -francoise fonval,problemes des minorités ethniques et culturelles en vue de l’elaboration d’indicateurs sociaux, unisco,ss-82/conf. 815/col,p4

 

[27] -ibid,pp5-6

[28]-Dominique Franche, Généalogie du génocide rwandais, Editions Tribord, 2004, p109

 

 

[29] -Anais leblon,le pulaaku,bilan critique des etudes de l’identité peule en afrique de l’ouest ,rahia,collection clio en afrique,n°20,automne 2006,pp5-6

-[30] أحمد وهبان،مرجع سابق ،ص120

[31]-نفس المرجع،

[32]-نفس المرجع ،ص121

[33]-نفس المرجع ،ص122

[34]-نفس المرجع،ص123

[35]-نفس المرجع.

 

Supporters of the african journal of political sciences


 

HTML5 Icon

 

  رئيس تحرير القسم العربي :الأستاذة براك صورية

contact:    arabic@maspolitiques.com

Maspolitiques.com website reputation

مدير التحرير:الأستاذ بشير شايب

contact:    info@maspolitiques.com

Copyright 2017  AJPS