المجتمع المدني ودوره في التعديل الدستوري

مقدمة:
   
تميز مفهوم المجتمع المدني بمدلولات جديدة تجلت بشكل واضح في الفكر السياسي، وذلك عبر تطور  مفهوم الدولة القومية إلى الدولة الحديثة، وما انجر عن هذه الأخيرة من تحولات مست بنية النظام الدولي، وتداعيات العولمة بمختلف صورها، فضلا عن أثر الثورة الرقمية وتطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال.        وقد كان لتلك المدلولات أبعادا أيديولوجية متعددة، اتجهت أساسا نحو النيوليبرالية الداعية إلى تقليص دور الدولة والحد من تدخلها في المجال الاقتصادي، ومنه امتد أثرها إلى الحقل السياسي، هذا ما فتح المجال أمام القطاع الثالث(المجتمع المدني) للمساهمة في عملية التنمية السياسية وصناعة التحول، وذلك من خلال الاضطلاع بدور مركزي في عملية الإصلاح الدستوري، وكذا لاستكمال عملية البناء الديمقراطي، وتعميق شرائط الممارسة السياسية الديمقراطية السلمية والسليمة، وخلق مجتمع سياسي مفتوح  يؤمن بشكل فعال  بالمنظومة القيمية الديمقراطية.            ولهذا جاءت هذه الورقة البحثية تبتغي تفكيك حدود وأنماط العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني، أي اشتغاله من أجل الحد من سلطة الدولة وكبح جماح التعسف السياسي من جهة، وكذا تعزيز ودعم المشاركة السياسية للأفراد ومختلف المؤسسات الاجتماعية في مجال التعديل والإصلاح الدستوري من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق بلورت إشكالية الورقة كما يلي:

-كيف ساهم المجتمع المدني باعتباره أحد البنى الأساسية للنظام السياسي في تحقيقه لمطالب المجتمع بوساطة المقاربة التشاركية في التعديل الدستوري؟
 وتندرج تحت هذه الإشكالية التساؤلات التالية:
-
ما هو مفهوم المجتمع المدني في ضوء الأطياف الفكرية المتعددة؟
-كيف ظهر المجتمع المدني في الجزائر؟ وما هي روافده؟
- ما المقصود بالتعديل الدستوري؟
- كيف ساهمت فواعل المجتمع المدني في مناقشة مسار الاصطلاحات السياسية في الجزائر؟
      وللإجابة على الأفكار المستشكلة أعلاه، ارتأيت اعتماد المحاور الآتية:

أولا: المجتمع المدني:مقاربة ايتمولوجية(المفاهيم، المقومات).
ثانيا:المجتمع المدني في الجزائر(ظروف التأسيس، وروافده).
ثالثا:المجتمع المدني ودوره في التعديل الدستوري: مقاربة تشاركية.
     
ومن أجل فحص علاقة الدولة بالمجتمع المدني في سياق الإصلاحات السياسية، استخدمت اقتراب علاقة الدولة-المجتمع، والذي يبدأ بتحديد كل المنظمات الرسمية وغير الرسمية التي تمارس الضبط الاجتماعي، ومن خلالها يمارس الناس سلوكياتهم سواء في الأسرة أو الجماعة الصغيرة أو الأصدقاء أو العصابات أو الشلل أو الأحياء أو النوادي أو النقابات، فجميع هذه المنظمات تحدد القواعد التي يمارس الناس سلوكياتهم وفقا لها، ومن ثم لا تنفرد الدولة بممارسة التحكم أو الضبط الاجتماعي، إنما  تقوم هذه الجماعات أيضا بتحديد معايير للسلوك خارج القانون، أو المعايير التي وضعتها الدولة دون أن يعني هذا خروجا عن القانون.
     
فمن خلال هذه المقاربة، أسعى إلى حلحلة أسس العلاقة التكاملية-مجازا- بين الدولة والقطاع الثالث، أين فتحت المجال لروافده قصد المشاركة والإدلاء بدلوها من معين الإصلاحات السياسية والتشريعية، وكذا طريقة تفاعل وتجاوب منظمات المجتمع المدني مع مخرجات النظام السياسي.
   
أولا: المجتمع المدني:مقاربة ايتمولوجية(المفاهيم، المقومات).                                                        أ/ مفهوم المجتمع المدني: عرف المجتمع المدني كغيره من المفاهيم في الفكر السياسي تغيرات عدة، سواء من جهة البنى العضوية المكونة للمفهوم، أو العلاقة النمطية التي تميز المجتمع والدولة من جهة أخرى. وتعبر هذه العلاقة في فحواها عن وجود حالة من الاستقطاب بين المجتمع والسياسة، حيث تتضح من خلال الوضعية الاصطراعية داخل الحق الطبيعي، وكذا العقد الاجتماعي.وأثناء اللحظة الحاسمة التي أسست فيها الدولة على العقد أنهيت مرحلة أسبقية المجتمع على الدولة، وقدرته على إدارة  شؤونه بنفسه خارج دوائر الدولة، والقضاء على مفهوم المطلقية والاستبداد. الأمر الذي دفع بعض المفكرين إلى اعتباره مفهوم تشوبه الضبابية والغموض، بل وصل الأمر إلى اعتباره مفهوم زئبقي.         وارتبط طهور مفهوم المجتمع المدني بصيغته الحالية، بنشأة البرجوازية في أوربا خلال القرنين17و18، وذلك عندما بدأت تكتسب الثروة والاستقلال فراحت تطالب بالحرية والتوسيع الحقوقي. ومع هذا فقد أعادت ظاهرة العولمة صياغته وإفرازه وإحياءه وفرضه كأداة للتعامل اليومي داخل البيئة الدولية والمجتمعية وبين الأفراد والمؤسسات، نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية، مما جعله يتأثر بالطابع الكلاني لمضمون هذه التحولات. وفي سياق التعددية المنهجية والفكرية التي ميزت المجتمع المدني، جاءت أفكار الفلاسفة والمنظرين  انطلاقا من أفلاطون، أرسطو و أوغستين، وصولا إلى هيجل،كارل ماركس،و غرامشي، وألكسيس دي توكفيل، مرورا بفلاسفة عصر الأنوار هوبز،جون لوك، وجون جاك روسوو.
   
فالمفكر الانجليزي توماس هوبز يرى بأن المجتمع المدني هو المجتمع القائم على التعاقد، ولو اتخذ شكل الحكم المطلق ، أما جون لوك ينظر إلى المجتمع المدني باعتباره حالة قيام للمجتمع المنظم سياسيا ضمن إطار الدولة، مهمته تنظيم عملية سن القانون الطبيعي الموجود دون الدولة و فوقها.  أما ج ج روسو يشير إلى تموقع المجتمع المدني بين الدولة وبقية عرى المجتمع، حيث يعتبره مجتمع صاحب سيادة، باستطاعته صياغة إرادة عامة يتماهى فيها الحكام والمحكومين.
   بناء على ما تطرق إليه فلاسفة العقد الاجتماعي، فإن أهم ما ميز حياة الإنسان هو مروره بحالتين: الأولى؛ حالة كان عليها قبل أن يدخل في المجتمع، فكان يعيش في الطبيعة بموجب قوانين هذه الأخيرة وحدها. أما الثانية؛ أصبح عليها بعد أن انتقل إلى العيش داخل المجتمع، ويسلك وفقا لأوامره وضوابطه عبر إقرار تعاقد اجتماعي.                   وبعد تقديم هذه اللمحة الموجزة حول البدايات الأولى لظهور المجتمع المدني كمصطلح وكمفهوم، سأحاول أن استعرض أهم ما أدلى به المفكرون والأكاديميون فيما يتعلق بالبنية المفهوماتية لموضوع الدراسة، إلا أنه يجب التنويه إلى أن التعددية المفاهيمية مرتبطة بالتوجهات الأيديولوجية أولا، وبالتوظيف السياسي للمصطلح ثانيا.
     
فمن الزاوية الأيديولوجية نجد كل من هيجل وكارل ماركس يتفقان حول نقطة مفادها أن المجتمع المدني هو مجال للتنافس الاقتصادي وهو كيان مقابل للدولة. فيعرف هيجل المجتمع المدني بأنه  ذلك الحيز الأخلاقي والاجتماعي الواقع بين الأسرة و الدولة، أي أن تشكيل المجتمع المدني يتم بعد بناء الدولة كفرق أو كاختلاف بين العائلة والدولة يفترض وجود الدولة، وهو ما يميز المجتمع الحديث عن المجتمعات السابقة، وهو متكون من أفراد لا يرون غير مصالحهم الخاصة ويتعاملون فيما بينهم لتحقيق حاجاتهم المادية، فالمجتمع المدني عند هيجل هو مجتمع الحاجة والأنانية.   ، أي أنه الفضاء الذي يتحرك فيه الإنسان مدافعا فيه عن مصالحه الشخصية، وعالمه الخاص مع هيمنة التناقضات الطبقية ووضعه للدولة بالمقابل كفضاء بيروقراطي يتحول فيه الإنسان إلى عضو ضمن جماعة مسيرة يقف في حقيقة الأمر غريبا بينها.
     
أما كارل ماركس ينظر إلى المجتمع المدني بأنه الأساس الواقعي والمادي للدولة، وقد شخصه في مجموع العلاقات المادية للأفراد في مرحلة محددة من مراحل تطور قوى الإنتاج، أو القاعدة التي تحدد طبيعة البنية الفوقية بما فيها من دولة ونظم وحضارة ومعتقدات.    أي انه ميدان للصراع الطبقي في مرحلة معينة من مراحل تطور قوى الإنتاج، ويتضمن مجمل الحياة التجارية والصناعية لتلك المرحلة، والتي كانت موجودة قبل الدولة. على هذا الأساس يحدد المستوى السياسي(الدولة) بوصفه مستوى تطور العلاقات الاقتصادية، فهو إذن يتطابق مع البنية التحتية، بشرط مستوى البنية الفوقية والتي تحوي الايدولوجيا والمؤسسات السياسية.
   
وعكس ما جاء به هيجل وكارل ماركس ، فإن المفكر الايطالي انطونيو غرامشي منظر المجتمع المدني، يعتبر المجتمع المدني مجالا للتنافس الإيديولوجي فهو فضاء تكون الأيديولوجيات المختلفة وانتشارها، والتي تشد الجسد الاجتماعي بعضه إلى بعض، تلك المساحة التي تشغلها الأنشطة والمبادرات الفردية والجماعية(الأهلية) التي تقع بين المؤسسات والأجهزة ذات الطبيعة الاقتصادية البحتة، من ناحية، وأجهزة الدولة الرسمية ومؤسساتها من ناحية أخرى.  إذن فالمجتمع المدني عند غرامشي يتطابق مع البنية الفوقية، والتي تنقسم بدورها إلى مجتمع مدني ومجتمع سياسي، الأول يقوم بالهيمنة عن طريق الثقافة و الأيديولوجيا، والثاني المتمثل في الدولة يقوم بوظيفة السيطرة والإكراه.                  وفي تعريف آخر للمجتمع المدني هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبين الدولة من جهة أخرى. وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات ومحاسبة الدولة في كافة الأوقات التي يستدعي فيها الأمر محاسبتها. ومن جهة إجرائية، فإن  هذا النسيج من العلاقات يستدعي لكي يكون ذا جدوى، أن تتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية اقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة تشكل في مجموعها  القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى.
    ويعرف أيضا محمد عابد الجابري-رحمه الله-المجتمع المدني بأنه المجتمع الذي تنظم فيه العلاقات بين أفراده على أساس الديمقراطية؛ بمعنى المجتمع الذي يمارس الحكم على أساس أغلبية حزبية، تحترم فيه حقوق المواطن السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في حدها الأدنى على الأقل إنه بعبارة أخرى المجتمع الذي تسود فيه دولة المؤسسات بالمعنى الحديث لمؤسسة، البرلمان والقضاء مستقل والأحزاب والنقابات والجمعيات.
     وفي سياق الفكر السياسي العربي دائما، وما جادت به قريحة المفكرين العرب نجد أيضا المفكر سعد الدين إبراهيم أدلى بدلوه في هذا المجال، فعرف المجتمع المدني بأنه مجموعة التنظيمات الطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف، وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كل من الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات، أي كل ما هو غير حكومي وما هو غير عائلي أو إرثي.
  وكنتيجة لما سبق عرضه من تعريفات ومفاهيم مختلفة للمجتمع المدني، فإنه تم التوصل إلى فكرة أساسية تتمثل أولا في، إن معظم التصورات والممارسات العقلية السائدة في العالم المتقدم أو العالم المتخلف جذورها غربية في جوهرها، ومن حيث المفهوم وليس الفهم الصحيح بالنسبة لدول العالم الثالث. وثانيا، إن المجتمع المدني يقوم من الناحية المؤسساتية على عدة أركان، هي كما يلي:
1-
القدرة على التكيف: أي قدرة المؤسسة على التكيف مع التطورات التي تطرأ على مستوى البيئة، فكلما تتمتع المؤسسة بالقدرة على التكيف كلما زادت فعاليتها، وللتكيف مستويات عدة:
-
التكيف الزمني: بمعنى قدرة المؤسسة على الاستمرار لفترة طويلة، مما يساعد على درجة مؤسسيتها.                 - التكيف الجيلي: يقصد به قدرة المؤسسة على الاستمرار مهما تعاقبت أجيال القيادات والزعامات عليها، أي لا يوجد صراع جيلي،كالصراع القائم بين جيلي الثورة الاستقلال على مستوى الرؤى والأفكار في  الجزائر.           -التكيف الوظيفي: أي قدرة المؤسسة على إجراء تعديلات في أنشطتها ووظائفها.                                  2- الاستقلالية:يقصد بها ألا تكون المؤسسة خاضعة لغيرها من المؤسسات أو الجمعيات أو الأفراد أو تابعة لها، حيث يسهل السيطرة عليها وتوجه نشاطها، وتحدد درجة استقلالية المجتمع المدني من خلال مؤشرين هما:                    - نشأة مؤسسات المجتمع المدني وحدود تدخل الدولة في العملية، فالأصل هو أن تتمتع المؤسسات بهامش من الاستقلالية عن الدولة.
-
الاستقلال المالي لمؤسسات المجتمع المدني، ويبرز ذلك من خلال تحديد مصادر تمويل المؤسسات، فهل مصدر التمويل ذاتي داخلي أو خارجي؟                                                                                      3- التعقد: يراد به تعدد المستويات الرأسية والأفقية داخل المؤسسة، أي تعدد هيئاتها التنظيمية من ناحية، ووجود مستويات تراتبية داخلها وانتشارها الجغرافي على أوسع نطاق ممكن داخل المجتمع.
4-
التجانس: يعني عدم وجود صراع داخل المؤسسة ، فكلما كان مرد الانقسامات بين وحدات المنظمة إلى أسباب تتعلق بنشاط المؤسسة، وكانت الطريقة لحل النزاع سلمية كان هذا دليلا على تطور المؤسسة.
وللمجتمع المدني بالغ الأهمية داخل الأنظمة السياسية، إذ تتضح أهميته على مستويين:
المستوى الأول: أهميته بالنسبة للدولة تتمثل في كونه يساعد الحكومة على أداء أفضل للخدمات العامة، وكذا التأثير في رسم السياسات العامة، ودعم قيم المشاركة وتحقيق التنمية التشاركية.
المستوى الثاني: أهميته بالنسبة للفرد(المواطن) لكونه يعمل على تربية المواطن على ثقافة الديمقراطية وإكساب أعضائها لقيم الحوار وقبول الآخر والاختلاف، وكذا مساءلة القيادات والمشاركة في الانتخابات والتعبير الحر عن الرأي، والمساهمة في صنع القرار وتعديل التشريعات داخل الدولة.
 
ونظرا لأهمية المجتمع المدني باعتباره فاعل من الفواعل الأساسية التي تساهم في ترشيد أنظمة الحكم، سنحاول عبر المحور الموالي أن نتطرق إلى المجتمع المدني في الجزائر، ثم نختتم الورقة البحثية بمحور يتناول دور المجتمع المدني  في التعديل الدستوري ومساهمته في الإصلاحات السياسية المعلن عنها في خطاب 15أفريل2001.                               ثانيا: المجتمع المدني في الجزائر(ظروف التأسيس،روافده)                                                        أ/ظروف التأسيس:
     
إن المجتمع المدني لم يعرف في العالم العربي-لاسيما-الجزائر إلا حديثا، حيث لم يبرز بشكل جلي وبصفة رسمية إلا مع الثمانينيات من القرن العشرين، ويدخل هذا بطبيعة الحال في نطاق تأثر الدولة بموجة الانتقال الديمقراطي، الأمر الذي دفع النظام السياسي إلى تبني سياسة الانفتاح، ومحاولة وضع اللبنات الأولى لعميلة التحول الديمقراطي.            قد ترجمت هذه الإرادة نحو التحول في شكل مخرجات رسمية قانونية، تمثلت أساسا في صدور أول دستور تعددي في فيفري1989، والذي أفرز بدوره ترسانة تشريعية ضخمة تتعلق بفتح الفضاء السياسي(الحركة الجمعوية، الأحزاب السياسية) أوما يصطلح عليه بالمجتمع المدني.
     
وعند الحديث عن المجتمع المدني يتبادر إلى ذهن كل باحث تحديد طرفي المعادلة؛ الطرف الأول يتمثل في الدولة(السلطة) من جهة، والطرف الثاني يتمثل في منظمات المجتمع المدني، لذلك فمن الضروري تفكيك العلاقة بين طرفي المعادلة.
إن علاقة المجتمع المدني بالدولة تختلف من دولة إلى دولة أخرى، ومن نظام سياسي إلى نظام سياسي آخر،فمن اليسير تحديد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني إذا كان النظام السياسي ديمقراطيا أو غير ديمقراطي، بالمقابل إذا كان النظام في بداية الانفراج الديمقراطي أو في المراحل الأولى من عملية التحول، هذا ما يفرض علينا فحص وتمحيص واقع ممارسة المجتمع المدني داخل بيئة النظام السياسي، نظرا لأن الأنظمة السياسية آخذة في طريقها نحو التحول تعمل على المزج في سلوكياتها بين الفعل السياسي الديمقراطي مرة، وبين الظواهر غير المعيارية حسب ديفيد ايستون أحيانا أخرى.
   
وقد تأثرت العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في الجزائر بالعوامل التالية:
-
طبيعة نظام الحكم في الجزائر؛ إذ يصنف هذا الأخير ضمن نمط الدولة النيوباتريمونيالية، والتي تقوم على نظام من القيم والعلاقات، يعتمدها هذا النظام ليحافظ على نفسه ويجددها، أين تسود فيها جميع الخصائص السلبية التي تشوه نمط الحكم وطريقة إدارة شؤون الدولة، ومن بين هذه الخصائص؛ انتشار مظاهر الرشوة والعصبوية، والزبونية السياسية، والجهوية والمحاباة.
-
تعرض النظام السياسي والمجتمع لأزمة متعددة الأبعاد والجوانب، منها أزمة الشرعية والتي كانت قائمة أساسا على تهميش المشاركة الشعبية، مما أدى إلى تعميق وتفاقم الأزمة السوسيو-اقتصادية، وأيضا أزمة المشاركة السياسية؛ أين عجزت فيها مؤسسات الدولة عن استيعاب كافة فواعل المجتمع المدني، وسيطرة مفهوم التعبئة بدل المشاركة في العملية السياسية، وعلى مستوى آخر نجد أن النظام السياسي تعرض لأزمة هوية التي هددت كيان ووحدة المجتمع وانقسامه بين عربي وإسلامي وبربري، وأخيرا أزمة التوزيع؛ حيث تتمثل في توزيع الموارد والمنافع المادية وكذا توزيع عوائد التنمية.
-
ضعف الاستقلالية المالية لمنظمات المجتمع المدني، فأغلب الهبات والأغلفة المالية لمؤسسات القطاع الثالث ليست ذاتية نابعة من السياسة المالية لها، وإنما خارجية تابعة لدعم الدولة من جهة، وامتداداتها الخارجية من جهة ثانية، ويتضح ذلك جليا من خلال القيود المفروضة من طرف المشرع الجزائري(قانون الجمعيات)، والذي يحد بدوره من حرية منظمات المجتمع المدني في جمع التبرعات والمساعدات المالية المحلية والدولية، الأمر الذي يؤدي إلى الارتماء في أحضان السلطة، حيث تصبح كأداة تابعة وتتحول إلى وكالة تجارية تسوق سلع النظام.   - التخندق اللاإرادي لمنظمات المجتمع في إطار السياسات المقررة من طرف دوائر النظام، نتيجة التضييق الممنهج الممارس من قبل السلطة، مما أكسبها قدرة كبيرة على التدخل في أشغال ونشاطات المجتمع المدني، والتأثير في قراراتها، حيث تستخدم الدولة أدوات سياسية وقانونية واقتصادية متنوعة، من أجل الحد من فعالية وفاعلية فواعل المجتمع المدني، إلى أن وصلت الدرجة لا يمكنه تهديد مصالح الدولة وقراراتها وسياساتها.          - ضعف المجتمع المدني مقابل هيمنة وتحكم الدولة، مما أضفى عليه ميزة التقابلية، أي مجتمع مدني مقابل للدولة، وليس مجتمع مدني متعايش مع الدولة، أي إسقاط فكرة التشاركية في صياغة السياسة العامة للدولة، والمساهمة في الإصلاح السياسي ومنه الاقتصادي والاجتماعي، ويستند في تبرير ضعف مؤسسات المجتمع المدني إلى. أولا: سياسة الاحتواء والابتلاع المعتمدة من الدولة، ثانيا:هشاشة تكوين منظمات المجتمع المدني مما يجعله سهل الاختراق والانصهار بشكل كلاني في فلك أفكر السلطة.
   
إن العوامل السابقة، تعبر بشكل أو بآخر عن ضبابية وتعقد العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، وهذا مرتبط أساسا-كما سبق وأن أشرت- إلى تزامن نشوء وتشكل المجتمع المدني في الجزائر بمرحلة الانتقال الديمقراطي، الأمر الذي ينجم عنه تحرير الفعل المدني لمختلف المؤسسات تارة، والتدخل توجيه النشاط تارة أخرى.
ب/روافد المجتمع المدني في الجزائر: بصدور دستور23فيفري1989، والذي جاء على إثر تدهور الأوضاع السوسيو-اقتصادية والسياسية. حيث تضمن القانون الأساسي للدولة وجوبية التكيف مع متطلبات التحول السياسي نحو منظومة القيم الديمقراطية، فبموجب هذا الدستور تم الانتقال من نظام سياسي أحادي إلى نظام سياسي تعددي، حيث يتخذ هذا الأخير  من المجتمع المدني آلية جوهرانية في عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وقبل تناول علاقة المجتمع المدني بالدولة، ارتأيت أن أتفحص روافد ومكونات المجتمع المدني المتمثلة أساسا في الأحزاب السياسية،والحركة الجمعوية، والإعلام.
الرافد الأول: الأحزاب السياسية والانفتاح المقيد: يرجع ظهور الأحزاب السياسية داخل الفضاء السياسي بصفة رسمية وقانونية إلى تاريخ مفصلي بالضبط فيفري1989، أين نص هذا الأخير على تعدد الأحزاب والخروج من نمط الأحادية الحزبية، فالدولة أثناء تلك المرحلة انتهجت سبيل الانفتاح السياسي ومحاولة إرساء نظام سياسي يتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية للتحول الديمقراطي، غير أن هذا الانفتاح بقي شكلاني وموجه عن قرب(تحت العين الحارسة للنظام)، وكذا هو تحول معتور وغير متين نحو البناء الديمقراطي  لمنظومة الحكم، نظرا للأزمة المتعددة الزوايا التي كادت أن تعصف بكيان الدولة آنذاك. لذلك برزت في الأفق بوادر تزيد من هامش الحريات(فتح المجال لتأسيس الأحزاب)، ويتضح ذلك من خلال المادة40 من دستور1989 التي تنص على إن حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به ولا يمكن التذرع بهذا الحق لضرب الحريات الأساسية والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقلال البلاد وسيادة الشعب .
     
كما جاء دستورنوفمبر1996 ليوضح أكثر ويحدد معالم وحدود الظاهرة الحزبية، حيث ميز بينها وبين الجمعيات ذات الطابع السياسي، غير أن المشرع الجزائري على هذا المستوى تعامل مع الظاهرة الحزبية بريبة وتوجس شديدين، فتشديد شروط تكوين الأحزاب وتعقيد إجراءات طلب التأسيس والاعتماد مقارنة بدستور1989 لدليل ساطع على ذلك.وهذا كان له بالغ الأثر  على تراجع عدد الأحزاب السياسية إلى25 حزب بعد مطابقتها للقانون العضوي المتعلق بالأحزاب رقم97/09 لاسيما المادة 42منه.                                                                        والنتيجة التي تسترعي الانتباه في هذا الشأن، أن فتح المجال أمام التعددية الحزبية لا يعبر بشكل حقيقي عن إرادة سياسية ناضجة للتحول بطريقة سلسة وسلمية نحو الديمقراطية، فبالرغم من أن دستور1989 وضع اللبنة الأولى للتداول والانفتاح، وكذا دستور1996 الذي ميز بشكل ايجابي بين الحزب والجمعية ذات الطابع السياسي، فقد اتضح من الممارسة السياسية للنظام رفضه لآلية الانفتاح الصحيح.
الرافد الثاني:الحركة الجمعوية: قد وسع القانون رقم90/31 من فرص تأسيس الجمعيات في مختلف المجالات المهنية والثقافية والدينية والرياضية، حيث كان له الأثر الواضح في تطور عدد الجمعيات، أين بلغ 58000سنة2001 و7500سنة2003و78000سنة2005و8100
0سنة2008، وبذلك احتلت الجزائر الصدارة في الوطن العربي من حيث الترسانة العددية للحركة الجمعوية.
     
الرافد الثالث: الإعلام(السلطة الرابعة): بمجرد الحديث عن قطاع الإعلام في الجزائر، فإننا نقصد من وراء ذلك الإعلام المكتوب فقط، لأن وسائل الإعلام الثقيل بقيت حكرا على الدولة، بالمقابل نجد معظم دول العالم الديمقراطي فتحت الفضاء السمعي البصري للقطاع الخاص، أين أضحى الإعلام الخاص يؤدي دورا مهما في صياغة السياسة العامة للدولة، والمساهمة في تنشئة وتوعية المواطن سياسيا، وذلك من خلال العمل على ردم وتقليص الفجوة بين الحاكم والمحكوم.
 
وقد كان لقانون الإعلام الصادر سنة1990 بائن الأثر وبصفة ايجابية في تطور الإعلام على المستويين الإقليمي والمحلي، خاصة الإعلام في شقه المكتوب،حيث بلغ العدد الهائل للصحافة المكتوبة سقفا معتبرا، فنجد مثلا(400الف نسخة لجريدة الخبرو500الف نسخة لجريدة الشروق و150الف نسخة لجريدة البلاد و150الف نسخة لجريدة الوطن و200الف نسخة لجريدة يومية وهران).
     
ومنه نستنتج، على الرغم من العدد المعتبر والتطور المتسارع والمضطرد لروافد المجتمع المدني، فإنه لا يعكس المسؤولية المنوطة به على المستوى الأفقي وتغلغله في عمق القواعد النضالية، نظرا لأخذه صفة الرسمية الدولاتية أكثر منه سوسيو-سياسية ملحة تزيد من دمقرطة النظام والحياة السياسية، والحد من تعسف السلطة في تعميم النظرة وفلسفة السلطة في إدارة شؤون الحكم، بمعنى أن المجتمع المدني في الجزائر انتقل من هيمنة الحزب الواحد في ظل الأحادية الحزبية إلى هيمنة السلطة في ظل التعددية الحزبية.
ثالثا:المجتمع المدني ودوره في التعديل الدستوري: مقاربة تشاركية.
     
إن التعديل الدستوري مسألة مقترنة في صلبها بالنسق العام للنظام السياسي، فهي تمس عمق النسق الدستوري القائم والسياسي أيضا بالدولة، وتسمح كذلك بتغيير ميزان التأثير الناظم لعلاقة طرفي المعادلة التعديلية، والتي تتضح بدورها من خلال إفرازات دور الأحزاب السياسية وفواعل المجتمع المدني، باعتباره رافعة ودعامة لباقي المؤسسات من جهة، ودوره في الحراك الاجتماعي والسياسي، والاقتصادي من جهة أخرى، وكذلك قدرته على المساهمة بشكل فاعل في التطورات الدستورية في إطار إعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع.
   
وقبل الخوض في عرض دور المجتمع المدني في التعديل الدستوري، وجدت من الضرورة الإشارة ولو بصفة موجزة لمفهوم التعديل الدستوري.
تعريف التعديل الدستوري:إن التعديل الدستوري يعبر عن تغيير جزئي أو كلي شامل في أحكام الدستور، سواء بإلغاء بعضها أو إضافة أحكام أخرى، والإلغاء الكلي لا يعبر بشكل أو بآخر عن تعديل الدستور، بل يشير إلى تأسيس ووضع دستور جديد. لذلك فالإلغاء يكون إما قانونيا، وبحسب الآلية التي ينص عليها الدستور، وإما يكون سياسيا عن طريق الظواهر غير المعيارية كالثورة والانقلاب والتمرد.
فمن هذا المنطلق، تنتهي القاعدة الدستورية، بأحد السبيلين: التعديل أو الإلغاء.
أ/ انتهاء القاعدة الدستورية عن طريق التعديل: عند تقرير تعديل الدستور فإن ذلك يعني تحديد الجهة التي تقع عليها مسؤولية التعديل، أي أن سلطة التعديل تقر بوجود سلطة مؤسسة أولى مهامها إقامة الدولة عبر إقامة الدستور. غير أن هذا يؤدي إلى عدم تقيد السلطة بالدستور، وترى نفسها أعلى من الدستور باعتبارها منشئة له. لذلك فبعد وضع الدستور من قبل الأمة، ينص في جوهره على إمكانية تعديل القاعدة الدستورية بوساطة سلطة أخرى منبثقة عن السلطة المؤسسة، حيث تؤدي عملها بمقتضى التعديل.
ب/ انتهاء القاعدة الدستورية بإلغاء الدستور: إن الإلغاء الكلي للدستور يكون أكثر انسجاما في حالة حدوثه، عندما لا تقوم الجهة نفسها التي وضعته بإلغائه كليا، ويلغى بطريقتين:
-
الطريقة القانونية: وفق هذه الطريقة، الدساتير المرنة لا تحتاج إلى إجراءات معينة للإلغاء والتعديل، عكس الدساتير الجامدة التي تحتاج إلى إجراءات محددة وقابليتها للتعقد.
-
الطريقة السياسية: يتم تعديل أو إلغاء الدستور كليا، ليس بوسائل ينص عليها الدستور، وإما بوسيلة يتم اللجوء إليها عنوة لإلغاء الدستور ووضع دستور آخر، وعادة عن طريق الثورة والانقلاب.
     
ولحلحلة دور المجتمع المدني في هندسة الدستور من منظور مشاركاتي، وجدت أنه من الضروري الإشارة إلى أن الحراك الجيوسياسي العربي كان له أثر واضع على توجهات دائرة صنع القرار بالجزائر، أين راحت أغلب فواعل القطاع الثالث إلى المطالبة بتغيير القوانين ومباشرة إصلاحات عميقة تشمل الشق البنائي للنظام وكذا الشق الوظيفي للسلطة. وقد أدرك النظام السياسي ضرورة التغيير والإصلاح السياسيين، فمن خلال إشراك مؤسسات المجتمع المدني ومدركات النظام لحتمية التغيير، تجدر بنا التطرق إلى ما جاء به خطاب رئيس الجمهورية ليوم15أفريل2011،وكذا الجلسات والورشات المنظمة من طرف المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي مع مختلف أطياف المجتمع المدني.              1/فحوى خطاب رئيس الجمهورية:
أ/إعادة صياغة العدة التشريعية: بعد تجربة التعددية والانفتاح السياسي والاقتصادي سنة1989، آثرت الإرادة السياسية بالجزائر إلى تصحيح مسار التحول دون التخلي و المساس بالخيار الديمقراطي. وقد جاء في هذا السياق خطاب رئيس الجمهورية يحرص فيه على توسيع فضاء المشاركة السياسية أمام مختلف القوى الاجتماعية من أجل تعميق الخيار الديمقراطي، وذلك باعتماد برلمان تعددي حقيقي مشكل من أغلبية مؤيدة أو معارضة. ولهذا سيكون مشروع الإصلاح دون هدف محدد إذا لم يشمل إعادة النظر في الترسانة التشريعية، بإحداث تعديلات في قوانين الإعلام، والأحزاب، والانتخاب والجمعيات وتقويمها.
-
إصلاح القانون العضوي المتعلق بالانتخاب: يعد قانون الانتخاب الإطار  القانوني الذي ينظم ويؤطر الفعل الانتخابي،ونظام الحكم في الجزائر تعاقبت عليه عدة أنماط من النظم الانتخابية(نظام الأغلبية، نظام التمثيل النسبي، والنظام المختلط). وما يلفت النظر في هذا المجال،ضرورة التوقف والتأني في دراسة ما لكل نظام انتخابي وما عليه، من أجل الاختيار الرشيد والعقلاني لأفضل الأنماط وأحسنها في إدارة العمليتين السياسية والانتخابية.
-
إصلاح قانون الأحزاب السياسية: بموجب دستور1989تم وضع الأسس الأولى لنظام سياسي تعددي، حيث أفرزت الساحة السياسية مواليد سياسية(أحزاب وجمعيات ذات طابع سياسي) وكان عدها معتبرا، غير أن الكثير منها استقال من الفضاء السياسي نتيجة لقانون الأحزاب الصادر سنة1997، أين تدخلت المؤسسة القضائية وحلت الكثير منها بحجة عدم قدرتها على التكيف والتأقلم مع الأحكام الجديدة للقانون. وبعد سنة1997 تقدمت العديد من الهيئات والشخصيات السياسية من أجل اعتماد أحزاب جديدة، إلا أنها قوبلت بالرفض من طرف الهيئة المخولة دستوريا بذلك(وزارة الداخلية).أما الفكرة التي تسترعي الانتباه من خلال خطاب رئيس الجمهورية، هو أن مراجعة قانون الأحزاب السياسية،قصد السماح للمعارضة بالنشاط السياسي باعتباره حق مكفول دستوريا والقانون لا يمنع من تأسيس أحزاب لتلك الأغراض.
-
دعم فضاء السمعي البصري: تصمن الخطاب تثمين حرية الصحافة والإعلام، وكذا توسيع الفضاء الإعلامي وإعادة النظر في صياغة السياسة الإعلامية، لتتلاءم أكثر مع بيئة النظام التعددي الديمقراطي، فضلا عن وضع مدونة لأخلاقيات الصحافة والإعلام.
-
توسيع التمثيل السياسي للمرأة: تم التأكيد على وضع آليات  تكفل ضمان تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة، والمشاركة بصفة فعالة في العملية السياسية.
-
توسيع فضاء نشاط الحركة الجمعوية: نظرا لما تتمتع به الحركة الجمعوية من أهمية قصوى في صنع القرار وترشيد سياسة الدولة، فقد أكد الخطاب على إعادة النظر في المنظومة البنائية-الوظيفية للحركة الجمعوية، وذلك بفتح المجال أمامها للمشاركة في تفعيل أجهزة الدولة ومحاربة الفساد والرشوة.هذا فضلا عن تكييف قانون البلدية مع متغيرات الديمقراطية من أجل تفعيل الحكم الراشد المحلي، وتنظيم الفعل  التشاركي للمواطن في صنع القرار والتنمية المحلية.      ب/تعديل الدستور: إن دستور نوفمبر 1996 يعتبر حسب بعض السياسيين والأكاديميين  دستور أزمة ، لذلك كانت من البداية الإرادة السياسية تنوه إلى ضرورة تعديله جوهرانيا، وفعلا كان ذلك سنة 2008، ومن وجهة نظر السلطة بعد تعديل جزئي كخطوة تستتبعها تعديلات قادمة أشمل وأعمق، والمسوغ المقدم في هذا الشأن هو أن دستور الأزمة لم يشرك فيه الشعب وفواعل المجتمع المدني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
   
وتم التركيز من طرف رئيس الجمهورية، على مراجعة دستورية عميقة، دون أن تمس بثوابت الأمة.            2/مظاهر الفعل التشاركي للمجتمع المدني في عملية الإصلاحات السياسية:                                            - تنظيم جلسات استشارة موسعة لإجراء التعديل، أين تم فيها تعيين لجنة تقنية من طرف رئيس الجمهوريـة لمراجعة الدستور، وجملة الإصلاحات التشريعية المنتظرة.
   
وتتشكل لجنة المشاورات من عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة والجنرال محمد تواتي والمستشار بوغازي، وتتولى هذه الهيئة تنظيم جلسات الاستماع للأحزاب السياسية ومختلف فعاليات ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات السياسية والوطنية *، هذا من أجل المراجعة العميقة للدستور، حيث لا يقتصر الأمر على الجانب الشكلي منه، بل يتعداه إلى النصوص المتعددة ذات الصلة المباشرة بالممارسة الديمقراطية وترقية الحريات، والتي تنطوي بدورها على إصلاح النظام الانتخابي وقانون الأحزاب السياسية، وتوسيع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة، وتفعيل الحركة الجمهورية، وإصلاح قانون الولاية وقانون الإعلام، فضلا عن دراسة قانون حالات التنافي مع العهدة البرلمانية.     وفي هذا السياق طالبت الهيئة مباشرة من فواعل المجتمع المدني بتقديم عروض ومذكرات مكتوبة، تتعلق أساسا  باقتراح تعديلات تمس المنظومة الدستورانية، باعتبار الدستور هو حجر الزاوية مقارنة ببقية المشاريع. وكذا توسيع الاستشارة لتشمل كافة أطراف الطبقة السياسية والمجتمع المدني قصد إثراء المنظومة التشريعية المكرسة للإصلاحات.
-
تكليف المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي بتنظيم جلسات استماع وحوار مباشرة مع مؤسسات المجتمع المدني، من أجل الحفاظ على حركيته وتعزيز العلاقة الاجتماعية بين مفاصله، فضلا عن البحث في السبل والآليات اللازمة التي سوف تجسد التوصيات المنبثقة عن الإصلاحات.
     
وقد تم خلال الجلسات العلنية المنعقدة بين المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني، التطرق إلى مسألة الإصلاحات عبر خمس ورشات مركزية تتمثل فيما يلي:
الورشة الأولى: من أجل نظام جديد للنمو، وجهات نظر للشركاء الاجتماعيين وتناولت:
الدروس المستخلصة من تجارب 45 سنة من التنمية.
الرهانات والتحديات الراهنة.
اقتراح نموذج جديد للتنمية.
الورشة الثانية: أنظمة الحماية الاجتماعية والتضامن الوطني، شروط ضمانها وديمومتها .                           الورشة الثالثة: من أجل حكم متجدد، حوار اجتماعي، ديمقراطية تشاركية، وتناولت:
الحكم وفق المعايير التي وضعتها المنظمات الدولية.
الحكم المتجدد وفق الآلية الأفريقية للتقييم من قبل النظراء.
إصلاح الحوار الاجتماعي للمؤسسات.
تفعيل الديمقراطية التشاركية.
الورشة الرابعة: من أجل تكفل حقيقي بإشكالية الشباب، أشكال التعبير والتنظيم، قنوات الحوار وتحديث السياسات العمومية.
 
الورشة الخامسة: تعزيز وتنظيم دور المجتمع المدني: وتم فيها التأكيد على الأهمية البالغة للمجتمع المدني ودوره في عملية الإصلاح وذلك بتفعيل أطراف معادلة التغيير في المجتمع ومن قبل المجتمع ولأجل المجتمع، من خلال صياغة علاقة ترافقية توافقية بين قاعدة الهرم الاجتماعي والدولة، في إطار مقاربة الديمقراطية التشاركية ، والتي تهدف من خلالها إلى التكيف ومسايرة المتغيرات الإقليمية والدولية لنمط الحكامة الجديد المتضمن المعايير الموضوعة من طرف المنظمات الدولية.
خاتمة:
وصفوة القول، من خلال ما تم التطرق إليه عبر صفحات هذه الورقة البحثية الموجزة المتضمنة لتحليل دور المجتمع المدني في التعديل الدستوري، فإنه وعلى الرغم من أثره الواضح نظريا وواقعيا في المساهمة في بناء الدولة تصاعديا لاسيما على مستوى الأنظمة الديمقراطية، غير أنه يبقى مقيد بمجموعة من القيود البنيوية المميزة للدول ذات  الأنظمة التسلطية. لذلك يجب توضيح جيدا طبيعة العلاقة جيدا التي تحكم طريقة تفاعل الدولة بالمجتمع المدني، من أجل التأسيس لثقافة دستورية ممأسسة على التكامل والتنسيق وليس الخضوع والابتلاع.
 
هوامش المداخلة:
1-
نصر محمد عارف، ابستمولوجيا السياسة المقارنة.ط1.(بيروت:المؤسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،2002).ص325.
2-
عنصر العياشي، المجتمع المدني الواقع والمفهوم-الجزائر أنموذجا-، للإطلاع انظر الموقع:
www.transparency.org.kw.au-ti.
org/.../608.pdf
3-
أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي.ط1.(بيروت:مركزدراسات الوحدة العربية،2000).ص20.
4-
ربيع وهبة، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني.ط1.(القاهرة:المجلس الأعلى للثقافة،2003).ص19.
5-
أحمد شكر الصبيحي، مرجع سابق،ص22.
6-
المرجع نفسه، ص23.
7-
عبد الغفار شكر ومحمد مورو، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية.ط1.(دمشق:دار الفكر،2003).ص41.
8-
محمد عابد الجابري، إشكالية الديمقراطية والمجتمع في الوطن العربي.المستقبل العربي 167،جانفي1993(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية).ص05.
9-
سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في مصر.(القاهرة:دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،2000).ص13.
10-
أحمد شكر الصبيحي، مرجع سابق، ص ص 32-33.
11-
زهير عبد الكريم الكايد، الحكمانية قضايا وتطبيقات.(القاهرة:المنطمة العربية للتنمية الادارية،2003).ص48.
12-
محمد قدوسي، الدولة وطاهرة النيوباتريمونيالية في الجزائر بعددستور1989-استمرارية،تطور أم تقطعات.مجلة علوم انسانية36. 2008. http://www.ulum.nl
13-
أزروال يوسف، الحكم الراشد بين الأسس النظرية وآليات التطبيق-دراسة في واقع التجربة الجزائرية-(مذكرة ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية،جامعة باتنة2009).ص ص96-97.
14-
الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور نوفمبر1996، العدد76. 08/02/1996.
15-
جريدة اليوم،14جوان2008.العدد2478.
16-
عبد الرزاق مقري، التحول الديمقراطي في الجزائر-رؤية ميدانية-
http://hmsalgeria.net/
download/tahawol-dimokrat-algeria.pdf
17-
ثامر كامل محمد الخزرجي، النظم السياسية الحديثة والسياسات العامة.ط1.(الأردن:دار مجدلاوي للنشر والتوزيع،2004).ص292.
18-
المرجع نفسه، ص293.
*
في هذا الصدد تم استشارة أكثر من241شخصية وطنية، حزبية وجمعوية في جلسات دامت ما يقارب45يوم (جريدة الفجر15أفريل 2012).
19-
خطاب رئيس الجمهورية موجه إلى الأمة،15أفريل2011.
www.el-mouradia.dz/arabe/
president/recherche/recherche.html.
20-
جلسات الحوار والاجتماع المنظمة من طرف المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي مع منظمات المجتمع المدني على الموقع التالي: http://www.cnes-forum-civil.
dz/Atelier01-Ar.doc
http://www.cnes-forum-civil.
dz/Atelier02-Ar.doc 21-
http://www.cnes-forum-civil.
dz/Atelier03-Ar.doc 22-
http://www.cnes-forum-civil.
dz/Atelier04-Ar.doc23-
http://www.cnes-forum-civil.
dz/Atelier05-Ar.doc24-