محرك بحث المجلة


foto1
foto1
foto1
foto1
foto1
foto5

تنمية منطق ومنهجية التفكير لدى الأخر في الخطاب النبوي الشريف

تنمية منطق ومنهجية التفكير لدى الأخر

في الخطاب النبوي الشريف

 

تقديم الدكتور عبد القادر تومي

أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بوزريعة

        موضوع المقال كما يجليه عنوانها هو "تنمية منطق ومنهجية التفكير لدى المخاطب في الخطاب النبوي" ويحاول أن يقرا الجوانب الواقعية في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التفاعل مع الأخر. أي أن الخطاب النبوي لم يكن طوباويا متعاليا بل كان يخاطب غيره بأسلوب  منهجي يتطلب العقلانية في التفكير، والمنطقية في الفهم والواقعية في التصور، وهو ما يجعل الخطاب مقبولا لدي مخاطبه وقد تجلى هذا الأمر كثيرا في مخاطبة أهله وصحابته، كما اتضح جليا في خطابه مع جنده في غزواته، واتضح أيضا في رسائله التي كتبها إلى الحكام والملوك داعيا إياهم إلى الإسلام.

لقد كان الخطاب النبوي حاملا في طياته القيم الفكرية والمنهجيةالتي تتفق وتتسق والفطرةَالإنسانيةَ.في إطار من الحوار المقنع والجدال الحسن، فطرةَ الله التي فطر الناس عليها. وهو ما يثبت تميز الإسلام بالواقعية والمنطقية، لأنهالرسالةُ الخاتمة، حيث تمتد رسالة الإسلام في أفق الزمان إلى نهايته.

   ويأتي خلود رسالة الإسلاممن كونه يتميز بخاصية فريدة تميزهعن غيره من الديانات السابقة وهي اتفاق دعوته مع فطرة البشر اتفاقا كاملا، إنها الدعوة التي تتأسس على الجدال الحسن والكلمة الطيبة، و الحوار المقنع،و لهاذا كانت القيم الإسلامية عالمية في ذاتها، مرنة في تطبيقها؛ لأنها استجابة للفطرة السوية، فقيم العدل والتعاون والمساواة وغيرها قيم عالمية في ذاتها، تواضع عليها الناس واصطلحوا جميعا، واستحسنها العقل البشري في مختلف الأزمان، وهي واضحة في منهجها، مرنة في تطبيقها، تمتاز بالاعتدال والتوسط بين الحقوق والواجبات، وتلائم بين النـزعة الفردية والمصلحة الاجتماعية.وهذا ما يجعل الثقافة الإسلامية عالمية، ليس لأنها عامة فقط بل لأنها واقعية ومنطقية لا تلغي الثقافات الأخرى إنها الثقافة التي تكون في عمقها إنسانية الطابع و الأبعاد، و تأخذ في اعتبارها إن ثمة تعدادا وتبيانا في الثقافات، ونسبية في المفاهيم واختلافا بين الناس في كثير من الأشياء. ومن ثم فهي تسعى إلى مد جسور التواصل والتفاهم مع الثقافات الأخرى، ولا تسعى إلى إن تكون نقيضا لها أو إلغائها" اعترافا بواقع الخلاف الموجود على الأرض، والذي أقره القرآن الكريم من خلال قوله تعالى : "ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ".[1]

ان استكشاف جوانب التميز في الخطاب النبوي، يتطلب  تحليل المضامين العقلانية في حوارات الرسول صلى الله عليه وسلم مع غيره قصد الكشف عن تنمية المهارات لدى المخاطب، وإبراز القدرات والكفاءات التي يحملها الأخر في ضوء السنة النبوية.

    من خصائص الخطاب النبوي انه يصنع سياقا للأخر، يراجع هذا الأخير فهمه للأشياء ويولد رؤية يحددها الخطاب النبوي قولا أو سلوكا، وكأن الخطاب النبوي، خطاب توليدي يعزز الفهم، ويبرز قدرة التحليل المنطقي للامور، ويضبط منهجية التفكير لدى الأخر، ويعيد مراجعة الحكم بعد تلقي الأمر المسموع.الأمر الذي يجعلنا نقول أن كنوز السنة النبوية  تبقى تضخ الحياة المتجددة  والرؤية العميقة مهما تعاقبت الأجيال واستمرت السنين الطوال، ومهما اختلفت العينات التي تتلقى الخطاب .

ان المتابع لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد انها ابرزت ونمت العديد من المهارات لدى الأخر ومنها:

 

تنمية مهارة التفكير لدى الاخر.

     قد يتعجب البعض عندما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو المعصوم من الزلل الذي يتنزل الوحي عليه من السماء وهو يستشير صحابته الكرام في مواقف متعددة خاصة قضايا الدفاع والحروب، ففي واقعة الخندق لما وصلت الى النبي – صلى الله عليه وسلم - المعلومات، التي تفيد بتحرك جيوش التحالف صوب المدينة، فاسْتَشَارَ الصّحَابَةَ، ما العمل ؟ وهو النبي المصطفى.. فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ الْعَدُوّ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ، وهي حيلة دفاعية يستخدمها الفرس، والحكمة ضالة المؤمن فأنى وجدها فهو أحق الناس بها .
 إن ما نستخلصه في هذا الموقف بالإضافة إلى أن الشورى ثمرة عظيمة من ثمرات الدعوة الإسلامية، وسلوك ماثل في أحداث السيرة النبوية[2]، إن الاستشارة تفتح باب الابتكار وتنمي طريقة الفهم لدى الأخر، هذه هي سمة البيئة الشورية في المجتمع الاسلامي بيئة جاذبة للعقول ومحررة لها وداعمة للتفكير، ودافعة للفهم والابتكار، وحاضنة لأصحاب المواهب والمهارات، وليست بيئة  مستبدة طاردة للعقول ومحاصرة للآراء، وقاتلة للافهام،  ومسيطرة على كل شيء. فسلمان الفارسي بهذا الاقتراح اكتسب حب الغير له حيث طفق الناس يهتفون بسلمان، افتخارنًا به، وسرورًا بفكرته، فقال المهاجرون : سَلْمَانُ مِنّا ؛ وَقَالَتْ الأنْصَارُ : سَلْمَانُ مِنّا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- سَلْمَانُ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ[3].   وما كان لسلمان  أن ينال هذه المرتبة الشرفية، ويستحق هذا الوسام النبوي الرفيع، إلا لأنه أعمل عقله في خدمة الإسلام، واخترع وابتكر، وأبدع ما ينفع المسلمين، وفكر، بفهم وروية ، وهذا الرد المعهود من القيادة الإسلامية التي لم تتوانى في تكريم أصحاب الآراء السديدة والابتكارات الجديدة .
حقا في إطار الشورى وجوها تهيج العقول وتستوي على سوقها، فتَنتج وتبدع ، وفي بيئةِ الحوار البناء بين الراعي والرعية تثمر الأفكار وتؤتي أكلها، وتزداد الثقة بين القائد وجنده .
تعزيز مبدأ التعددية الفكرية
في اطار الاستشارة النبوية لصحابته الكرام ، وفي حالة مشهورة من مواقف بدر قال عبد الله بن رواحة  : " يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك"[4] فأنصت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لقول ابن رواحة وقال له قولاً حسنًا ولما تحرك رسول الله إلى موقع ماء بدر، في موقع المعركة، نزل بالجيش عند أدنى بئر من آبار بدر من الجيش الإسلامي، وهنا قام الْحُبَاب بْنَ الْمُنْذِرِ وأشار على النبي بموقع آخر أفضل من هذا الموقع قائًلا :
يَا رَسُولَ اللّهِ ! أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللّهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ ولا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ قَالَ : " بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ" .. فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنّاسِ حَتّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ ، فَنَنْزِلَهُ ثُمّ نُغَوّرَ - أي ندفن-  مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمّ نُقَاتِلَ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ.َقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – مشجعًا - :" لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ". وبادر النبي – صلى الله عليه وسلم - بتنفيذ ما أشار به الحباب، ولم يستبد برأيه برغم أنه القائد الأعلى، وعليه ينزل الوحي من السماء، فَنَهَضَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَمَنْ مَعَهُ مِنْ النّاسِ فَسَارَ حَتّى إذَا أَتَى أَدُنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمّ أَمَرَ بالآبار فخُربت، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْبئر الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً، ثُمّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ[5].

إن هذه المواقف لتبين كيف تكون العلاقة بين القائد وجنوده، إنها علاقة تحترم الآراء الناضجة وتشجع الأفكار الصاعدة، وتتبنى الابتكارات، وتحفز الاختراعات.
في وداي ذَفِرَانَ [وهو يبعد عن المدينة المنورة نحو مائة كيلو متر ]، وكان في هذا الوادي المجلس الاستشاري الشهير لمعركة بدر- بلغ النبي – صلى الله عليه وسلم- نجاة القافلة، وتأكد من حتمية المواجهة، فإما القتال وإما الفرار.. فاستشار، فجمع الناس ووضعهم أمام الوضع الراهن،وقال لجنوده:"أَشِيرُوا عَلَيّ أَيّهَا النّاسُ ! " .. ورددها مرارًا، وما زال يكررها عليهم، فيقوم الواحد تلو الآخر ويدلو بدلوه، فقام أبو بكر فقال وأحسن. ثم قام عمر فقال وأحسن. ثم قام الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فقال وأحسن.. حتى قام القيادي الأنصاري البارز سعد بن معاذ، فحسم نتيجة الشورى لصالح الحل العسكري، قائًلا : " لَقَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودِنَا وَمَوَاثِيقِنَا ، عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ .. فَامْضِ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَا أَرَدْت فَنَحْنُ مَعَك ، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ . لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقُرّ بِهِ عَيْنُك ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ "[6]

وفي خيبر نزَل النبي - صلى الله عليه وسلم - بساحة اليهود، وعسْكَر المسلمون قُرْب حصونهم، فأشار الحُباب بن المنذر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بتَغيير هذا المنزل إلى منزل أكثر أمنًا؛ حتى لا يَتضرَّر جيش المسلمين مِن سهام اليهود ووباءة المكان، فقَبِل النبي - صلى الله عليه وسلم - مَشورةَ الحُباب، وكلَّف مُحمَّدَ بن مَسلمة باختيار منزل مُناسب للجيش[7]

 وفي غزوة الطائف عسْكَر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين في مُعسكَر قريب مِن حصْن العدوِّ، فأُصيب المسلمون بجراحة، وقُتل منهم اثنا عشر رجلاً، فأشار الحُباب بن المنذر بتغيير المعسكر، فكلَّفه النبي - صلى الله عليه - بذلك، فاختار الحُباب مكانًا بعيدًا لا تَصل إليه سِهام العدو، وأصبح الجيش في منطقة آمِنة؛ بفضْل تطبيق النبي - صلى الله عليه وسلم - لمشورة الحُباب بن المنذر - رضي الله عنه[8]
فهذا هو المجتمع الإسلامي، الذي يعتبر الشورى ركنًا من أركانه، وأصلاً في بنيانه، وتتعدد الآراء السديدة والافكار القوية في ظله ..
وصدق حافظ إبراهيم – رحمه الله – حين قال:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به **** رغم الخلاف و رأي الفرد يشقيها

تنمية التفكير المنطقي

لقدكانت دعوته صلى الله عليه وسلم كلها رحمة وشفقة وإحساناً وحرصاً على جمع القلوب وهداية الناس جميعاً مع الترفق  بمن يخطئ أو يخالف الحق والإحسان إليه وتعليمه بأحسن أسلوب  وألطف عبارة وأحسن إشارة، تقتضي استخدام منطق التفكير متمثلاً قول الله عز وجل: (( ادْعُ إِلِىَ سَبِيــلِ رَبّــكَ بِالْحِكْـمَةِ وَالْمَـوْعِظَـةِ الْحَسَنَـةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ))[9]
 ومن ذلك لما جاءه الفتى يستأذنه في الزنى.
فعن أبي أُمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه فقال له: (ادنه)، فدنا منه قريباً، قال: (أتحبّه لأمّك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) قال: (أفتحبه لابنتك؟) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لبناتهم) قال: (أفتحبه لأختك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لأخواتهم). قال: (أفتحبه لعمتك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لعماتهم). قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لخالاتهم) قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد.

تنمية مهارة حل الازمات

لقد حمل الخطاب النبوي موصفات متعددة وحكم كثيرة تخص إدارة الأزمات فقد تجاوزت السنة النبوية في وعيها للكثير من الازمات وخاصة للأزمة الإنسانية الراهنة ، العلوم الحديثة بقرون من الوعي ، لتدخل العصر العالمي ، مشروط بعلمها (أنه الحق) ولهذا قال المولى تبارك وتعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ).[10] ومن هذه الآيات إن التنافس على حب الدنيا يؤدي إلى زوال كيانالأمة وهلاكها.

وفي الحديث "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ، قالوا أو من قلة يومئذنحن يا رسول الله قال لا بل إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن اللهالمهابة من صدور أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن يا رسول الله قالحب الدنيا وكراهية الموت " أخرجه أبو داود في سننه[11].
فالحديث يقدم المساعدة الأولية اللازمة لبناء أي حضارة، وذلك بتحديده للمشكلة الإنسانية المعيشة
قرناً. فقد حدد لنا رسول الإنسانية صلي الله عليه و سلم موقع المرض العضال الذي خلف حضارتنا ، وهو بصدد إسقاط الحضارة الغربية ، وقدم لنا منهجاً قاعدياً لتركيب حضاري جديد ، يؤهل الإنسانية للدخول إلى العصر العالمي ، فهذا الحديث يخدم منهجية عالم التاريخ ، وعالم النفس ، وعالم الاجتماع ، والمفكر المسلم، لأنه يوفر عنهم تكاليف تأسيس منهجية لدراسة أزمة الأمة الحضارية على حد تعبير المرحوم مالك بن نبي.
فالحديث يرى بأن المجتمع الإسلامي غثاء ، لأنه فقد الشعور برسالته الاجتماعية ،. فمعظم مواقف المجتمع الإسلامي أصبحت تدور حول محور (حب الدنيا وكراهية الموت) وذلك هو جوهر (الأزمة الحضارية) التي تمر بها البشرية ، بما فيها مجتمعنا الإسلامي ، الذي أصيب بالوهن.

   فحل الأزمة ينطلق إذن من عالم النفوس ، ويمتد في عالم المجتمع ، ثم ينتشر في عالم الثقافة، وبعدها يدخل إلى عالم التاريخ ، ليتحول فيما بعد إلى منهج للسير في الأرض من أجل الاهتداء إلى السنن الإلهية.

 

مهارة الالتزام بالفكرة والمبدأ واتباع المنهج لا الأشخاص.

    لقد نبهت السنة النبوية لأمور مهمة في الحياة ، من ذلك قضية التعلق بالأشخاص التي عرفت عند المسلمين فكان الخطاب النبوي منبها لضرورة الالتزام بالفكرة والإعراض عن الأشخاص، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعَظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وَجِلَتْ منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله ! كأنها موعظة مودعٍ، فأوصنا ! قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل بدعة ضلالة».الشاهد قوله : « كأنها موعظة مودع » ، « فعليكم بسنتي » فربما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، وأنه مغادر الحياة ، فأوصاهم بالتعلق بسنته بعده ، وقول الصحابة : « فأوصنا » فيه أنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده.

وإنَّ مشكلة التعلق بالأشخاص غير مبررة، ولذلك جاء القرآن ليقرر هذه الحقيقة الأولية حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق بالأشخاص ولو كانوا رسلاً. ففي سورة آل عمران وهو يتحدث عن غزوة أحد يقول سبحانه:" وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ " يقول أحد الباحثين: « وكأنما أراد الله سبحانه بهذه الحادثة وبهذه الآية أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وهو حيٌّ بينهم، وأن يصلهم مباشرة بالنبع, النبع الذي لم يفجِّره محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن جاء فقط ليومئ إليه ، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق ، كما أومأ إليه من قبله الرسل ، ودعوا القافلة للارتواء منه ؛ وكأنما أراد الله سبحانه أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة ، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط ، حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة التي لا يخليهم عنها أن يموت الرسول أو يقتل فهم ؛ إنما بايعوا الله ، وهم أمام الله مسؤولون ، وكأنما كان سبحانه يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع، وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم ، فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب ، وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول » . 

في حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا.. ».   فأوصاهم بأخذ سنته وأتباع هديه الذي هو الدين الذي بلغه عن ربه؛ ففيه تعليق الصحابة بمنهج الله، وتربيتهم على ذلك وهو حيٌّ بين أيديهم.

وكذلك جمعه الناسَ بماء بين مكة و المدينة يسمَّى خُمّاً، وخاطبهم فقال: « يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب »، ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته . الشاهد تعريضه بأنه مغادر الحياة، وحضه بالتمسك بكتاب الله وبمنهج الله.

وخرج الإمام أحمد أيضاً عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً كالمودع فقال: « أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث مرات ولا نبي بعدي؛ أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتُجُوِّز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم؛ فإذا ذُهِبَ بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه ». الشاهد قوله: « فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله ». فلم يعلقهم بنفسه الشريفة ولا بذاته إنما علقهم بكتاب الله وبمنهج الله؛ وفي هذا تربيتهم على التعلق بالمنهج.

 يتضح مما سبق من هذه الأحاديث ان السنة النبوية كانت توجه الصحابة وتحضهم على التعلق بمنهج الله الذي هو الكتاب والسنة ولم تكن تربطه بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، و أيضاً لقد كان الصحابة  يربي بعضهم بعضاً ، ولا غرابة في ذلك ؛ فقد رباهم على ذلك من قبل ، ويذكِّر بعضهم بعضاً بهذه الحقيقة المهمة حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق بالأشخاص؛فمتى جنحت العاطفة نحو الأشخاص ضعفت النفوس وتقهقرت .

ومن ادلة ذلك

ان الزهري قال: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس رضي الله عنه : « أن أبا بكر رضي الله عنه خرج وعمرُ رضي الله عنه يكلم الناس ، وقال : اجلس يا عمر . قال أبو بكر رضي الله عنه : أما بعد : فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . قال الله تعالى:" وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ".قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر رضي الله عنه ، فتلاها منه الناس كلهم ؛ فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها» ، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه قال : « والله ! ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض ».

  و في غزوة أُحدٍ لمّا انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر رضي الله عنه وقد انتهى إلى عمر بن الخطاب  و طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل المشركين ولقي سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا سعد، واهاً لريح الجنة إني أجدها من دون أُحد، فقاتل حتى قتل، ووُجِد به بضع وسبعون ضربة، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه.

 

تعزيز الثقة في القيادة عند الاخر وبث الثقة فيه.

عندما نتأمل المقولة التاريخية لسعد بن معاذ ، والتي قال فيها :
" فَامْضِ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَا أَرَدْت فَنَحْنُ مَعَك ، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ . لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقُرّ بِهِ عَيْنُك ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ "[12].
فامض يا رسول الله لما أردتَ، فنحن معك ... فسر بنا على بركة الله .. إنها ثقة الجندي في قائده، وثقة الأخ في نقيبه، والثقة الحقة، هي "اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه .. اطمئنانًا عميقًا؛ يُنتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة"[13]
سُرّ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِقَوْلِ سَعْدٍ وَنَشّطَهُ ذَلِكَ ثُمّ قَالَ : "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنّ اللّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ ! وَاَللّهِ لَكَأَنّي الآن أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ "[14]
وفي اليوم السابق ليوم بدر مشى - صلى الله عليه و سلم - في أرض المعركة وجعل يُري جنوده مصارع رؤوس المشركين واحدًا واحدًا . وَجعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ: هَذَا مَصْرَعُ فلان- ووضع يده بالأرض - ، وَهَذَا مَصْرَعُ فلان، وَهَذَا مَصْرَعُ فلان - إنْ شَاءَ اللّهُ –، فَمَا تَعَدّى أَحَد مِنْهُمْ مَوْضِعَ إشَارَتِهِ[15]. فقال عمر : " فوالذي بعثه بالحق ! ما أخطؤوا الحدود التي حد رسول الله "[ مسلم( 2873 )] .
وأخبر بقتل المسلمين لأمية بن خلف، ولذلك قال سعد بن معاذ لأمية عندما ذهب إلى مكة قبيل بدر : يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله يقول: "إنهم قاتلوك" ففزع لذلك أمية فزعاً شديداً[16] .

ما أعظم القائد الصامد المبشر ! وما أكرمه هو يبث روح الثقة في جنده، وينشر روح التفائل في جيشه، ويصب جوامع الكلم الطيب في القلوب، كالمطر الهاطل على السيول، فيذكرهم بشارة الله لعباده، وجنة الله لأوليائه، والمجاهدون أعظم الأولياء، رفقاء الرسل والأنبياء !
فإذا بالجنود – على أثر تثبيت قائدهم - ؛ قد ثبت الله أقدامهم، وربط الله على قلوبهم، وسدد الله رميتهم، وأثقل بأسهم، وجعل الدائرة لهم.

مهارة التعامل الايجابي في حالة الازمات

   كان من رحمته أن يعيش مع الأزمات وأصحابها .. يأخذ بيد هذا .. ويعالج هذا .. ويصبر على هذه .. ينزع فتيل الأزمة حتى لا تنفجر في الجميع .. فكان على يده نجاة المجتمع بأكلمه من حرب واقفة على الأبواب .. يعلم صلى الله عليه وسلم كيف تكون حالة يعاني الإنسان في أزمته فتعامل بكل كيانه معها يساعد صاحبها ويحنو عليه حتى يخرج مما هو فيه ..
ففي أزمة الحجر الأسود يقول العلامة د . علي جمعة : " كان عليه السلام بفطنته ينهي منازع الخلاف بشكل قاطع, مع حماية المجتمع الإسلامي من آثار الأزمة, بل يعمل على الاستفادة من الموقف الناتج عن الأزمة في الإصلاح والتطوير, واتخاذ إجراءات الوقاية لمنع تكرار الأزمة أو حدوث أزمات مشابهة لها. وإنك لتري آثار هذه الحكمة في تلك المعالجات في السيرة النبوية الشريفة قبل البعثة وبعدها " .
وهنا يقول ابن هشام في سيرته : " أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وكان عائذ أسن قريش كلها ؛ قال : يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا . فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، رضينا ، هذا محمد ؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر ، قال صلى الله عليه وسلم : هلم إلي ثوبا ، فأُتي به ، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده . ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا : حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه هو بيده ، ثم بنى عليه " ..
ويعلق فضيلة العلامة د علي جمعة على ذلك :- " وبهذا التفكير السليم والرأي الصائب حسم صلى الله عليه وسلم الخلاف بين قبائل مكة, وأرضاهم جميعا, وجنب بلده وقومه حربا ضروسا شحذت كل قبيلة فيها أسنتها "
وكم شعر النبي صلى الله عليه وسلم بأصحاب الأزمات وعاش معهم معاناتهم بل وبذل وسعه في إخراجهم من أزماتهم ، وعلى سبيل المثال :
يقول د . راغب السرجاني : " ومن أهم الأزمات التي لا بد لكل بشر أن يقع فيها أزمة المرض " .. ويقول : " كان الرسول إذا سمع بمريض أسرع لعيادته في بيته، مع كثرة همومه ومشاغله، ولم تكن زيارته هذه مُتكلَفة أو اضطرارية، إنما كان يشعر بواجبه ناحية هذا المريض.. كيف لا، وهو الذي جعل زيارة المريض حقًّا من حقوقه؟!... قال رسول الله : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وإتباع الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ" متفق عليه .
وفي حادثة التبول في المسجد التي وقعت أمام خير الورى محمد بن عبد الله ، بال الأعرابي في المسجد ، نعم بال، كارثة ، تخيلتها حقيقة وصعب عليّ تخيلها ، ولكن تراه صلى الله عليه وسلم فاق حد التخيل في رد فعله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد ، فزجره الناس ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى بوله أمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأُهْرِيق عليه .
لقد تجاوز النبى صلى الله عليه وسلم أزمة كادت أن تراق فيه دماء ، ولكنه صلى الله عليه وسلم علم الرجل أمر دينه بكل رفق ولين ..
وهنا يكتب أحد المبدعين : " لقد أبعد عليه الصلاة والســلام الحاجز الضبابي عن عين المخطئ : المخطئ أحياناً لا يشعر أنه مخطئ ، وإذا كان بهذه الحالة وتلك الصفة فمن الصعب أن توجه له لوماً مباشراً وعتاباً قاسياً ، وهو يرى أنه مصيب. إذن لابد أن يشعر أنه مخطئ أولاً حتى يبحث هو عن الصواب؛ لذا لابد أن نزيل الغشاوة عن عينه ليبصر الخطأ،وعندما نعرف كيف يفكر الآخرون ، ومن أي قاعدة ينطلقون ، فنحن بذلك قد عثرنا على نصف الحل. حاول أن تضع نفسك موضع المخطئ ، وفـكــــر من وجهة نظره هو ، وفكر في الخيارات الممكنة التي يمكن أن يتقبلها ، فاختر له ما يناسبه "

تقييم السائل وطالب الحاجة بكل تواضع

كان صلى الله عليه وسلم متوضعا، متخلقا ومتمثلا بقوله تعالى: (( تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ))[17] .
وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة الحر والعبد والغني والفقير ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر، يتواضع للمؤمنين، يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين، ويصل البائس ويواسي المستضعفين ويداعب الأطفال ويمازح الأهل ويكلم الأمة، ويوآكل الناس ويجلس على التراب وينام على الثرى، ويفترش الرمل ويتوسّد الحصير،  ولما رآه رجل ارتجف من هيبته فقال صلى الله عليه وسلم: "هوّن عليك، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة" رواه ابن ماجه.

 
وكان صلى الله عليه وسلم يكره المدح، وينهى عن إطرائه ويقول: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا عبد الله ورسوله" أخرجه البخاري .
فكان أبعد الناس عن الكبر، كيف لا وهو الذي يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.
كيف لا وهو الذي كان يقول صلى الله عليه وسلم: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) رواه أبو يعلى وحسنه الألباني. كيف لا وهو القائل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: (لو أُهدي إليَّ كراعٌ لقبلتُ ولو دُعيت عليه لأجبت) رواه الترمذي وصححه الألباني.
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيب الدعوة ولو إلى خبز الشعير ويقبل الهدية[18].

تنمية الأبعاد العالمية في فكر الأخر.

ان ما يثبت أن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن إقليميا بل كان عالميا  يتجاوز به حدود المكان من خلال رسائله المختلفة إلى ملك مصر والإسكندرية.

فكتب النبي – صلى الله عليه وسلم - إلى جُرَيْج بـن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية، رسالة نصها‏:‏

"بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط.. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبــط، ‏]‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏[‏‏"[19] واختار لحمل هذا الخطاب رجلاً ذو لسان وحكمة هو حاطب بن أبي بَلْتَعَة‏

وجدير بنا أن نذكر كلام حاطب – رضي الله عنه – للمقوقس، فهذه المبعوث كانت تعرف هدفها جيداً كما أنها بلغت حداً من الفقه والحصافة يستحق الإعجاب البالغ.

قال حاطب: إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ..وكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به!

فقال المقوقس‏:‏ إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه‏.‏ ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر‏.‏

وأخذ كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم - فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي:

‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد ‏:‏ فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلام عليك" [20].

ولم يزد على هذا ولم يسلم، فتزوج رسول الله– صلى الله عليه وسلم - مارية، فأنجبت له طفل ـ سماه إبراهيم، أما سيرين، فقد تزوجها الشاعر حسان بن ثابت – رضي الله عنه -

"تلك مُثلٌ لرسائله إلى رجالات النصرانية ومواقفهم منها. وقد ساق النبي كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية يدعونهم إلى الله، ويحدثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى الرشاد.. وقد تفاوتت ردودهم، بين العنف واللطف والإيمان والكفر"[21]

وتابع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حملته العالمية ، فطفق ينتقي أفصح الخطباء والشعراء والدبلوماسيين من أصاحبه، ويبعثهم رسلاً وسفراء إلى الممالك والإمارات والدول والقبائل في أسيا وأفريقيا وأوربا يدعو العالَم المظلم إلى الله:

(1) فبعث دحية بن خليفة الكلبي – وكان أنيقًا وسيمًا ، إلى قيصر ملك الرومان، واسمه هرقل.

(2) وبعث عبد الله بن حذافة السهمي – وكان راسخ الفكر والإيمان متحدثًا بليغًا - إلى كسرى ابرويز بن هرمز، ملك الفرس.

(3) وبعث عمرو بن أمية الضمري – وكان لبقًا ذكيًا-، إلى النجاشي ملك الحبشة، ثم بعثه النبي– صلى الله عليه وسلم – مرة أخرى إلى مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ مدعي النبوة ، برسالة، وَكَتَبَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ آخَرَ مَعَ السّائِبِ بْنِ الْعَوّامِ أَخِي الزّبَيْرِ فَلَمْ يُسْلِمْ .

(4) وبعث - فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ -عمرو بن العاص – داهية العرب -؛ إلى جَيْفَرٍ وَعَبْدِ اللّهِ ابْنَيْ الجُلَنْدَى الْأَزْدِيّيْنِ ، ملكي عمان.

(5) وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة ابن علي، الملك على اليمامة، وإلى ثمامة بن أثال، الحنفيين.

(6) وبعث العلاء بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ.

(7) وبعث شجاع بن وهب الأسدي، من أسد خزيمة، إلى الحارث ابن أبي شمر الغساني، وابن عمه جبلة بن الأيهم، ملكي البلقاء من عمال دمشق للرومان.

(8) وبعث الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ الْمَخْزُومِيّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ الْحِمْيَرِيّ أحد زعماء اليمن، وقال : سأنظر .

(9) وبعث العلامة الفقيه معاذ بن جبل إلى جملة اليمن، داعياً إلى الإسلام، فأسلم جميع ملوكهم، كذى الكلاع وذي ظليم وذي زرود وذي مران وغيرهم.

(10) وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ الْبَجَلِيّ، إلَى ذِي الْكَلاعِ الْحِمْيَرِيّ وَذِي عَمْرٍو يَدْعُوهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَا وَتُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ.

(11) وَبَعَثَ عَيّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيّ برسالة إلَى الْحَارِثِ وَمَسْرُوحٍ وَنُعَيْمٍ بَنِي عَبْدِ كُلَالٍ زعماء من حِمْيَرَ .

(12) وَبَعَثَ إلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيّ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ .وكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِقَيْصَرَ بِمَعَانَ فَأَسْلَمَ وَكَتَبَ إلَى النّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – بِإِسْلَامِهِ وَبَعَثَ إلَيْهِ هَدِيّةً مَعَ مَسْعُودِ بْنِ سَعْدٍ وَهِيَ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَبَعَثَ أَثْوَابًا وَقَبَاءً مِنْ سُنْدُسٍ مُخَوّصٍ بِالذّهَبِ فَقَبِلَ – صلى الله عليه وسلم – هَدِيّتَهُ وَوَهَبَ لِمَسْعُودِ بْنِ سَعْدٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنِشًا[22]

وهكذا، أحدث الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذه الحركة العالمية لتوصيل رسالة الإسلام وترسيخ قيمة عالمية هذا الدين في نفوس أبناء الأمة إلى يوم القيامة.. وتواصَلَ مع قيادات ورموز العالم آن ذاك..

  ومن مقومات العالمية حسب الأستاذ احمد الريسوني[23] ، أن الإسلام هو وارث الأديان  فالقرآن جمع كل الكتب وصدقها بما احتوت، و ادمج ما فيها في رسالته، فصارت القيم العالمية والمعتقدات العالمية التي تصلح للبشرية،  كالعدل والقسط والمساواة، فهذه القيم جميعها ورثها الإسلام[24] مثال على ذلك أجمعت كل الملل والنحل على الضرورات الخمس وهي حفظ الدين ، والنفس، والعقل، والمال، والنسل.

يمثل الفكر الإسلامي قمة التسامح فقد أمر الله رسوله والمسلمين بالتسامح مع أهل الكتاب أمرهم وأمرهم أيضا بالعفو والصفح عن إساءاتهم، كما قال تعالى: {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ}([25]). والعفو: التسامح في عقوبة الذنب، والصفح: الإعراض عن اللوم وتركه، وهما درجتان رفيعتان من التسامح ويحث الله عليهما في القرآن مرارا وتكرارا، وكان الرسول  مثلا رفيعا للتسامح. وكان يقابل الاذى برفع يده إلى ربه  قائلا: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([26]).

وفي غزوة أُحُد جرح في وجهه وكسرت رباعيته (السن بين الثنية والناب) اليمنى السفلى بحجر وهشمت الخوذة على رأسه الشريف ، ولم يؤاخذ أحدا ، بل سامحهم وعفا عنهم، ورد إليهم حرياتهم، وقال: «من دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»([27]). وهكذا لم يبق في مكة قرشي - عادى رسول الله وحاربه - إلا سامحه بمجرد إعلانه لإسلامه وعفا عنه، وقال لأهلها جميعا «اذهبوا فأنتم الطلقاء»([28]).

وأما عن أدلة عالمية الإسلام من السنة النبوية فحسبك حديث " أعطيت خمسًا".

فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال :

"أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرض مَسْجِدًا وَطَهُورًا- فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاة فَلْيُصَلِّ-، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ - وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي - ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً " [ البخاري: 323]

ولقد كان مبدأ ( عالمية الإسلام ) واضحًا جليًا في أذهان المسلمين الأوائل، أيام مكة، وكانت نصوص العالمية بينة في القرآن المكي، وكان منها قول الحق تبارك وتعالى في سورة الأعراف – المكية - : "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً" [158] .

ومن ثم شرع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في غرس هذا المبدأ في نفوس أتباع الدعوة في كثير من المشاهد. ومن هذه المشاهد التي دلت على أصالة هذه القيمة – حديث خباب بن الأرث عن يوم من أيام الإضهاد في مكة، حيث قال: " شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلإ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ! أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ! فقَالَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ؛ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ ! لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ " [ البخاري : 3343 ]

فلا تمام لهذا الدين، إلا بالعالمية، حين يمتد الإسلام شرقًا وغربًا، فيأمن الغريب والمسافر من صنعاء إلى حضرموت .. لا يخاف لصًا ولا قاطعًا، حيث بسط الإسلامُ الأمنَ في ربوع العالم .

وتأمل قول رسول الله : "مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ " .. إن رسول الله في مكة حينما حدّث بهذا الخبر، وكان من الأولى – في زعم البعض – أن يقول – على سبيل المثل – "من مكة إلى الطائف" ! والحق أن رسول الله يتحدث بهذا الحديث وهو لا يفرق بين أرض وأرض، فكل الأرض بساط للإسلام، وأن الإسلام سينشر سلمه وأمنه بين صنعاء وحضرموت، وسينشر سلمة وأمنه بين مكة والطائف، وسينشر سلمه وأمنه بين القاهرة والقدس، وسينشر سلمه وأمنه بين المدينة المنورة وواشنطن "[29].

يمثل الفكر الإسلامي قمة التسامح فقد أمر الله رسوله والمسلمين بالتسامح مع أهل الكتاب  وأمرهم أيضا بالعفو والصفح عن إساءاتهم، كما قال تعالى: {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ}([30]). والعفو: التسامح في عقوبة الذنب، والصفح: الإعراض عن اللوم وتركه، وهما درجتان رفيعتان من التسامح ويحث الله عليهما في القرآن مرارا وتكرارا، وكان الرسول  مثلا رفيعا للتسامح. وكان يقابل الاذى برفع يده إلى ربه  قائلا: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([31]).

اعتقاد المسلم بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان؛ وفي ذلك يقول الله تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}([32])، وفي هذا روى البخاري عن جابر أن النبي  مرّ على جنازة، فقام لها واقفا، فقالوا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: «أليست نَفْسًا»([33]).

وفي غزوة أُحُد جرح في وجهه وكسرت رباعيته (السن بين الثنية والناب) اليمنى السفلى بحجر وهشمت الخوذة على رأسه الشريف ، ولم يؤاخذ أحدا ، بل سامحهم وعفا عنهم، ورد إليهم حرياتهم، وقال: «من دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»([34]). وهكذا لم يبق في مكة قرشي - عادى رسول الله وحاربه - إلا سامحه بمجرد إعلانه لإسلامه وعفا عنه، وقال لأهلها جميعا «اذهبوا فأنتم الطلقاء»([35]).

    فالمجتمع الإسلامي إذن مجتمع عالمي، بمعنى أنه مجتمع غير عنصري ولا قومي، ولا هو قائم على الحدود الجغرافية، فهو مجتمع مفتوح لجميع بني الإنسان، دون النظر إلى جنس أو لون أو لغة، بل دون النظر إلى دين أو عقيدة. وضرب الله للمسلمين أعظم مثل للتسامح في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}([36]). والله يسوي في الآية بين المؤمنين واليهود والنصارى من أهل الكتب السماوية. فأي تسامح أعظم من هذا التسامح مع هؤلاء إذا آمنوا بربهم وبالبعث وعملوا عملا صالحا لهم ولمجتمعهم، والله بذلك يلغي التعصب للديانات، ويريد من المسلمين التسامح مع من يخالفهم في الدين حتى لو كان من المشركين.

وأكثر من ذلك أن الله - سبحانه وتعالى- يطلب من المسلمين أن يتسامحوا مع من كان يؤذيهم من كفار مكة الجبابرة العتاة قائلا في سورة الجاثية: {قُل} يا محمد {لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ}([37])، وهذه الآية نزلت في نفر من أصحاب الرسول الكريم أصابهم أذى شديد من كفار مكة الذين لا يرجون جزاء الله، فشكوا ذلك إلى رسول الله الكريم، فأمرهم الله أن يتجاوزوا عن ذلك ويغفروا لهم أذاهم، معتصمين بالصبر، كما قال الله في سورة آل عمران: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}، أي: من اليهود والنصارى {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}([38])، إذ الصبر حقا مفتاح الفرج ، ويمتدح الله المؤمنين ممن يقدمون الطعام - مع حبهم لله - إلى المساكين واليتامى وأيضا للأسرى في سورة الإنسان قائلا: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}([39])، وكان أسراهم حينئذ من المشركين ، وكان كثير منهم يؤذي المسلمين قبل هجرتهم إلى المدينة، ومع ذلك أمر الرسول الكريم المسلمين أن يكرموهم، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الطعام، وهو تسامح عظيم ومعاملة كريمة قل نظيرهما وندر وقوعهما، ويقول سبحانه للمسلمين: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([40])، والله لا ينهى عن حسن المعاملة للمشركين الذين لم يشتركوا في قتال المسلمين ولا دفعوهم إلى الخروج من مكة. وقد صار هذا البر لغير المسلمين سواء أكانوا من أهل الكتاب أو كانوا من المجوس وأمثالهم في آسيا وأفريقيا، والله - عز وجل - بذلك قد وضع للمسلمين قواعد مثلى في تسامحهم مع كل الديانات، ومع كل الأقوام ومع كل الأجناس والأعراق والألوان.

من نتائج هذا البحث إن السنة النبوية كانت :

·       ملهمة للإبداع.

·       مولدة لكثير من المهارات

·       منمية للتفكير وطرقه ومنهجيته.

·       باعثة لروح الإبداع، والابتكار .

·       معززة الثقة في القيادة عند الاخر وبث الثقة فيه.

·       منمية مهارة حل الازمات و التعامل الايجابي معها.

·       مصححة للمفاهيم والتصورات الخاطئة.

·       منمية الأبعاد العالمية في فكر الأخر.

 

نسأل الله بمنِّه وكرَمِه أن يُلهِمنا رُشدَنا، ويُعلمنا ما يَنفعنا، ويَنفعنا بما علَّمنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

مصادر البحث ومراجعه

·       (أبو بكر البيهقي) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى ، المحقق:د. عبد المعطي قلعجي الناشر:دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث الطبعة:الأولى - 1408 هـ - 1988 م

·       (أبو بكر البيهقي) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، السنن الكبرى الناشر : مكتبة دار الباز - مكة المكرمة، 1414 – 1994 . تحقيق : محمد عبد القادرعطا، عدد الأجزاء :10

·       (البخاري)، صحيح الإمام البخاري ، كتاب التفسير،المحقق : محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر : دار طوق النجاة، الطبعة : الأولى 1422هـ.

·       (الطبراني) سليمان بن أحمد أبو القاسم- معجم الطبراني الكبير-الناشر : مكتبة العلوم والحكم – الموصل  تحقيقحمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية ، 1404 – 1983 ، عدد الأجزاء : 20

·       (الغزالي) ، فقه السيرة المحقق: محمد ناصر الدين الألباني الناشر: دار الكتب الحديثة; سنة النشر: 1965

·       (الواقدي) محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله- المغازي، تحقيق:مارسدن جونس الناشر:دار الأعلمي- بيروت الطبعة:الثالثة- 1409/ 1989.عدد الأجزاء:3

·       (ابن القيم الجوزية) زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الرابعة عشر ، 1407 – 1986، عدد الأجزاء : 5

·       (مسلم بن الحجاج) ، صحيح الإمام مسلم . ط دار إحياء الكتب العربية، ط 1/ 1374-1955م، القاهرة.(ابن هشام) أبو محمد عبد الملك بن أيوب الحميري البصري،-  مختصر السيرة النبوية،دار الصحابة للتراث بطنطا.

·       (مسلم بن الحجاج) ، صحيح الإمام مسلم: دار إحياء التراث العربي – بيروت .تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي عددالأجزاء : 5

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش



[1]- سورة المائدة، الآية 48

[2]- يؤسفنا أن فريضة الشورى-تبقى غائبة عن كثير من المسلمين، حكامًا ومحكومين، ويجليه الاستبداد الضَيَّقٌ الذي يمارس عندنا في كثير من الدول وهو ما يولد جورا وظلما .

[3]- انظر[ابن هشام 2 / 224]

[4]- انظر[ الطبراني في الكبير 4 / 210 ]

[5]- انظر [ابن هشام - 1 / 620]. وانظر: "دلائل النبوة"،[للبيهقي 3: 35] و"السيرة النبوية وأخبار الخلفاء"،[ لابن حبان 1: 166].

[6]- انظر  [ السهيلي 3 / 57]

[7]- . انظر: "مغازي الواقدي" (2: 644).

[8]- مغازي الواقدي" (3: 926).

[9]- [سورة النحل:12] .

[10]- سورة فصلت :الاية 53.  

[11]- 2/10 2

[12]- انظر [ السهيلي 3 / 57] ..

[13]- انظر [ مجموعة الرسائل 283]..

[14]- انظر [ السهيلي 3 / 57]

[15]- انظر [ابن القيم : زاد المعاد 3 / 15]

[16]- انظر [ البيهقي : دلائل النبوة : 21].

[17]- [سورة القصص الاية 83 ].

[18]- وتوضيحاً لهذه السياسة النبوية: فإن المجتمع الإنساني آنذاك وهو يشاهد هذا الدين الجديد وهذه الدولة الوليدة على أساسه وتشريعاته فإنهم يرمقون اتجاهات قائدها ويراقبون قراراتها، إلى الحد الذي سبروا معه تاريخ هذا القائد منذ مولده وطبيعة تعاملاته وأخلاقه، بل وتاريخ أجداده، كما جاء في الحوار الشهير بين اثنين من أكبر قادة وساسة ذلك العصر وهما القائد القرشي أبو سفيان والملك الرومي هرقل.

[19]  [البيهقي : دلائل النبوة، ج 5، ص 4]

[20][البيهقي : دلائل النبوة، ج 5، ص 4]

[21]محمد الغزالي : فقه السيرة، ص 274]

[22][انظر هذه البعوث في : ابن هشام 4/ 25،وابن سعد 1 / 2].

[23] أستاذ بجامعة الرباط

[24] عبد الصمد ناصر" عالمية الإسلام"  حصة تلفزيونية : الشريعة والحياة – ضيف الحلقة :احمد الريسوني- قناة الجزيرة الفضائية  بتاريخ 7 -8 – 2005.

([25]) - البقرة: 109.

([26]) البخاري 3/182، ح (3290)، كتاب التفسير، باب: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم}.

([27]) مسلم 3/1406، ح(1980)، كتاب الجهاد، باب فتح مكة. ط دار إحياء الكتب العربية، ط 1/ 1374-1955م، القاهرة.

([28]) - السنن الكبرى للبيهقي، 9/118، ح (18055)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن - الهند، 1356 هـ، الطبعة الأولى.

[29]  محمد مسعد ياقوت "عالمية الإسلام .. دروس وعبر" www.islammessage.com/articles

([30]) - البقرة: 109.

([31]) البخاري 3/182، ح (3290)، كتاب التفسير، باب: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم}.

([32]) - سورة الإسراء: 70.

([33]) - أخرجه البخاري 2/107، كتاب الجنائز: 50 - باب من قام لجنازة يهودي، ح (1311، 1312)، ومسلم 2/661، كتاب الجنائز: 24، باب القيام للجنازة 81، ح (961).

([34]) مسلم 3/1406، ح(1980)، كتاب الجهاد، باب فتح مكة. ط دار إحياء الكتب العربية، ط 1/ 1374-1955م، القاهرة.

([35]) - السنن الكبرى للبيهقي، 9/118، ح (18055)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن - الهند، 1356 هـ، الطبعة الأولى.

([36]) - سورة البقرة: 62.

([37]) - سورة الجاثية: 14.

([38]) - سورة آل عمران: 186.

([39]) - سورة الإنسان: 8.

([40]) - سورة الممتحنة: 8.

Supporters of the african journal of political sciences


 

HTML5 Icon

 

  رئيس تحرير القسم العربي :الأستاذة براك صورية

contact:    arabic@maspolitiques.com

Maspolitiques.com website reputation

مدير التحرير:الأستاذ بشير شايب

contact:    info@maspolitiques.com

Copyright 2017  AJPS