السياسات الأمنية الإيرانية و الشرق الأوسط الجديد

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

 السياسات الأمنية الإيرانية و الشرق الأوسط الجديد

مقدمة

تعد المنطقة العربية وخاصة منطقة الشرق الأوسط، أكثر المناطق عرضة للاضطرابات وعدم الاستقرار، بحكم أهميتها فى السياسة الدولية بالإضافة إلى أهميتها الاستراتيجية والجيواستراتيجية. وتحتل منطقة الخليج العربي مكانة بارزة في الدراسات الإستراتيجية خلال الحقب السابقة والحالية. و تشكل إيران دولة رئيسة فى معادلة توازن القوى بمنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، ومنطقة الخليج العربى بصفة خاصة، و ذلك نظرا لما تتمتع به من إمكانات القوى الشاملة للدولة. كما تمثل إيران قوة إقليمية لها ثقلها وتأثيرها بالمنطقة، فى ضوء ما تمتلكه من قوى شاملة الأبعاد (الكتلة الحيوية - القدرة الاقتصادية - القدرة العسكرية - القدرة السياسية - القدرة الإعلامية)، وسعيها لاستثمار موقعها الإستراتيجى ومكانتها التاريخية والحضارية، والإمكانات الإقتصادية المتاحة (تُعد ثالث إحتياطى للنفط فى العالم بعد المملكة العربية السعودية وكندا، وثانى إحتياطى عالمى من الغاز الطبيعى بعد روسيا )، وتوظيف كل هذه القوى لدعم القدرات الأخرى خاصة السياسية والعسكرية.

و لا يمكننا الحديث عن السياسة الإيرانية دون ذكر الملف النووي الإيراني الذي يعتبر اعقد ملف تم التعامل معه من طرف المجتمع الدولي ككل و الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل خاص ، حيث  يُعد التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر فتح منشآتها النووية لعمليات التفتيش الدورية التي تقوم بها الوكالة، أحد أهم التأثيرات الإيجابية على السياسة الإيرانية حتى الآن، مما دفع العديد من الدول سواء العربية أم الغربية إلى انتهاج سياسات متباينة و مواقف مختلفة من السياسة الإيرانية كل حسب رؤيته و توجهاته الخاصة ، و نخص بالذكر هنا الدول الخليجية التي تكاد تعتبر إيران العدو الأول بل الأوحد لها متناسية الخطر الإسرائيلي الذي تضاءل الحديث عنه منذ أضحى الملف النووي الإيراني يحتل المكانة الأولى في المحادثات العربية العربية، العربية الغربية ، أو حتى الغربية الغربية ، " و لعل هذا يعتبر أهم حدث خدم التوجهات و السياسات الإسرائيلية التي تعتبر المستفيد الوحيد من التجاذبات العربية الإيرانية".

من خلال هذا تتبادر إلى أذهاننا العديد من التساؤلات حول موضوع الأمن الإيراني في ظل العلاقات الإيرانية العربية و علاقتها بالتطورات الدولية التي يشهدها العالم بصفة عامة و الحراك السياسي الذي تشهده معظم دول الشرق الأوسط و الدول المجاورة لها.لكن التساؤل الأهم الذي يخص نظرية الأمن الإيرانية في ظل تطور العلاقات الغربية الشرق أوسطية هو " من يتحكم في السياسة الخارجية الإيرانية و توجهاتها الإيديولوجية؟ هل هي الحوزة الإسلامية المتمثلة في المرشد و من حوله ؟ أم التداعيات الدولية و الإقليمية الراهنة و المستقبلية؟. و ماهي السيناريوهات المحتملة للخروج من هذه الأزمة؟

 و للإجابة على هذه التساؤلات سوف نركز على ثلاث محاور رئيسية تتمثل في دراسة الموقع الجغرافي لإيران و مدى التجاذبات الدولية و حتى الإقليمية بسبب هذا الموقع ، بالإضافة إلى تحليل النظام السياسي الإيراني نظرا للأهمية البالغة التي تعتريه خاصة فيما يخص السياسة الخارجية، دون إغفال الملف النووي الإيراني و ما خلقه من لغط دولي .

1 / موقع الجوار الجغرافي:

           يترك موقع الجوار الجغرافي آثارا على العلاقات  بين الدول المتجاورة ،سواء في وقت السلم أوفي الحرب ويمكن القول بصورة عامة تزداد احتمالية ظهور المشاكل كلما زاد عدد الدول المتجاورة 

    تحد إيران من جهة الشمال جمهوريات آسيا الوسطى ـ أذربيجان ، وأرمينيا وتركمانستان ـ إذ يبلغ طول حدودها (1740 كم )من مجموع حدود إيران البرية البالغة (5204كم) وبنسبة (33.43%) ، ويحدها من الشمال الغربي تركيا ويبلغ طول الحدود معـها (470 كـم )و بنسـبة ( 9.0%)، أما من الغرب فيحاد دها العراق وبحدود طولها(1280كم)وبنسبة (24.59 %) في حين تحده من الشرق أفغانستان و باكستان بطول  (837كم) و(877كم)وبنســــبة (16.08%)و (16.85%)لكل منهما على الترتيب.[1]                                    

         إن الحدود بين إيران ودول  جوارها غير مستقرة وتتحكم فيها عوامل تاريخية أكثر من كونها موضوعية ، فهي تعاني من عدة مشاكل حدودية أبرزها ادعاء إيران بتبعية جزر البحرين لها واعتراض إيران على تمثيل البحرين في أي مؤتمر أو هيأة  ذات طابع دولي على الرغم من تنازل الشاه عنها عام (1970) بعد الاستفتاء الذي أجري في البحرين و احتلال جزر طنب الكبرى و الصغرى وأبو موسى  وهناك عدة مشاكل حدودية مع العراق أبرزها مشكلة شط العرب،  و هناك اختلاف في وجهات النظر حول مياه ومنطقة بحر قزويـن بين إيران وروسيا إذ كانا يقتسمان مياه ومنطقة بحر قزوين المقابلة لهما مناصفة (قبل تفكك الاتحاد السوفيتي ) ،أما بعد تفككه احتفظت إيران بنسبة (50%فيها ) بينما رأت إيران أن على روسيا أن تعطي الجمهوريات الوسطى المستقلة عنها جزءا من حصتها التي تبلغ (50%)لا من  حصة إيران ،فضلا عن أن هناك مشاكل حدودية بين إيران وأذربيجان التي تدعمها الولايات المتحدة على منطقة بحر قزوين  .

   ومن هذا يتضح أن هذه المشاكل الحدودية من شأنها  أن تضعف من قوة إيران ما لم تحل بحيث تكون موضع الرضا الكامل بالنسبة للدول المجاورة ،  لاسيما وان هذه النزاعات يمكن أن تثيرها أطراف لها غايات و أطماع ومن ثم إدخال إيران في مشاكل هو في غنى عنها.[2]

2/ الموقع الاستراتيجي (الجيوبولوتيكي)

        تمتلك إيران موقعا" جغرافيا" مهما" عبر مختلف الأزمنة التاريخية ،إذ أنها تمثل حلقة الوصل بين الشرق والغرب وبمثابة ممر طبيعي للتجارة العالمية بين  الشرق الأقصى وحوض البحر المتوسط ،لذلك أطلق عليها بمفتاح الشرق ،وقد ساعد ذلك على إتاحة الفرصة أمامها للإتصال بمختلف الدول لأنها الطريق الحيوي في الاستيراد والتصدير بين الشرق والغرب ،لكن هذه القيمة سرعان ما تضاءلت ولاسيما بعد افتتاح قناة السويس عام(1869 )[3] ،مما حذى بإيران  على زيادة توجهها صوب الخليج العربي  (4)،الذي يتمتع بأهمية اقتصادية واستراتيجية تتزايد يوما" بعد يوم في خريطة الاهتمامات الدولية وهذا ما عبر عنه بعض الكتاب صراحــة (( لو كان العالم دائرة سطحية وكان المرء يبحث عن مركزها ،لكان هناك سبب جيد للقول بان المركز هو الخليج العربي،فما من مكان مثله في العالم تتلاقى فيه المصالح  الكونية وما من نقطة مثله مركزية  بالنسبة لاستمرار صحة اقتصاد العالم واستقـراره   ))[4].ويحتل موقع إيران الجغرافي  أهمية كبيرة لدى  واضعي  النظريات الإستراتيجية ،إذ انه يقع ضمن  نظريه (النطاق  الأرضي ) لسبايك مان التي مفادها من يحكم سيطرته على منطقة الأطراف-المناطق الساحلية – يحكم أوراسيا و من يحكم أوراسيا يتحكم بأقدار العالم[5] وتقع إيران ضمن منطقه الهلال الداخلي في نظرية (قلب الأرض )التي وضعها هالفورد ماكندر والتي تتلخص بأن من يسيطر على منطقة الهلال الداخلي يسيطر على  قلب الأرض[6]. ويقع جزء من إيران ضمن المنطقة الإستراتيجية التي حددها فيرجريف والتي اسماها منطقة التصادم والارتطام.لقد  اسهم  وجود واستخراج النفط عام (1908) في تعزيز مكانة إيران السياسية ،إذ يبلغ احتياطيها النفطي لعام 2000 (  89.7مليار برميل  )[7] ،ويضاف إلى ذلك وقوعها بين منطقتين غنيتين بالنفط تتمثل الأولى _وهي غربا"ـ بالخليج العربي الذي يكتسب أهمية كبيرة  لاحتوائه على اكبر احتياطي نفطي فــي العالم ( 643مليار برميل ) ،والثانية شمالا"تتمثل ببحر قزوين الذي  يحظى بأهمية اقتصادية بحيث وصفته بأنه خليج عربي ثاني،إذ يبلغ الاحتـياطي النفطي فيــها (8 - 16مليار برميل) ولنفس العام.

     وقد اكتسب موقع إيران أهمية كبيرة بسبب إطلالته وإشرافه على مضيق هرمز وسيطرته على بعض الجزر الموجودة فيه ،إذ يعد هذا المضيق من أهم المعابر المائية عالميا"إذ يعبر خلاله يوميا" أكثر من 100سفينة أي بمعدل سفينة واحدة كل 15 دقيقة [8]، مما أدى إلى ازدياد أهمية إيران لاسيما وأنها قوة تشرف وتسيطر على المضيق والجزر الواقعة فيه وهذا يزيد من أهمية إيران الإستراتيجية  ،لان القوة التي تشرف وتسيطر على هذا المضيق تستطيع أن تتحكم  في الحياة السياسية والعسكرية والتجارية الداخلة والخارجة من الخليج العربي.

2/ مراحل قيام الجمهورية الإسلامية:

      لقد توالت على إيران أنظمة و حكومات عديدة كان من أهمها دولة الساسانيين التي كانت نهايتها على أيدي العرب المسلمين أثناء الفتح الإسلامي، و بعد ضعف الدولة الإسلامية ظهرت في إيران دول عديدة كان أهمها الدولة الصفوية التي قامت عام 1501 بقيادة إسماعيل الصفوي الذي أبدل مذهب الدولة إلى المذهب الشيعي الجعفري الاثني عشري. ثم الدولة الأخشارية (و كان أهم قادتها نادر شاه) 1722 - 1737 ، ثم دولة القاجاريين عام 1795 و بعدها الأسرة البهلوية و كان آخر ملوكها محمد رضا شاه (الذي تولى الحكم في 26 سبتمبر 1941)، حتى قيام النظام الجمهوري الإسلامي عام 1979 الذي الذي مر بأربع مراحل فشلت ثلاث منها و استعادت الحكومة المركزية في طهران سيطرتها على الموقف و نجحت واحدة و هي المرحلة الأخيرة.[9]

المرحلـة الأولى:

مثلها ميرز أكوتشاك خان (1880-1921) في جيلان و هو مناضل و ثائر وزعيم إسلامي قاد حركة فدائيين "مشتهد" ضد الاستعمار و الاستبداد الداخلي و كانت حركة وطنية قومية دينية محلية تهدف إلى إقامة نظام جمهوري في إيران مع المحافظة على وحدة أراضيها.[10]

 

 

المرحلـة الثانية:

هي مرحلة الحركات الإنفصالية و المطالبة بالحكم الذاتي نتيجة لتشجيع كل من الروس والبريطانيين – كل في منطقة نفوذه- للإتجاهات الإنفصالية و السياسية المناهضة للحكومة المركزية في طهران (أذربيجان، جيلان، كردستان، مازندران، خراسان، طبرستان، وخوزستان)[11]

المرحلـة الثالثة:

        و هي مرحلة ما يسمى بالرغبة في تحقيق أهداف شخصية و تميزت بالصراع بين الجمهورية و الملكية في إيران : يمثل هذه المرحلة "رضا خان" (1925-1941) الذي تبدأ صلته بالجمهورية من خلال طموحه في الجلوس على عرش إيران و أراد تهيئة الرأي العام لذلك فتبنى فكرة إقامة نظام جمهوري في إيران على غرار ما حدث في تركيا (لكن البعض يرى أن رضا خان تبنى فكرة إقامة نظام جمهوري في إيران ليتمكن من إزاحة الدولة القاجرية) حيث شن حملة واسعة النطاق رعى فيها إلى تغيير نظام الحكم في إيران، و إعلان الجمهورية برئاسته. و انقسمت إيران بين مؤيد للجمهورية و معارض لها مما أدى إلى حدوث حالة ثورة في البلاد و حدوث سلسلة من الاحتجاجات بقيادة رجال الدين مما دفع برضا خان إلى الاستقالة من منصبه الذي عاد إليه مرة أخرى بعد مناورات سياسية عديدة و انتهت بذلك أزمة الجمهورية في هذه المرحلة. ما نتج عن هذه المرحلة هو زلزلة عرش أحمد شاه و إضعافه حيث تم خلعه من الملكية بشكل غير قانوني بوقت قصير.[12]

4- المرحلـة الرابعة:

عرفت إيران مرحلة انتقالية إبتداءا من 1976-1977 إذ برزت على الساحة إستراتيجيتين متناقضتين:

  1. الإستراتيجية الأولى:تتعلق بآية الله الخميني الذي يناضل منذ عدة سنوات للإطاحة بالنظام الملكي انطلاقا من مكان إقامته (النجف) العراق حيث أصبح لاجئا فيهما منذ 1964 ثم بفرنسا 1978 مع مساندة الشعب في مجمل التيارات الأخرى رغم تباينها للإطاحة بالحكم البهلوي.[13]

  2. الإستراتيجية الثانية: يقودها الشاه الذي يستند على الجيش و الولايات المتحدة للحفاظ عل نظام حكمه.

وعلى الرغم من السياسات القمعية التي لجأ إليها الشاه لإيقاف تصاعد الاضطرابات إلا أنه ارتكب أخطاء مع الإدارة الأمريكية حين قلل من شأن قوة التنظيم في الحركة الدينية الإسلامية و عمق الغضب [14]الجماهيري غذ اعتبر أن بعض التغيرات أو الإصلاحات قد تعيد الهدوء و الاستقرار للبلاد بعكس المتدينين الذين كانوا على اقتناع بأن الأمة تمر بأزمة مجتمعية و حضارية صعبة لا يمكن حلها إلا بإطاحة نظام الحكم و استبداله بجمهورية إسلامية.

و بدأت ملامح التغيير تبرز في أواخر 1976 و بداية 1977 حيث تفطن النظام بأنه على الرغم من تضاعف عائدات البترول منذ 3 سنوات سابقة إلا أنها لم تحد من تفاقم الأفراد، فضلا عن الإجراءات التي اتخذها الشاه كتقليص النفقات العسكرية و محاولة إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية.

إلا أن الطريقة التي حاول أن يعالج بها الأوضاع لا تعترف بالمشاكل الاجتماعية والتي تعتبر مهمة و حساسة بالنسبة للطبقة المثقفة و رجال الدين.

مع تصاعد الأحداث ثم الإعلان عن الأحكام العرفية لمدة ستة أشهر في 12 مدينة. وقد اتخذ هذا القرار عندما عمت التظاهرات المدن الكبرى كطهران و تبريز و قم و أصفهان و الأهواز و عبدان و مشهد و شيراز و قزوين و خراج.[15]

إلا أن هذه الأحكام العرفية لم تنقص من عزيمة المتظاهرين في مواصلة المظاهرات بحيث أدى بالجيش إلى التدخل و قمع الجماهير المتظاهرة و كانت الإصطدامات أمام البرلمان حيث تحولت الساحة إلى ساحة الشهداء و سمي يوم الجمعة بيوم الجمعة الأسود. نظرا للأحداث التي جرت فيه لتكون بداية نهاية الحكم البهلوي.

تحت الضغط الشعبي و بمساندة من المخابرات الأمريكية يغادر الشاه البلاد في جانفي 1979 و يعود آية الله الخميني ليضع أسس الجمهورية الإسلامية و ينهي حكم الأسرة البهلوية و يشكل سلطة شرعية و يقيم نظاما إسلاميا خالصا.

و لتنفيذ سياسته عين حكومة مؤقتة تحت رئاسة "مهدي بازرخان" في 05 فيفري 1979 و كلفه بإجراء استفتاء شعبي للرأي العام حول تغيير نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية.[16])

و قد بدأت دعوة آية الله الخميني لإقامة جمهورية إسلامية في إيران بعدما استقرت أوضاع المؤسسة الدينية من الناحية التنظيمية (علما أن هذه المؤسسات عانت فراغا سياسيا بسبب سياسة الاضطهاد و القمع المتبعة من قبل الشاه و المؤسسة العسكرية الموالية له).

2/ النظام السياسي الإيراني:

يتميز النظام السياسي الإيراني عن سائر النظم السياسية العالمية بميزة دستورية فريدة، و هي وجود مؤسسة  "الولي الفقيه "المرشد الأعلى" أو "الرهبر" تتربع قمة هرم السلطة و يخولها الدستور الإيراني صلاحيات واسعة.

1- الولي الفقيه:

"الولي الفقيه" أو "المرشد الأعلى" هما لفظا مترادفات مرتبطان بالنظرية السياسية الدينية التي أشار إليها الإمام الخميني و هي "ولاية الفقيه" إذ نشأت هذه النظرية على يد الشيخ "أحمد النقراني" مؤلف كتاب عوائد الأيام في أصول الفقه،و طبقها الإمام الخميني في سنة 1979 لأول مرة.[17]

* صلاحياته: يعين الدستور المرشد الأعلى و يخوله. 

1. تعيين و عزل نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور البالغ عددهم 12 .

2. تعيين رئيس السلطة التنفيذي.

3. تعيين رئيس المؤسسة الإذاعة و التلفزيون.

4. رئيس القائد الأعلى لقوات الحرس الثوري.

5. تعيين رئيس القيادات العليا للقوات المسلحة.

2/ رئيس الجمهورية (الرئاسة):

        عرفها الدستور بأنها أعلى سلطة في البلاد يعد القيادة تحدث عنها الدستور في المادة 20 مادة إن ينتخب الرئيس من قبل الشعب لـ 4 سنوات و يحق له تولي الرئاسة بشكل متتال مرتين فقط.

* صلاحياته:

* ينقد الدستور، يرأس السلطة التنفيذية ما عدا في المجالات التي ترتبط مباشرة بالقيادة.[18]

* اختبار وزراء الحكومة، و أعضاء مجلس الشورى، و له الحق في إقالتهم.

* المصادقة على القوانين و تطبيقها بعد المصادقة عليها من مجلس الشورى.

* المصادقة على الاتفاقيات و المعاهدات و العقود بعد مجلس الشورى.

* له بعض الصلاحيات المعتاد عليها، المصادفة على الميزانية، منح الأوسمة ... الخ. 

  4/ إيران و الشرق الأوسط الجديد : 

  وقد جعلت هذه المعطيات التي يتمتع بها موقع إيران الجغرافي يحظى بأهمية كبيرة بالنسبة للدول الكبرى فقد تم تقسيم إيران عام ( 1907) على ثلاث مناطق الأولى منطقة نفوذ بريطانية في الجنوب والثانية منطقة وسطى في الوسط تبقى كمنطقة عازلة والثالثة منطقة نفوذ روسية في الشمال  و كانت غاية بريطانية الأساسية جعل إيران دولة عازلة تحول دون وصول روسيا إلى المحيط   الهندي والخليج العربي لما لهما من أهميه في الإستراتيجية  الروسية[19] ، يضاف إلى ذ لك إن الأخيرة تدرك أهميه موقع إيران الجغرافي ورغبتها في الحصول على النفط الإيراني الموجود في شماله وعلى آثر انسحاب بريطانيا من شرق السويس عام 1971 بدأت الولايات المتحدة تفكر في ملء الفراغ الناشئ من جراء ذلك آلا  أن المصالح الأمريكية والبريطانية تعانقت في جعل إيران دوله عازلة بين الاتحاد السوفيتي والمصالح الأمريكية في المنطقة .

       وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور القطبية الثنائية المتمثلة بالولايات المتحدة والاتحـاد السوفيتي أصبح موقع إيران محل اهتمام القوى الكبرى فهو يمثل ـ موقع إيران ـ غاية الأهمية لدى صناع القرار الاتحاد السوفيتي لكون إيران هي إحدى الدول التي تجاور الاتحاد السوفيتي برا وتعزله عن المحيط  الهندي والخليج العربي بحرا وقد جاء هذا من إطلالة الاتحــاد السوفيتي على بحار بعضها أما غير صالح أو أنها مغلقة وقد دفع هذا الواقع البحري إلى حاجة الاتحاد السوفيتي لكسر الحصار الجغرافي الطبيعي ومن هنا كان التقرب المستمر من المياه الدافئة هي إحدى سمات الحركة الإستراتيجية[20] ،هذا أولا وشعور الاتحاد السوفيتي  بان إيران هي المكان الطبيعي  للانتشار والتوسع لمنع القوى البحرية المعادية من فرض سيطرتها عليه والحد من احتمالات استخدام القوة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية المتمركزة في المحيط الهندي ثانيا وإطلالة السواحل الإيرانية على مضيق هرمز والخليج العربي وتأثير هذه الإطلالة في حركة نقل النفط من مناطق الفيض الإنتاجي في الخليج العربي إلى مناطق العجز أو شبه العجز في الدول المتقدمة صناعيا وفي نقل البضائع المصنعة من مناطق الفيض في الدول المتقدمة إلى منطق العجز في منطقة الخليج ثالثا والعامل الاقتصادي المتمثل في رغبة الاتحاد السوفيتي في الحصول على نفط إيران وذلك لقربه من مناطق الإنتاج في آسيا الوسطى رابعا[21]،ولخوف الاتحاد السوفيتي من تحول إيران قاعدة  لتأجيج الشعور الديني في الجمهوريات السوفيتية الإسلامية خامسا [22] ، وقد تحقق ما كان يخشاه الاتحاد السوفيتي فعلا بعد تفككه وظهور الولايات المتحدة كقطب أحادى ،حيث توجهت إيران اتجاه الجمهوريات الإسلامية  لملء الفراغ الناشئ من زوال الاتحاد السوفيتي هذا من جهة ومحاولة إيران القيام بدور مهم  لاسيما في مجال الأمن على افتراض (أن أمن الخليج مسؤولية  إيران ودول الخليج العربي من دون تدخل قوى أخرى غير خليجية سواء كانت عربية أو غير عربية )من جهة ثانية  [23]، وعلى الرغم من ذلك فلازالت روسيا تشعر بقيمة موقع إيران الجغرافي غير  الاعتيادية على الخليج العربي وبحر  قزوين بسبب التوجه الأمريكي نحو الخليج ومنطقة بحر  قزوين التي تتمتع بأهمية اقتصادية لإزاحة النفوذ الروسي من هذه المنطقة كليا حسب المخطط  الشامل الذي يبدأ بتوسع حلف الشمال الأطلسي نحو التخوم الغربية لروسيا في (عمق الخاصرة الآسيوية )لروسيا في منطقة كانت على مدى قرون ضمن دائرة المصالح الحيوية لروسيا ونتيجة لذلك تسعى روسيا إلى توطيد علاقاتها مع إيران باعتبارها المنقذ الوحيد للتخلص من الضغوط الأمريكية لاسيما وان تعاون إيران وروسيا سيضعف من أهمية التواجد الأمريكي الداعم لتركيا وأذربيجان في المنطقة [24] .

      أما فيما يتعلق بأهمية موقع إيران بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقد كان موقع إيران يشكل هدفا استراتيجيا دائما  ومستمرا بالنسبة للولايات المتحدة  الأمريكية ويخدم مصالحها وسياساتها إقليميا ، فقد كانت ترى في إيران مركزا ممتازا للمراقبة والرصد والتجسس لما يدور داخل الاتحاد السوفيتي ،وإيران هي بمثابة وقاء أو دولة عازلة ضد الاتحاد السوفيتي والشيوعية [25] هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تخوف الولايات المتحدة من وقوع إيران تحت النفوذ  السوفيتي ويعني هذا تهديدا" لمصالحها في المنطقة ،أما إذا وقعت تحت نفوذها فهذا يعني ضمان بقائها أطول فترة ممكنة في المنطقة ومن ثم حصولها على النفط الإيراني [26] لذلك سعت الولايات المتحدة وسوف تسعى إلى منع استيلاء أية فئة يسارية تكون موالية للسوفيت على إيران وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل جلي من خلال إدارتها فقد اعتبرت محمد رضا بهلوي ـ شاه إيران ـ حليفا" هاما" لها في المحيط الهندي وقد زودته بالأسلحة والمعدات العسكرية والقواعد البحرية حتى اعتبر نفسه أحد القوى الضاغطة في المحيط الهندي ،وبذلك  أحكمت  الولايات المتحدة الطوق على الشرق الأوسط من شرق البحر المتوسط حتى المحيط الهندي[27].إلا أن ذلك لم يدم طويلا" بسبب قيام ثورة (1979) على شاه إيران بقيادة الإمام الخميني  من ثم  فقدت أمريكا إحدى أهم مرتكزاتها في الشرق الأوسط مما زاد من قلق الولايات المتحدة  على مصالحها في الخليج العربي ولذلك أخذت تسعى إلى إدخال إيران في حروب لتحجيم دوره في المنطقة وليس أدل من ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات  .

        وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية لم تخرج أهمية  إيران من حساباتها أخذت تجري تعديلات جذرية في الوضع الجيوبوليتيكي في آسيا الوسطى[28] تمثلت  باحتلال أفغانستان و العراق و التدخل المباشر في منطقة بحر قزويـن ـ الغنية بالنفط ـ من خلال  إنشاء منظومة ممرات أوربية آسيوية  بين تركيا وأذربيجان وازبكستان وكازاخستان وجو رجيا بغية تحقيق العزل الجيوسياسي لإيران بسبب التقارب الروسي الإيراني الذي يضر بالمصالح الأمريكية والتي ستصبح إيران بموجبة أمام خيارين إما الرضوخ أو مواجهة محيط معاد لها على حدودها الشمالية [29] .

     ومما تقدم يتضح أن لإيران موقعا استراتيجيا متزايدا في الأهمية عبر التاريخ وهذا ما أكدته النظريات الاستراتيجية  وذلك بوقوعها ضمن مناطق التحكم والقوة في العالم ،فضلا عن وجود النفط فيها ووقوعها بين منطقتين غنيتين بالنفط هما الخليج العربي وبحر قزويـن هذه الأمور جميعها   جعلتها  محط أنظار  الدول الكبرى  الولايات المتحدة  والاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليا و محاولاتها لاستغلال  إيران وموقعها بما يتفق ومصالحها الخاصة.

  • إنعكاسات الإتفاق الأمريكي الإيراني على الشرق الأوسط:

ويمكن توزيع الأطراف الرئيسية الفاعلة في الساحة الإيرانية على عدة مستويات؛ نفصل موقفها في النقاط التالية:

أولا:مؤسسةالمرشد:
للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي الكلمة الفصل في الملفات الاستراتيجية في البلاد؛ والملف النووي الإيراني والعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية من أهم هذه الملفات.

اختار المرشد خلال هذه المرحلة العمل تحت شعار: "مرونة الشجعان"؛ فظروف إيران اليوم باتت مختلفة، والملفات تتزاحم في المنطقة التي يعاد فيها خلط الأوراق، وباتت طهران بحاجة إلى ليونة دون تقديم تنازلات مصيرية[30]

لقد استدعت المعطيات الإقليمية والداخلية أن يفتح المرشد مجالاً أكبر أمام الحكومة للتوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب؛ يجعل إيران تتنفس الصعداء اقتصاديًّا، وهذا يعني بالتالي انتعاش كل مؤسساتها؛ فتعود الفائدة على الجميع؛ ولكن عندما يصل الموضوع إلى تطبيع مباشر مع واشنطن قد يختلف الموقف الشخصي للمرشد وللدائرة المقربة والضيقة من مستشاريه؛ كرحيم صفوي مستشار الشؤون العسكرية، وممثله في الحرس الثوري علي سعيدي وغيرهم.

   ويمكن تلخيص موقف المرشد ودوافعه وفق النقاط التالية:

  1. المرشد الأعلى علي خامنئي، على الرغم من عدم تفاؤله بالنتائج على المدى البعيد، موافق ضمنيًّا على تقارب محدود مع الولايات المتحدة؛ وذلك من باب السعي لحلحلة الملفات العالقة في برنامج البلاد النووي، وتخفيف العقوبات الاقتصادية، وفي الوقت ذاته يبدو المرشد حذرًا للغاية من فتح باب الحوار على الجوانب المتعددة للعلاقات الثنائية بين طهران وواشنطن، مكتفيًا في هذه المرحلة على الأقل، بمنح الضوء الأخضر للتفاوض المباشر بين البلدين ضمن عنوان الملف النووي وحسب

  2. مصالح إيران الآن تقتضي تبني خطاب: "مرونة الشجعان"، فالدور الإقليمي الإيراني وحتى الأمن القومي يقتضيان خطوة من هذا النوع

  3. وراء حذر المرشد من الاندفاع نحو تطبيع العلاقات مع أميركا أسباب تاريخية؛ فالرجل الذي كان رمزًا من كبار رموز الثورة الإسلامية، لا يمكنه أن يتغاضى عن شعار: "الموت لأميركا"، الذي يساوي عمره عمر الثورة، ولا يمكن لتيارات كثيرة في إيران أن تتناسى هذا الشعار، أو تتجاهله بعد سنوات من العداء.

  4. المرشد يحاول أن يظلل جميع التيارات في إيران تحت عباءته؛ فهو يمنع مصادرة جهود الحكومة، ويتبنى موقف المعادين لأميركا تاريخيًّا، ويحاول أن يقلص الهوة بين الشعب والسلطة السياسية بعد أن دفع الإيرانيون غاليًا ثمن الحظر الاقتصادي.

  5. هذه المواقف من أعلى سلطة في إيران تعني بشكل أو بآخر مجاراة إيران للوضع الإقليمي والدولي، ومحاولة خروجها من عزلتها، ورفع الحظر عنها، وخفض الضغط عليها، وفي الوقت ذاته الحفاظ على أمنها القومي.

ثانيا:  موقف رفسنجاني و المعتدلين:
هذه المجموعة تتبنى موقفًا يؤيد التقارب المشروط بزوال أسباب العداء مع الولايات المتحدة؛ انطلاقًا من مبدأ بناء الثقة. وتبدو وجهة النظر هذه هي الأقوى بين كل الأطراف خلال هذه المرحلة؛ ما دام أن المرشد الأعلى يتبنى ما تم صكه في التداول كمصطلح؛ أي: "المرونة الشجاعة"، وهو الرأي الذي يستحوذ على تأييد الجمهور الأكبر بين كل الأطياف.

ثالثًا: الحكومة الإيرانية برئاسة حسن روحاني
يعد الرئيس حسن روحاني مقربًا من رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، ويتبنى ذات سياسات تياره، إلا أن حكومة روحاني اليوم تعتبر الأداة التنفيذية لتطبيق سياسات البلاد في الخارج، وعلى الرغم من أن الحكومة تحاول تطبيق سياسات رفسنجاني التي ترفع شعار الاعتدال، فإنها تبقى ضمن الحدود التي يرسمها المرشد والحرس الثوري أيضًا، كما أنها تحاول التوفيق بين وجهات النظر الأساسية في البلاد.

يتمتع الرئيس حسن روحاني بعلاقات جيدة مع المرشد الأعلى، وهو ابن الحوزة العلمية؛ لكنه يحمل مفتاح الدبلوماسية في يده، ويرى أن حل معضلة البرنامج النووي الإيراني تكون بتخفيف العداء مع الآخرين، ويشدد على أن لديه السلطة الكاملة للتفاوض على البرنامج النووي مع الغرب.

ويشدد برنامج روحاني على ضرورة تفاعل إيران مع دول العالم؛ بل واندماج نظامها الثوري في المجتمع الدولي، ضمن مقاربة أسماها بـ"المشاركة البناءة". وتكثيف الجهود لتطوير علاقات إيران مع الآخرين، وإعطاء دور أكبر للدبلوماسية لتولي الملفات الصعبة؛ مثل: البرنامج النووي، والعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الجوار؛ خاصة دول مجلس التعاون الخليجي.

إن التقارب مع الولايات المتحدة الذي يجب أن يحقق شرط "ليونة الشجعان"، الذي يضعه المرشد الأعلى، سيحقق وفق روحاني التالي:

  1. الاقتصاد أولوية بالنسبة إلى حكومة روحاني، والتقارب مع الولايات المتحدة سيسمح برفع الحظر الاقتصادي الأميركي عن إيران، والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة في البنوك الأميركية؛ بل وإلغاء معظم العقوبات الغربية.

  2. في الوقت ذاته سيؤمن التقارب الاعتراف بحق إيران بامتلاك برنامج نووي؛ وذلك بالتزامها أيضًا مستقبلاً بتنفيذ ما عليها في اتفاق جنيف، أو ما جاء في الاتفاق الموقع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد خاطب روحاني المرشد بعد اتفاق جنيف ليؤكد التزامه بالولاء، وعلى نجاح خطته الدبلوماسية[31]؛ عساه يحصل على ضوء أخضر لاستمرار هذه الجهود، ما دام أنها تحقق الشروط

  3. الاعتراف بدور إقليمي لإيران؛ كون التقارب مع أميركا سيؤدي إلى تعاون ثنائي في قضايا الشرق الأوسط، وحلحلة بعض أزمات المنطقة كالأزمة السورية.

  4. الحكومة معنية بتنفيذ آراء المواطنين ممن انتخبوها، وهو ما يذكره روحاني في خطاباته مرارًا عندما يتحدث عن نيته عدم خذلان من انتخبوه في الاقتصاد والسياسة، وهذا الأمر يتطلب تقاربًا مع القوة الأكثر تأثيرًا في العالم[32].

رابعًا: الإصلاحيون
هذا التيار بزعامة الرئيس السابق محمد خاتمي ومؤيدوه، الذين لا يزالون تحت عباءة الجمهورية الإسلامية، عاد وانتعش بعد وصول روحاني إلى سدة الرئاسة؛ وذلك بعد أن غاب عن الساحة منذ أزمة الانتخابات الرئاسية عام 2009، وانتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسًا للمرة الثانية، وتشكيك الإصلاحيين الداعمين لمرشحهم مير حسين موسوي بالنتائج.

وكان الإصلاحيون قد أشاروا مرارًا إلى أن أي علاقات مع الطرف الأميركي لا تعني بالضرورة الخروج عن نظام الجمهورية الإسلامية؛ محاولين بذلك الابتعاد عما حدث عام 2009 واتهام بعضهم بالتآمر على نظام الحكم[33]

وعلى الرغم من دعوتهم الصريحة لإصلاح ما أفسده الدهر والساسة المتشددون مع واشنطن؛ فإن قلق الإصلاحيين يتزايد من أن تركيز حكومة روحاني على إصلاح العلاقات الخارجية لإيران، وتحسين العلاقات مع الغرب، سيكون على حساب الإصلاحات الداخلية، ودعم الحريات السياسية والثقافية في الداخل[34]

خامسًا: موقف المؤسسة الدينية في إيران (الحوزة العلمية)
بطبيعة الحال يوجد داخل المؤسسة الدينية في إيران رجال دين منتمون للطيف الأصولي وآخرون معتدلون، ووفق التصريحات التي صدرت عن متحدثين في الحوزة العلمية تقترب وجهة نظر علماء الحوزة كثيرًا من وجهة نظر المرشد[35].

ولكن لا يخفى على الجميع أن بعض علماء الحوزة يتحفظون على تصرفات المتشددين وانتقاداتهم اللاذعة للسياسات الحكومية، التي تقترب من الغرب، وتفتح حوارًا معه، ويعتبر هؤلاء أن البلاد تمر بظروف تتطلب وحدة داخلية أكثر مما سبق، ويركزون على ضرورة الحفاظ على وحدة النسيج الداخلي الإيراني، وأنه لابُدَّ من تجنيب البلاد أي مشاكل إضافية بين الفرقاء السياسيين، قد تمنع التركيز على حل الأزمة الاقتصادية، الذي بات المطلب الأساسي لكافة لإيرانيين.

ويرى هؤلاء أن التقارب إذا كان مفتاحًا لرفع الأعباء عن كاهل المواطنين فلا ضير منه، كما يرى العديد من علماء الحوزة الدينية أنه لا ضرر من التفاوض مع الغرب لحل مسائل الملف النووي، ولا ضرر كذلك من فتح نقاش مع أميركا؛ ولكن دون تجاوز الخطوط الحمراء ومبادئ الجمهورية الإسلامية، وأن التفاوض يستطيع أن يحافظ على عزة الإيرانيين، وفي المقابل يوقف دفع البلاد ثمن الحظر الاقتصادي المفروض عليها[36].

 

سادسا: مؤسسة الحرس الثوري
هذه المؤسسة ضد أي تقارب مع الولايات المتحدة الأميركية بالمطلق، وقد وجه عدد من كبار مسؤوليها انتقادات لاذعة لاتفاق جنيف النووي الأخير مع الغرب، وللسياسات الخارجية للرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف؛ معتبرين أنها تميل إلى السياسة الليبرالية الغربية؛ بل إن قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري انتقد في سبتمبر/أيلول الفائت المكالمة الهاتفية بين روحاني و أوباما، واصفًا إياها بأنها سابقة لأوانها[37]، إلا أن الدعم الذي وفره المرشد الأعلى لروحاني وللاتفاق النووي أبقى العناصر المحافظة داخل صفوف الحرس تحت السيطرة، ويستنبط هذا من تصريح أخير لجعفري الذي قال فيه: إن "مؤسسة الحرس ستسكت أمام هذا الأمر؛ لأننا لا نريد أن نعطي المجال أو الفرصة لأي أحد للعبث بالداخل الإيراني"[38].

سابعا: الأصوليون المتشددون
هذا التيار يقول علنًا: لا تفاوض ولا تقارب ولا علاقات مع أميركا. وقد وجه بعض أعضاء البرلمان الإيراني من هذا الطيف المتشدد انتقاداته لسياسات الحكومة وللرئيس ولوزير خارجيته، ويرى هؤلاء أن الاتفاق المرحلي بين طهران ومجموعة الدول الست الكبرى -الذي بدأ في فبراير/شباط الماضي، وينتظر مزيدًا من جولات التفاوض لتحويله إلى اتفاق شامل ونهائي- يرونه يصب في مصلحة الدول الغربية؛ فيما أن مزاياه لإيران بالمقابل متواضعة، ويُعَرِّض استمرار البرنامج النووي الإيراني للخطر.

يعتبر هذا الطيف أن الحكومة قدمت تنازلات مهمَّة بموافقتها على خفض جزء من الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات الدولية، ويرون أن الاتفاق المرحلي لم يضمن هذا الحق[39].

وعلى الرغم من عدم وقوف المرشد الأعلى ضد إجراءات الحكومة، فإنه لا يمكن الاستهانة بقدرة المحافظين المتشددين، الذين يملكون القدرة على كبح -وربما إجهاض- سياسة روحاني للتقارب مع الولايات المتحدة مستقبلاً؛ فهؤلاء يحكمون قبضتهم على البلاد، ولديهم أدوات قوة بالفعل، منها تواجدهم بقوة في مجلس الشورى الإسلامي، فهم يستطيعون سحب الثقة من وزير الخارجية أو أي وزير في حكومة روحاني، كما أنهم يستطيعون إقرار قوانين جديدة تلزم الحكومة بتنفيذها، وعلى سبيل المثال بدأ بعض نواب البرلمان بالتحضير لمشروع قرار يقضي بتخصيب اليورانيوم في البلاد بنسبة ستين بالمائة، وإذا ما تم التصويت عليه فهذا يعني نسف اتفاق جنيف، وأي توجه إيراني تصالحي متوقع نحو الولايات المتحدة.

إلا أن هؤلاء جميعًا وعلى الرغم من أنهم ما زالوا مظللين تحت عباءة المرشد، فإن المتشددين يستشهدون دائمًا بقوله: إنه لا مكان للثقة بأميركا. وأنه غير متفائل من مسار المفاوضات النووية مع الغرب.

فيما أن المعتدلين من المحافظين لا يرون في التقارب مع واشنطن خطًّا أحمر لا يجب تجاوزه؛ ولكنهم أيضًا غير متفائلين على الإطلاق بصيرورة هذا التقارب.

هذا التقارب الأمريكي الإيراني ربما يأخذ تفسيرين رئيسيين أولهما أن الولايات المتحدة تسعى إلى «احتواء إيران» على نحو ما سعى الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون لاحتواء الصين. كان هدف نيكسون هو تحويل الصين إلى حليف محتمل للولايات المتحدة بدلاً من أن تكون حليفاً للاتحاد السوفيتي ضمن إطار الصراع الأمريكي السوفيتي في ذروة الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو لكن يوجد هنا سؤال مهم هو: احتواء إيران ضمن أي سياق، هل للحيلولة دون تحالفها مع العرب مثلاً، أم لتفكيك تحالفها مع روسيا والصين في إطار تحولات واشنطن للتركيز على مصالحها فى إقليم جنوب شرق آسيا بدلاً من الشرق الأوسط، ثاني هذين التفسيرين أن واشنطن ربما تكون ساعية لتأسيس ما بات يُعرف بـ «الدولة الشيعية الكبرى» بقيادة إيران لتضم جنوب العراق، أي الدولة الشيعية المتوقعة فى العراق ضمن مخطط التقسيم الأمريكي للعراق الذي أخذ يتجدد في الآونة الأخيرة، والكويت والبحرين والساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، بحيث تمتد هذه «الدولة الشيعية الكبرى» على الساحل الشرقي للخليج (إيران) وعلى ساحله الغربي «دول الخليج وشرق السعودية»، وهدف هذه الدولة الشيعية الكبرى خلق «توازن قوى» بين المسلمين الشيعة و المسلمين السنة، وإحداث قطيعة بين الشيعة العرب وجسدهم العربي الكبير وجعل الانتماء الطائفي عندهم يتجاوز انتماءهم الوطني القومي العربي، والهدف الأساسي هو جعل الصراع الشيعي- السني هو الصراع المسيطر على الشرق الأوسط، وحماية وجود إسرائيل، وتبديد حلم تجديد الحضارة العربية الإسلامية وتفكيك الوحدة الإسلامية في ظل قناعة الأمريكيين بأن الصراع في العالم لم يعد صراع أيديولوجيات بل أضحى «صراع حضارات» على نحو ما أكد عالم السياسة الأمريكي صموئيل هنتنجتون وأن الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية هو أهم معالم هذا الصراع الكوني.

و بالحديث عن الربيع العربي و ما صاحبه من تغيرات إقليمية و دولية على جميع الأصعدة، فإن إيران بعد عامين على ربيع الشعوب العربية تقف أمام معمعة سياسية حقيقية؛ فالعداء نحو الولايات المتحدة والموقف من إسرائيل والبقاء في مربع الدولة والأمة المعزولة إستراتيجية ربما أصبح من الضروري مراجعتها.  فالوضع العام في المنطقة العربية اليوم أصبح نشطًا ويصعب إدراكه وربما تداركه أيضا. وهذا يعني أن هناك قراءات جديدة حول الصراع مع إسرائيل وتغييرًا في الأولويات حول العلاقة مع أميركا والغرب، وصعود قوى سياسية ذات خطاب متوازن وأخرى على العكس من ذلك. كل ذلك يجعل حالة المخاض عسيرة في المنطقة، وإيران التي تعيش هي أيضًا مخاضها السياسي الداخلي ليست بعيدة عن هذه الأحداث و التطورات.

لأن إيران تعتمد المزج والتنوع فى استخدام العديد من الآليات السياسية، والإقتصادية، والإستخبارية، والعسكرية، والعقائدية، لتحقيق مصالح أمنها القومى وأهدافه، مع ارتباط ذلك بأسبقيات هذه المصالح والأهداف وأهميتها وطبيعة البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بها.

من هذا المنطلق تبرز أهمية دراسة المطامح الإيرانية والمصالح والأهداف، وآليات تحقيقها بوصف ذلك مدخلاً أساسياً للتوصل لتنامي الدور الإيراني فى ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الجارية.

حملت العلاقات الإيرانية العربية في طياتها بعد الثورات العربية العديد من التناقضات، حيث جمعت بين الجوانب السلبية والايجابية معاً في آن واحد، كالصراع الذي كان السمة الغالبة عليها والتعاون في بعض المجالات خاصة الاقتصادية، بحكم عامل الجوار الإقليمي، والأمنية والعسكرية مع بعض الدول، بحكم الظروف المتشابهة (سورية ـ لبنان)، وهو ما يعد في مجمله نتيجة لعدم وجود إستراتيجية عربية واحدة.

هذا كله يطرح تساؤلات عمّا يمكن أن يصيب السياسية الإيرانية وأهدافها في ظل ما يجري في المنطقة من تغييرات متسارعة؟

 

 

 

الهوامش و المراجع:

 


[1] - عبد الرزاق عباس ، الجغرافية السياسية مع التركيز على المفاهيم الجيوبوليتيكية ،مطبعة اسعد ، بغداد 1976.

[2] - عبد الرزاق عباس، نفس المرجع السابق.

[3] بهاء بدري حسين ،تحديد الأقاليم المناخية لإيران ، مجلة الجمعية الجغرافية ، العددان 24ـ25،1990.

 

[4] - مجيد حميد شهاب ، جيوبوليتيك بحر قزوين ، مجلة كلية الآداب ـ جامعة بغداد،العدد 59، 2002 

[5] - عدنان كاظم جبار الشيباني، حميدة عبد الحسين الظالمي، الأهمية الاستراتيجية لموقع إيران الجغرافي  ،              دراسة في الجغرافية السياسية           ، جامعة القادسية( كلية التربية، المثنى) (ب.ت ).

[6] - عدنان كاظم جبار الشيباني، حميدة عبد الحسين الظالمي، نفس المرجع السابق.

[7] - عدنان كاظم جبار الشيباني، حميدة عبد الحسين الظالمي ، نفس المرجع السابق.

[8] - بهاء بدري حسين، نفس المرجع السابق.

[9] - الجوجو (عبد الله حسن)، الأنظمة السياسية المقارنة: دراسة مقارنة. [د م ن] : الجامعة المفتوحة، 1997.

[10] - الجوجو (عبد الله حسن)، الأنظمة السياسية المقارنة: دراسة مقارنة. [د م ن] : الجامعة المفتوحة، 1997.

[11] - كديفر محسن، نظريات الحكم في الفقه الشيعي: بحوث في ولاية الفقيه.تر : دار الجديد، ط4 . بيروت: [د د ن]، 2000.

 

[12] - مسعد (نيفين عبد المنعم) ، صنع القرار في إيران و العلاقات العربية الإيرانية. لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001.

[13] - مسعد (نيفين عبد المنعم)، نفس المرجع السابق.

[14] - داوود عباس (يحي) ، "تاريخ الجمهورية في إيران". مختارات إيرانية . العدد  86 ، سبتمبر 2007

[15] - داوود عباس (يحي) ، "تاريخ الجمهورية في إيران". نفس المرجع السابق.

[16] - سيدي أحمد   ولد أحمد سالم . "الولي الفقيه .الدور و الصلاحيات"، مركز الجزيرة للدراسات. 

[17] - سيدي أحمد   ولد أحمد سالم . "الولي الفقيه .الدور و الصلاحيات"، مركز الجزيرة للدراسات

[18] -  الجوجو (عبد الله حسن)، الأنظمة السياسية المقارنة: دراسة مقارنة. [د م ن] : الجامعة المفتوحة، 1997.

[19] - محمد جواد علي ، الصراع الأمريكي السوفيتي في المحيط الهندي،منشورات شركة مطبعة الأديب البغدادية المحدودة،1986

[20] - عبد المنعم عبد الوهاب،جغرافية العلاقات السياسية ، منشورات مؤسسة الوحدة العربية للنشر والتوزيع ،(ب.ت) .

[21] - مجيد حميد شهاب ، جيوبوليتيك بحر قزوين ، مجلة كلية الآداب ـ جامعة بغداد،العدد 59، 2002 

[22] - عبد الوهاب عبد الستار القصاب ، المحيط الهندي وتأثيره في لسياسات الدولية والإقليمية ، مطبعة بيت الحكمة ، بغداد ،2000

[23] عبد الوهاب عبد الستار القصاب ، نفس المرجع السابق.

[24] - عبد المنعم عبد الوهاب،جغرافية العلاقات السياسية ، منشورات مؤسسة الوحدة العربية للنشر والتوزيع ،(ب.ت) .

[25] - حسين وحيد عزيز الكعبي ، المضامين الجغرافية لفكرة النظام الشرق أوسطي مالها وما عليها ، مجلة البحوث الجغرافية،العدد (2)،2001

[26] - محمد جواد علي ، الصراع الأمريكي السوفيتي في المحيط الهندي،منشورات شركة مطبعة الأديب البغدادية المحدودة،1986

[27] - محمد جواد علي ، الصراع الأمريكي السوفيتي في المحيط الهندي، نفس المرجع السابق.

[28] - مايكل كلير ، الحروب على الموارد، الجغرافيا الجديدة للنزاعات الدولية، ترجمة : عدنان حسن ، (ب.ت ).

[29] - عباس رشدي العماري، إدارة الأزمات في عالم متغير، مركز الأهرام للترجمة و النشر، ط1 ، 1993.

[30] - آرشين أديب مقدم ، الولايات المتحدة وإيران: مقاربة الملفات إيران في السياسة العالمية بعد روحاني، مركز الجزيرة للدراسات.

[31] - آرشين أديب مقدم ، الولايات المتحدة وإيران: مقاربة الملفات إيران في السياسة العالمية بعد روحاني، مركز الجزيرة للدراسات.

[32] - شقير (شفيق) "السياسة في إيران بناء الثورة و المعارضة". قسم البحوث و الدراسات، الجزيرة .المتوفر على الرابط WWW.Aljazeera.net.

[33] - الحسيني (محمد صادق) المحافظون و الإصلاحيون، وجه لوجه" WWW.Aljazeera.net

[34] - الحسيني (محمد صادق) المحافظون و الإصلاحيون، وجه لوجه" WWW.Aljazeera.net

[35] -  محمد بدري عيد، تاريخ إيران الحديثة، مركز الجزيرة للدراسات، ماي 2014.

[36] - محمد بدري عيد، تاريخ إيران الحديثة، مركز الجزيرة للدراسات، ماي 2014.

[37] - كينيث كاتزمان ، الحرس الثوري الإيراني ( نشأته، تكوينه و دوره ) ، مركز الإمارات للبحوث و النشر، (ب.ت.).

[38] - آرشين أديب مقدم ، الولايات المتحدة وإيران: مقاربة الملفات إيران في السياسة العالمية بعد روحاني، مركز الجزيرة للدراسات.

 

[39] - آرشين أديب مقدم ، الولايات المتحدة وإيران: مقاربة الملفات إيران في السياسة العالمية بعد روحاني، مركز الجزيرة للدراسات.