الحكم الراشد كآلية للإصلاح و الحد من الفساد لتقليل من ظاهرة الفقر : دراسة حالة الجزائر

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

ملخص :

تهدف الدراسة إلى تحليل الاستراتيجيات الحديثة التي يعتمدها الحكم الراشد في السير الحسن للمصالح والمؤسسات وشؤون الأفراد ،للحد من الفساد بغيت التقليل من ظاهرة الفقر التي أصبحت منتشرة على الرغم من الجهود الرامية إلى تخفيف حدت الظاهرة ، و في هذه الدراسة تم توجيه سببية التفاقم إلى تفشي مظاهر الفساد الذي بدوره له أثار سلبية على الحكومات و المؤسسات المحلية و الدولية ، و المجتمع  المدني و الفرد، كونه مصدر قلق متزايد إزاء ما ينجم عنه من إنعكاسات مدمرة للنمو والتنمية،و عليه تكاثفت الجهود الرامية إلى الإصلاح السياسي و الاقتصادي لأجل الحد من الفساد.

الكلمات المفتاحية : الحكم الراشد ، الإصلاح ، الفساد ، التمكين ، الفقر .

Abstract:
The study aims to analyze the modern strategies adopted by the good governance in the good conduct of the interests, institutions and individuals to reduce corruption in order to reduce the phenomenon of poverty which has become widespread despite the efforts to mitigate the phenomenon. In this study, Corruption, which in turn has a negative impact on governments, local and international institutions, civil society and the individual, is a growing concern for the devastating consequences of growth and development. Efforts to reform political and economic efforts are curbed to curb corruption.


Keywords: Governance, Reform, Corruption, Empowerment, Poverty.

مقدمة:

إن تزايد المطالب للإصلاح و التغيير و إرساء مبادئ النزاهة و المساءلة و الشفافية و القضاء على كل الممارسات و السلوكيات الفاسدة التي تتغلغل في كافة جوانب الحياة،يقتضي ضرورة تبني إستراتيجية واضحة المعالم تقوم على الشمولية و التكامل يشارك في تطبيقها جميع المعنيين من الحكومة و المجتمع المدني والقطاع الخاص وحتى المواطنين و الفقراء أنفسهم،حيث يشترط لنجاحها توفر الارادة السياسية و وعي جماهيري كبير بخطورة الظاهرة وإنعكاساتها السلبية على مشاريع التنمية المستدامة و على حقوق الاجيال الحالية و المستقبلية و على الفقراء والمحرومين .

و في السياق نفسه تلعب المؤسسات الدولية دوراً هاماً في تحديد مقاييس الفساد و مكافحته بناءاً على ترويج مبادئ الحكم الراشد عن طريق السياسات و البرامج المعـــــــــــــدة خصيصا لذلك،و إلى جانب الاستراتيجية القاضية بالحد من الفقر ،فتطبيق إستراتيجية فعالة لمكافحة الفساد و تطبيقها بشكل جيد من قبل السلطات وإنطلاقا من المقومات الاساسية للحكم الراشد ،تكون لها دور فعال في إرساء مبادئ و قواعد التنمية المستدامة ومنه الحد من الفقر .

و في هذا الشأن فإن الجهود الرامية إلى محاربة الفقر و دفع عملية التنمية قد تؤول إلى فشل إن لم تدعم بآليات الحكم الراشد و محاربة الفساد.

و  عليه ستحاول الدراسة الإجابة على الاشكالية التالية :

فكيف يمكن تفعيل الحكم الراشد كآلية للإصلاح و الحد من الفساد لتقيل من ظاهرة الفقر ، بما يساهم في توفير سبل التمكين و الحصول على الحقوق ؟

و للإجابة على الاشكالية المطروحة تنطلق الدراسة من فرضية مفادها:

- يمكن محاربة الفساد لتقليل من ظاهرة الفقر من خلال تفعيل مبادئ الحكم الراشد و تكثيف جهود الإصلاح .

- تقوم الجزائر بإصلاحات على مستويات عدة سياسية و إقتصادية من أجل مكافحة الفساد و تحقيق الاهداف التنموية لتقليل من معدلات الفقر .

و من هذا المنطلق تستمد الدراسة أهميتها من التصاعد الحاد لمشكلة الفساد و الذي بدوره أثر على الفقر وزيادة معدلاته،و تأثيره المباشر على الحالة المعيشية للفرد،إلى جانب تعدد الاسباب الحقيقية وراء تفاقم الظاهرة وإرتباطها بمشاكل توزيعية في العديد من البلدان،فهي تختلف حسب البيئة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية لكل دولة،و مع غياب الحسم في إيجاد تسوية لها في ظل عدم التوافق على صيغ لمعالجة مثل هذه القضايا.

و بهذا الصدد سوف سنحاول التعرف على الفساد و الجهود المبذولة للقضاء عليه من خلال الاتفاقيات المبرمة في هذا الشأن،و من ثم تبيان دور الحكم الراشد في الحد من الفساد ،عن طريق تفعيل فرص الاصلاح والقضاء على الظاهرة الخطيرة لتقليل من الفقر .

أولا - مفهوم الفساد :

تعد ظاهرة الفساد ظاهرة مرضية خطيرة موجودة في كل المجتمعات على إختلافها ولكن بدرجات متفاوتة،بحسب الخصوصية الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات ،حيث أرجع الخبراء سبب فشل المشاريع التنموية في بلدان العالم و البلدان النامية خاصة ،إلى استفحال و تفشي الفساد بمختلف أشكاله كأهم وجه من أوجه غياب الحكم الراشد و الذي أدى إلى سوء تسيير الموارد المتاحة و التخفيض من الكفاءة و الفعالية الاستخدامية لها،بالإضافة إلى التأثير سلباً على العدالة التوزيعية،و تردي الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية ، وهذا ما يهدد التنمية المستدامة للفئات الفقيرة و المهمشة و يرهن مستقبل الاجيال المقبلة.

و على الرغم من تعدد التعريفات للظاهرة فهناك عدم اتفاق بين الكتاب و الباحثين و الاكاديميين على تعريف موحد لمفهوم الفساد رغم إتفاق الجميع على أن الفساد ظاهرة واسعة الانتشار لا تقتصر على مجتمع دون آخر أو ثقافة دون غيرها.

فقد تعددت مصطلحات المفهوم في أكثر من لغة ،أشار إليه إبن منظور في لسان العرب في باب فسد على أن الفساد هو نقيض الصلح،و تفاسد القوم تدابروا و قطعوا الارحام و المفسدة خلاف المصلحة([1]) .

كما أشير لمفهوم الفساد في أكثر من مصطلح في اللغة الفرنسية ، فهو مرادف : تدهور و سوء الاوضاع،الاتلاف ،التخريب،رشوة الموظفين،إفساد السلوكيات،التزييف،التزوير([2]).

كما إختلفت التعاريف إصطلاحا لمفهوم الفساد بإختلاف الاراء و الاتجاهات،فلقد تم تعريفه من قبل المنظمات الدولية كالأتي ([3]):

تعريف إتفاقية الأمم المتحدة للفساد " على انه التماس موظف عمومي أو قبوله بشكل مباشر أو غير مباشر ميزة غير مستحقة سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر؛لكي يقوم ذلك الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدى أدائه و واجباته الرسمية"

كما عرف  البنك الدولي الفساد على أنه " إساءة استعمال السلطة الوظيفة العامة للكسب الخاص ،      و الفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح مناقصة عامة،كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء الشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على المنافسين و تحقيق أرباح خارج إطار القوانين المنظمة للعمل " .

و في سياق إعداد البنك الدولي إستراتيجية لمكافحة الفساد استقر على تعريف مباشر هو" إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص " و حسب البنك تتم الاساءة لاستخدام المناصب العامة لتحقيق مكاسب خاصة عندما يقبل المسؤول الرشوة ، و عندما يقدم رشاوى لأشخاص أو وكالات خاصة بهدف التحايل على السياسات العامة و تجاوز معايير التنافسية لتحقيق أرباح ، كذلك يمكن إساءة إستخدام المناصب العامة لتحقيق مكاسب حتى دون رشوة،من خلال المحسوبية و محاباة الاقارب،و سرقة أصول الدولة،أو تحويل إيرادات الدولة .

في حين ذهب صندوق النقد الدولي ليقدم مفهوم خاص بالفساد ليراه بأنه يعبر "عن العلاقة الايدي الطويلة المتعمدة التي تهدف للإستفادة من هذا السلوك لشخص واحد أو مجموعة ذات علاقة بالآخرين،كما يميز بين حالتين من الفساد،الاولى تتم بقبض الرشوة عند تقديم الخدمة الاعتيادية المشروعة و المقررة،أما الحالة الثانية فتتمثل في قيام الموظف بتأمين خدمات غير مشروعة و غير منصوص عليها و مخالفة القانون مقابل تقاضي الرشوة كإفشاء معلومات سرية،أو إعطاء تراخيص غير مبررة أو القيام بتسهيلات ضريبية إتمام صفقات غير شرعية و غيرها من التعاملات غير القانونية التي يحصل مقابلها المرتشي على مبالغ و مردودات مادية مقابل تسهيلاته التي يقدمها".

أما منظمة الشفافية العالمية فتعرف الفساد على أنه "إساءة إستعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص([4]) بشكل مباشر أو غير مباشر لتحقيق أغراض شخصية مستندة إلى المحسوبية".

أما الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد فقدمت النهج العملي في تعريفها للفساد حيث حددت بوضوح الحــــالات التي يترجـــــم فيها الفساد إلى ممارسات فعلية على أرض الواقــــع سواء في القـــــطاع العــــام أو الخــــاص       و هي : غسيل الاموال،رشوة الموظف العام الوطني،رشوة الموظف العام الاجنبي،إساءة إستغلال الوظائف،المتاجرة بالنفوذ ،الإثراء غير المشروع ،الرشوة في القطاع الخاص، إختلاس الممتلكات ، غسل العائدات الاجرامية،الاخفاء و التستر،إعاقة سير العدالة .

و إنطلاقا من هذه التعاريف يمكن تعريف الفساد بتداخل كل المكونات و الأطراف التي تقدم أو تطلب خدمات من قطاع عام وخاص على أن الفساد" هو سوء استخدام الوظيفة أو المنصب لتحقيق غايات شخصية و منافع خاصة سواء في القطاع العام أو الخاص،حيث يخل الموظف بواجبات وظيفته أو يقوم بأعمال محرمة عليه عن قصد رغم علمه بتعليمات عمله"([5]).

 و تجمع أدبيات التنمية و مكافحة الفساد على الآثار الفادحة للفساد على النمو،و كذا جودة البنى التحتية و الخدمات العامة،و تركيز الثروات الناتجة عن الفساد دون توظيفها في القطاعات الضرورية،مثل التعليم والصحة، أو توفير فرص العمل ،و زيادة الاسعار ،إذ ينقل رجال الاعمال عبء الرشا التي يدفعونها إلى المستهلك،وتشير تقديرات معهد البنك الدولي إلى أنه يتم دفع ما يزيد على ألف مليار دولار أمريكي سنوياً كرشا أي ما يزيد على 3 % من دخل العالم عام 2002،و كان من الممكن لهذه الاموال أن تحدث فرقاً في جهود الدول من أجل زيادة الاستثمار و المشاريع التنموية و محاربة الفقر و ضمان التنمية المستدامة لو تم توظيفها بطرق السوية([6]).

فضلا عن ذلك ما اثبتته أدبيات برنامج الامم المتحدة الانمائي على أنه هناك علاقة تبادلية بين الفساد والفقر([7])،إذ يزيد الفساد من جراء الفقر من خلال إعاقته للنمو الذي يؤثر بدوره على مستويات الفقر من ناحية ،كما يؤثر الفساد على الفقر عن طريق التأثير على عوامل الحكم الراشد ،من خلال إضعاف المؤسسات السياسية و مشاركة المواطنين و تخفيض جودة الخدمات و البنى الحكومية،مما يؤثر بدوره على مستويات الفقر.

و من أهم مؤشرات القياس هناك عدد من المؤسسات على مستوى العالم تهتم بقياس ظاهرة الفساد من خلال تطوير مؤشرات كمية ، تستند في معظمها على إستقصاء آراء الخبراء عن إ،طباعاتهم،من واقع ممارستهم العملية ، حول مدى تفشي ظاهرة الفساد في مختلف الدول،و تشمل أشهر المؤشرات المستخدمة في الادبيات التطبيقية على مؤشر الفساد الذي تصدره مجموعة خدمات المخاطر السياسية ، و مؤشر الفساد الذي تصدره مؤسسة الشفافية العالمية ، و مؤشر الفساد الذي يصدره البنك الدولي ضمن المؤشر المركب للحاكمية([8]) .

ثانيا- الحكم الراشد و الحد من الفساد :

إن الفساد هو نتاج مشكلة في الحكم،و فشل المؤسسات و عدم القدرة على إدارة المجتمع عن طريق نظم متوازنة من الضوابط و التوازنات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية ،و يزداد الفساد عندما تثبت الانظمة الرسمية و غير الرسمية عدم فعاليتها،مما يؤدي إلى تنفيذ السياسات بصعوبة أكثر([9]) ،فالاستعانة بالحكم الراشد وإرساء مبادئه لا سيما الشفافية و المساءلة و سيادة القانون و المشاركة الواسعة لمختلف منظمات المجتمع المدني والمواطنين ،هو بمثابة وقاية من الفساد و محاربته.

و على هذا الاساس سندرس محاربة هذه المعايير للفساد و أشكاله و أنواعه.

1 – الشفافية و الحد من الفساد : يعتبر معيار الشفافية الوسيلة الناجحة للمساهمة في الكشف عن نقاط الفساد المتفشي في المجتمع،كما أنها تؤدي إلى إدراك ما يحدث على جميع الارصدة السياسية و الاقتصادية والاجتماعية،و تمكن المواطنين من الاطلاع على تفاصيل تلك الحقائق و سياسات الحكومة المتعلقة بتسيير المال العام و توزيعه،عن طريق وسائل الاعلام المختلفة و التي إذا أتيحت لها الفرص عن التعبير بكل حرية تسهم في لعب دور هام في الكشف عن الفساد الحكومي و جرائم نهب المال العام و سرقته([10]) .

 و من أجل تعزيز مبدأ الشفافية للحد من الفساد المستعصي،ينبغي على الحكومة و المؤسسات التابعة لها أن تعمل على توفير قنوات الاتصال المفتوحة بين أصحاب المصلحة و المسؤولين،و أن تضع المعلومات في متناول الجميع من أفراد المجتمع و منظماته و قطاع خاص و عام لتتيح لهم الاطلاع المباشر و بسهولة على كافة العمليات و لاسيما القرارات المصيرية التي تخصهم.

2 – المساءلة و الحد من الفساد:المساءلة و المحاسبة هي آلية مهمة لمحاربة الفساد سواء على مستوى الحكومة أو المؤسسات التابعة لها،فمن خلالهما يمكن المحاسبة على الاعمال و فحص و تدقيق القرارات و كشف الحسابات،فالمسؤولون عن المؤسسات العامة و الخاصة مطالبون عند تفعيل هذه الالية للإجابة على أية تساؤلات يقدمها المواطنون و المستفيدون من الخدمة أو السلطات المختصة من مساءلة برلمانية و مساءلة قضائية و مساءلة الرأي العام للكشف عن النقائص في أداء الخدمة أو الفشل فيها أو عمليات الاختلاس أو غير ذلك .

3 – سيادة القانون و محاربة الفساد : إن تطبيق سيادة القانون على الجميع و كافة العمليات و المعاملات من شأنه أن يضع حداً لظاهرة الفساد،فهو الوسيلة و الاطار القانوني الصالح و الهيكل المؤسساتي الذي يطبق دون الاخذ  بالاعتبار كل أشكال المحسوبية و القرابة و المحاباة،فهو يعمل عند تفعيل الاليات الاخرى الكاشفة عن الفساد و خاصة المساءلة حتى يأتي دور المحاسبة على خرق القوانين أو إستعمالها في غير محلها لأغراض شخصية،و مثل ذلك الرشاوى المقدمة للموظفين و الاختلاسات المتكررة للمال العام،و لمحاربة هذه الظواهر الفاسدة يجب مواكبة القوانين و مراجعتها دوريا لفك الغموض الذي يكتنف النصوص القانونية ، حتى يتمكن من ردع أطراف المعاملة الفاسدة بتطبيق العقوبات الصارمة حتى ينخفض معدل حدوث الفساد،من دون مواجهة من قبل الحكومات و المعارضين السياسيين بصورة غير عادلة لتقف أمام الاجراءات العقابية و إخفاء الفساد المنتشر بين المسؤولين([11]) .

4 -  المشاركة و الحد من الفساد : يتوقف على إقرار و إنجاح كل السياسات العامة و منها سياسات مكافحة الفساد،مشاركة كل الاطياف و لاسيما منظمات المجتمع المدني من وسائل إعلام ، و جمعيات وطنية ، وأحزاب سياسية ،و لهذا يعتبر المجتمع المدني طرفا أساسيا و شريكا حيويا في خلق بيئة خالية من الفساد ، بتقديمها الدعم للجهات المختصة في الكشف عن مثل هذه الممارسات ،فهي تأثر على الحكومة من خلال الترويج للإصلاح الاقتصادي و الاجتماعي و المؤسساتي ([12]).

فمشاركة أطر المجتمع المدني من شأنه أن يؤدي أدوار مختلفة و هامة ،كتعزيز الشفافية و النزاهة و توفير ضوابط على الحكومة ،و من خلال مشاركته أيضا في صياغة السياسات العامة يحمي الحقوق و يقوي سيادة القانون والاحتكام إليه، فالمجتمع المدني يتمثل الدور المنوط به في توعية الجماهير و الضغط على الحكومة لتنفيذ الاصلاحات و كل هذه الادوار ترمي إلى محاربة الفساد.

ثالثا - تفعيل فرص الاصلاح و القضاء على الفساد:

في ظل التزايد المقلق في الاوساط الدولية من الكلفة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للفساد،ما دفع بالحكومات إلى تكثيف جهودها لتنفيذ إصلاحات فعالة و مستمرة،تزيد من التحلي بالشفافية و النزاهة وضبط الفساد ،عن طريق الاصلاح المؤسسي بهدف تحجيم ظاهرة الفساد و الحد من آثارها السلبية،في سبيل ذلك تعترف الادبيات المتخصصة بأن أهم مصادر الفساد و عواقبه لها طابع داخلي يتعلق بالدولة المتفشي فيها،و من ثم فإنه لابد من إتمام الاصلاحات الجوهرية على الصعيد الوطني،و تؤكد ذات الادبيات أن مصادر الفساد و أنوعه المحددة تتفاوت بشكل واسع فيما بين الدول و المجتمعات،مما يوجب على كل دولة أن تحدد أهم مصادر الظاهرة،ما يستدعي الاهتمام أكثر من غيرها.

و بالرغم من ذلك فإنه لابد لأي تحليل لسبل الاصلاح و علاج الظاهرة الخطيرة أن يبدأ بمصادره الاساسية العريضة المتمثلة في المنافسة الاقتصادية و السياسية المقيدة،و الاستتباب البيروقروطي المفرط ، و نقص الشفافية و الخضوع للمساءلة.

و في السياق ذاته ،هناك مجموعة من الحلول الاصلاحية التي ممكن أن تساهم بشكل إيجابي في الحد من الفساد و الاخطار الناجمة عنه و الضارة لكيان الدولة و المجتمع على حد سواء الجالبة لمشكلة التوزيع و تفاقم الفقر ،و التي يمكن حصرها في النقاط الاساسية التالية:

1 – إنشاء هيئات مستقلة للرقابة و مكافحة الفساد :

إتجهت الرؤئ إلى إنشاء هيئات تتمتع بالاستقلالية حتى يتسنى لها ممارسة الرقابة بكل ما خولت من أطر وتشريعات لمحاربة ظاهرة الفساد التي عانت منه الانسانية ، فعلى الرغم من الاثباتات العديدة لقصور الآليات الرقابية المتمثلة في الرقابة البرلمانية و الادارية في الاغراض المرجوة منها ، يكون من شأن هذا الانشاء هو الإفاء بالغرض الذي  يعد مطلبا أساسيا و هو الرقابة الدائمة على الفساد،من خلال تحقيق مبدأ سيادة القانون،بتفعيل دور السلطة التشريعية في مراقبة أعمال الحكومة و المؤسسات التابعة لها و حتى الموظفين العاملين تحت وصايتها، ووضع آليات رقابية من شأنها أن تراقب هذه الهيئة التشريعية نفسها ،منذ بداية التشكيل أي الانتخابات بمراقبة مصدر المال للمترشحين لشغل الدور التمثيلي الوطني على أحسن وجه دون إستخدام المال الفاسد للوصول إلى الأغراض الشخصية فهذا يؤدي إساءة إستعمال السلطة  .

فضلا إلى ممارسة الرقابة الادارية لدورها بشكل فعال ، من دون هيمنتها على مختلف الاجهزة و ذلك لاكتفائها بدروها دون الالتفاف على الادوار الاخرى ، لضمان عدم تداخل السلطات ، و ذلك لتسهيل الكشف عن جرائم الفساد.

و بما أن للرقابة القضائية دور و فعالية أكيدة لا تتأتى إلا في وجود قضاء مستقل،يكرس الثقة بين المواطن و هذه الهيئة الرقابية حتى يتسنى لكافة الناس دون تردد الابلاغ عن قضايا الفساد دون خشية رجال السلطة . وعلى هذا الاساس زادت الدعوة إلى تفعيل دور هذه الالية و إنشاء هيئات رقابية مستقلة عن أي سلطة أخرى، تتمتع بالاستقلال المؤسساتي الكامل،أي الإستقلال الاداري و المالي و في سلطة اتخاذ القرار.

2 – الحل الديمقراطي لمشكلة الفساد :

تعتبر الديمقراطية نظام الحكومة يشارك فيها جميع أفراد الشعب و كل الفئات،و يمكن أن تتخذ أشكالاً عدة تبعاً لاختلاف التجربة السياسية التي يعيشها المجتمع و تقاليده و ماضيه،في حين تبقى الانتخابات التعددية و النزيهة و الشفافة و العادلة هي الخيار لاحترام حقوق الانسان و توفير إمكانية محاسبة المفسدين و الحد من هذه الظاهرة المتفشية و الخطيرة ([13]).

ينجر عن  إقرار المبدأ الديمقراطي السلمي للسلطة و تداولها و ضع قيود على وجود حكومة دائمة           و على استمرار المعارضة دائمة،حيث يتم على إثر ذلك تبادل المناصب من فترة إلى أخرى انسجاما مع ما تأتي به الانتخابات الديمقراطية ، التي تجعل السلطة موزعة و متوازنة بدلاً من سيطرة فئة على إتخاذ القرار بشكل مستمر و دائم،و هذا يؤدي إلى محاربة الفساد و هذا النوع من التداول على السلطة يمنع أيضا تكوين شبكات الفساد بصورة كبيرة و معقدة .

كما تقوم المعارضة المتجددة و القوية و الفعالة بدور رقابي شفاف و متواصل و عملي،و هي تحصي أخطاء  الحكومة ، مما يدفع بهذه الاخيرة من منطلق صيانة الذات على تحسين أدائها حتى تظل حائزة على رضا المواطنين ([14])،و يعتبر هذا الشكل من أشكال الرقابة على الحكومة مساعداً على الحد من الفساد.

 هناك جانب آخر لدى تكريس الحل الديمقراطي،و هو تعزيز دور المجتمع المدني و الصحافة و الاعلام و كل المنظمات  الناشطة في المجتمع على إختلاف مجالاتها من المشاركة في وضع القرارات التي تجعلهم أكثر حرية في إبداء أرائهم و كشف المستور وهذا ما يساعد على محاربة الفساد .

3 – إصلاح الوظيفة العمومية:

 يتأتى الاصلاح المعول عليه في هذا الصدد من خلال العمل بمبدأ مساواة الجميع في تقلد الوظائف                    و الحصول على الفرص التي من شأنها أن تعطي لكل الفئات فرصة المشاركة و الحصول على شغل عن طريق الكفاءة،و يتحقق هذا من خلال مراجعة القوانين الخاصة بالتوظيف و تسهيل الاجراءات للكشف على كل التلاعبات التي تحدث، فضلا عن الامتيازات و برامج التأهيل  زيادة الرواتب لتمكن الموظفين من تحقيق مستوى معيشي يضمن العيش اللائق و الكريم و هذا يعكس جهوده و مثابرته في العمل و من ثم يوضع حد للفساد داخل الادارة ،فلقد أثبتت التجارب العملية أنه كلما كانت تكاليف المعيشة  مرتفعة عن الرواتب التي يتقاضها الموظفون يقود إلى التفكير عن وسائل أخرى لإشباع الحاجيات قد تؤدي إلى انتشار الفساد بكل أنواعه.

فمقابل الراوتب المنخفضة التي لا تكفي لسد الضروريات الاساسية للحياة، و الاساليب الملتوية في التوظيف التي لا تراعي المساواة،يجب على السلطات العمومية وضع هذه المتطلبات في صميم السياسات العامة والبرامج التنموية و أن يكون المواطن هو حجر الزاوية فيها،حتى توزع الفرص بشكل المتوازي بين الجميع وبين الجنسين من دون تفضيل أو محسوبية أو محاباة،مع إقرار رواتب تتلائم و القدرة الشرائية للموظف حتى يتسنى له توفير متطلبات معيشية ذات مستوى لائق و يساعد على زيادة الحصانة من الفساد([15]) .

4 – إصلاح الجهاز الإداري و الحد من البيروقراطية :

إضافة إلى ما تم عرضه حول إصلاح الوظيفة العمومية ،ينبغي أن يشمل الاصلاح الادارة باعتبارها النواة الاساسية التي يترسخ في أعماق الهيكل التنظيمي لديها الفساد ،لذا يجب إدخال ضوابط تنافسية في دواليب الادارة عن طريق تطبيق إجراءات رقابية على الموظفين،و تسهيل حركات تنقلات الموظفين لتقليص سلطة التفاوض مع المواطنين.

 فالإصلاح الاداري يتم عن طريق تزويد المؤسسات الحكومية بإرادات مالية نظيفة و متطورة و ذات كفاءة عالية من المؤهلين والقادرين على وضع السياسات و الانظمة اللامركزية المتطورة التي تحقق التوازن في الاختصاصات و المسؤوليات بين الحكومة المركزية و الادارات المحلية،فضلا إلى تطوير التشريعات المنظمة للإدارة و المستغلة من طرف الموظفين للكسب الشخصي و تشجيع أعمال الفساد كالمطالبة بالرشاوى مقابل تسهيل الاجراءات ،لذا يجب بذل المزيد من الجهود للحد من الاجراءات البيروقراطية خصوصا في منح تراخيص العمل و الوثائق،وجباية الضرائب و غيرها من المعاملات الادارية التي تزيد من تفشي الفساد،و جعل الاجراءات سهلة و معلنة و واضحة و سهلة ، مـــــع الحد مــــن صلاحيات الموظفين العمومين التي تسمح بالمنــــــح    و المنع لصالح أهمية إستفياء شروط منح تلك التراخيص و الوثائق على أن تكون شروط ميسرة، فضلا عن تكريس وسائل الانضباط في المؤسسات العمومية و القضاء على كل أشكال التلاعبات من طوابير و مواعيد غير مرخصة ، مع الاهتمام بالشكاوى و الطعون المقدمة من قبل أصحابها لا سيما تلك التي تبلغ عن ممارسات الفساد ،فكل هذه الاجراءات من شأنها أن تحد من الظاهرة و أوجهها .

5 – فرض الرقابة و إصلاح المؤسسات العامة و الخاصة :

في هذا الشأن ينبغي على السلطات العمومية وضع ضوابــــط صارمة و فرضها على تسيير المال العــــام      و عمليات الخوصصة التي تشكل واحداً من المداخيل الرئيسية للفساد،والعمل على تعزيز الدور الرقابي للبنوك المركزية و منحها استقلالية عالية وسلطات لمساءلة مسؤولي و مسيري البنوك ، والعمل على تحقيق شفافية مالية سواء في القطاعات العامة و الخاصة .

فضلا عن إصلاح مؤسسات أخرى ذات أهمية التي تعرف معاملات مكثفة بالأوراق المالية على غرار البورصات التي تتطلب تطوير ضوابط مانعة للفساد و تكريس معيار الشفافية و الردع لكل الموظفين الذين يريدون التلاعب للحصول على الثراء غير المشروع على حساب مؤسسات أو مستثمرين ، ناهيك عن إصلاح النظام الضريبي و النظام الجمركي عن طريق إختيار الاشخاص المشهود لهم بالنزاهة و الكفاءة لإدارة المراكز القيادية وتسييرها على أحسن وجه و ذلك حتى يتسنى لهم الحد من الفساد .  

و لتفعيل كل هذه الاجراءات و الاستراتيجيات التي من شأنها أن تحد من الفساد فلابد إلى جانبها من توفر الإرادة السياسي لمحاربة هذه الظاهرة المضرة بكيان الدولة و اقتصادها و المجتمع و الافراد و خاصة الفقراء باعتبارهم الفئة الاكثر تضررا من هذه الافة التي أصبحت لديها قواعد تنظم معاملاتها الفاسدة ، مما ينبغي أن تكون كل الاجهزة المخولة و الهيئات و الافراد أن تتضافر جهودهم من أجل وضع حد لهذه الظاهرة عن طريق المتابعة و المحاسبة و المساءلة .

و بذلك نكون قد أوضحنا الإستراتيجيات لمكافحة الفساد في ظل الحكم الراشد،الذي أصبح ضرورة ملحة نظراً لما يشكله من إقامة بيئة سليمة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية المستدامة،فهو يتضمن مجموع الاليات و العمليات و المؤسسات التي تستخدمها الاطراف في إدارة موارد المجتمع لتحقيق تنمية مستدامة تنعكس أثارها الايجابية على كافة المجتمع بما فيهم الاشد فقراً.

رابعا  - مكافحة الفساد للتقليل من الفقر:

بإعتبار أن للفساد تأثيرات سلبية تتجلى في كونه عائقاً في وجه تحقيق العديد من الاهداف التنموية ،ومن شأن الظاهرة أن تؤدي إلى إنتهاكات حقوق الإنسان ، و إعاقة البرامج و السياسات الهادفة الى الحد من الفقر ، وهذا ما تثبته كل الجهود المبذولة في هذا الشأن بأن الفساد يشكل عقبة بالنسبة للبلدان التي تسعى لإحداث التغييرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية العازمة على تنميتها ،فالفساد هو السبب و النتيجة للفقر ([16])،كونه يؤثر على سياسات الحكومة و مختلف القطاعات و المواطنين في أصل مبادرات التنمية بسبب الانحرافات في صنع القرار،و وضع و تسيير و توزيع المال العام ،فعندما تكون كل أجهزة الدولة معطلة و لا تعمل و تنفذ القرارات إلا بوجود الرشاوى بهدف تحقيق مكاسب شخصية،فإن الفساد يعمل على إهدار الموارد الدولة  و ذهابها الى الاشخاص الفاسدين و بالتالي عزوف المواطنين على  المشاركة،و يجد الفقراء أنفسهم في حالات من التهميش و الحرمان و عدم القدرة مما تستاء أوضاعهم نتيجة عدم حصولهم على الخدمات التي هم في أمس الحاجة إليها.

و إنطلاقا من هذا الجانب التأثيري للفساد على الفقر تتضح العلاقة بينهما ، و نستطيع فهمها من تبيان نموذج الاقتصاد و نموذج الحكم ، ويثبت كلاهما أن الفساد يفاقم و يزيد الفقر نتيجة عوامل معقدة و متداخلة تشمل عوامل اقتصادية و أخرى مرتبطة بالحكم ([17]).

فإذا فسرنا النموذج الاول المتعلق بالاقتصاد يتبين أن الفساد يؤثر على الفقر من خلال تأثيره على عوامل النمو الاقتصادي،الامر الذي يؤثر بدوره على مستويات الفقر،أما النموذج الثاني المتعلق بالحكم فالفساد في هذه الحالة يحول مشاريع الحكومة في الخدمات ذات القيمة كالتعليم و الرعاية و الصحية ،و يضعف فرص الحصول على تلك الخدمات ناهيك عن خدمات البنى الاساسية و يقلل من جودتها،فضلا عن ذلك الفساد يسمح لبعض الفئات بأن تستفيد أكثر من غيرها من خلال تشويه السياسات و التلاعب بالقوانين([18])،الامر الذي يؤدي بالفقراء الى دفع الرشاوى للحصول على الخدمات تفوق ما يقدمه الاغنياء، وهذا يخلف مساوى على فئات الفقراء و يزيد من مشكلة توزيع الثروة و خلق عدم المساواة بين أفراد المجتمع الواحد التي تعود بالسلب على الفقراء نظرا لمحدودية دخولهم و مواردهم و تفاقم حرمانهم. 

و على هذا الاساس أتت الرؤية الموحدة لمكافحة الفساد و التقليل من الفقر عن طريق ما روج له من طرف المؤسسات الدولية للإستعانة بآليات الحكم الراشد كونه المنفذ إلى إحقاق العدالة التوزيعية و القضاء على ظاهرة الفقر ،بمحاربة كل أشكال و أنواع الفساد المتفشي و ذلك بتوفر الإرادة السياسية الطامحة في تطبيق الاكثر للشفافية و المساءلة و المشاركة الواسعة و حكم القانون،حتى تنكشف النقاط السوداء للفساد و يكون باستطاعة الحكومات القضاء عليه.

خامسا - الحكم الراشد في الجزائر كآلية لمكافحة الفساد:

بإعتبار الحكم الراشد في معناه العام و البسيط هو الذي يعزز و يدعم و يصون رفاه الانسان و يقوم على توسيع قدرات البشر و خيارتهم و فرصهم و حرياتهم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية لا سيما بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقراً و تهميشاً  .

و بما أن الجزائر تتفاقم و تستشري فيها ظاهرة الفساد بكل أشكالها و في جميع أجهزة الدولة الجزائرية في الآونة الأخيرة،و خير دليل تصنيف الجزائر في المراتب المتأخرة في التقارير السنوية التي تصدر عن المنظمات الدولية،و على الرغم من هذا تعتزم الدولة بكل الامكانيات المتاحة لها إستئصال الظاهرة الخطيرة المتفشية التي تشكل خطر على كيان الدولة و المجتمع ككل.

و لهذا قامت الجزائر بتقنين آلية للوقاية من الفساد و مكافحته و ذلك بموجب قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.و سارعت أيضاً بإصدار مراسيم تطبيقية تحدد تشكيلة الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد و مكافحته وكذا كيفية سير هذه الهيئة.

إلى جانب قواعد الانشاء لهذه الهيئة الوطنية ،حققت الجزائر للوصول الى إرساء أسس الحكم الراشد في البلاد ، فمن الناحية الاقتصادية و بفضل البحبوحة المالية المتوفرة جراء إيرادات المحروقات إستطاعت الجزائر إطلاق العديد من المشاريع التنموية ،لتنمية المناطق الوطن بمختلف البرامج على إختلاف القطاعات و لاسيما النقل وربط مناطق الوطن .أما من الناحية السياسية فتحت الجزائر ورشات كبيرة على المجتمع للقيام بإصلاح هياكل الدولة والعدالة و إصلاح التربية و تقريب الادارة من المواطن عن طريق تسهيل إجراءات الحصول على الوثائق ،و هذا لتمكين أفراد المجتمع من المشاركة الطوعية في تنمية البلاد،حتى تتحقق متطلبات الحكم الراشد.

فرغــم كــــل الخطوات لازالت بعض معايير قياس الحكـــم الراشــــد تكــــــاد منعدمــة في الجزائر،كيف لا         و تغييب  الشفافية و سوء التسيير العقلاني للموارد و التي ما زالت تشكل بؤر سوداء و عوائق في توجيه جهود التنمية، حيث نجد بأن كل أشكال الفساد منتشرة في البلاد بمثابة قواعد تسير عليها غالبية المؤسسات الوطنية .

و بما أن الجزائر عازمة في إستكمال طريق الاصلاحات المتخذة و المباشرة من قبل السلطات العمومية بغية تحسين نوعية الحكم و بناء مؤسسات راشدة قادرة على مكافحة الفساد و الافات الاخرى المترتبة على الظاهرة الخطيرة،و هذا ما نلتمسه من خلال الجهود المبذولة و الاستراتجيات الموضوعة ،لكن هناك العديد من المتطلبات الضرورية الواجب الاخذ بها لتحقيق نوعية حكم رشيدة في مختلف المجالات.

فالحكم الراشد يتطلب مكافحة كل مظاهر الفساد على جميع مستوياته حيث يتم البدء بإصلاح مؤسسات الحكم،لان فسادها كان حافزاً رئيساً لتكريس مختلف مظاهر الفساد على المستويات الدنيا،و يتم ذلك على مراحل تدريجية بإتباع الخطوات التالية ([19]):

  • العمل على الفصل المرن بين السلطات لتجاوز المؤسسات الشكلية إلى مؤسسات فعالة تتمتع بهامش من الاستقلالية في أداء مهامها مع ضمان الرقابة المتبادلة رفعاً للكفاءة و منعاً للإنحراف.

  • فتح و تطوير قنوات المشاركة الجماهيرية ، من خلال السماح بإنشاء تنظيمات طوعية مستقلة تساهم في التنشئة السياسية اللازمة لمسألة المواطنين و إشراكهم في الشأـن العام ،مع تحرير وسائل الاعلام لتعمل بشفافية تامة و كشف ممارسات النخب الحاكمة و حماية الحريات العامة.

  • تغيير الانماط التوزيعية غير العادلة التي أفرزت إختلالات طبقية و أدت إلى تدني مستويات الاجور ، التي ساهمت بدورها في اللجوء إلى أعمال لتغطية ضعف مستويات المعيشة.

  • الحرص على التطبيق الشامل للقوانين و التشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد على جميع الفئات و الافراد دون إستثناء أو تستر .

  • العمل على الإعمال بمبدأ المساواة المنصوص عليها في نظام التوظيف مع إصلاح الاخير،و ترقية القطاع العمومي على أساس الكفاءة باعتماد معايير عادلة و موضوعية تراعي الاحقية،لا على أساس المحسوبية والمحاباة والانتماءات السياسية و الحزبية .

  • إحترام حقوق الإنسان و تطوير دور الرقابة و المساءلة و المحاسبة للهيئات التشريعية .

و ما يمكن قوله في هذا الصدد خلال تقييمنا للحكم الراشد كآلية معول عليها و قادرة على مكافحة الفساد في الجزائر ،بدءاً بتطوير الموارد البشرية و الاعتناء بها ، و ربطها بالمعرفة و التعلم و التكنولوجيا،مع توسيع سبل المشاركة في القرارات الهامة و المصيرية لكل أطياف المجتمع مع فسح المجال أمام حرية التعبير ،و إشراك المجتمع المدني و منظماته قصد تفعيل و مصداقية السياسات المتخذة ، مع فتح حوار بين الإدارة و المواطن قصد التقريب و هذا كله للوصول الى تنمية شاملة تحد من التوزيع غير العادل و تكافح الفقر و تعمل على تجفيفه من المجتمع ،في إطار إرساء مبادئ الحكم الراشد.

من خلال ما سبق يمكن القول بأنه للحد من ظاهرة الفقر لابد من توفر بعض الدعائم لتحقيق الحكم الراشد،وإجراء إصلاحات و إتخاذ سياسات مشتركة لصالح الفقراء ،تقضي إلى عدالة و كفاءة في توزيع الخدمات،و مشاركة لأفراد المجتمع بما فيهم الفقراء في الحكم المحلي و الوطني،مرتكزين على معيارين نراهما اساسيين لتحقيق هذه المتطلبات و المتمثلين في التمكين و المشاركة.

و في الاخير يمكن القول أن الفساد مسألة تدبير حكومي بالدرجة الاولى،أي مسألة فشل المؤسسات في أداء مهمتها،فالمؤسسات الضعفية تعجز عن تزويد المجتمع بإطار للعمليات التنافسية و تعرقل الاجراءات المشروعة التي تربط بين المجالين السياسي و الاقتصادي ،فكلما كانت القوى السياسية و الاقتصادية منغلقة على نفسها خارج النظام ،كلما كان الارجح أن يتفشى الفساد و تقل التنمية المستدامة ،لا سيما عندما يكون الفساد السياسي والفساد الاداري مترابطين ([20]).

و عليه فإن الحكم الرشيد أساسي لتهيئة بيئة تعزز النمو و تحد من الفقر، فالحكومة التي تستجيب بقدر أكبر لاحتياجات و رغبات الفقراء تستطيع أن تحسن نوعية عيشهم و رفع مستوى إدارة الحكم عنصر رئيسي في التنمية الاقتصادية و السياسية للبلد ،مما يستلزم للتنمية المستدامة مؤسسات سليمة و كذا تضافرا بين المجالين الاقتصادي و السياسي مع زيادة فعالية القطاع العام و محاسبة السياسيين و كبار الموظفين بشفافية في التسيير والحكم للحد من تراكم الثروة و استغلال المناصب و التواطؤ على حساب المصلحة العامة ([21]).

الخاتمة :

بإعتبار الفساد يعد عائقا في وجه التنمية المستدامة و الحد من الفقر ، بتأثيراته السلبية على النمو و التوزيع ، أصبح لازما على الدول خاصة تلك التي تعرف إنتشار الفساد أن تتبنى مبادئ الحكم الراشد في إدارتها لما لها من دور فعال في الوقاية و الحماية و مكافحة المظاهر المرضية المستشرية في المؤسسات و المجتمعات جراء الفساد ،و ان تعزز الجهود لتنفيذ خطط و إصلاحات فعالة و مستمرة تزيد من التحلي بالنزاهة و ضبط الفساد .

ويبقى تمكين الفقراء إستراتيجية إنمائية و هدفاً إنمائياً،يتطلب العمل به مع تحديد أولوياته التي ينبغي أن يحددها الفقراء من أجل الفقراء،و أن تسترشد هذه الاولويات بمبادئ حقوق الإنسان التي تشمل المساواة و عدم التمييز والمشاركة و المساءلة،إذ يتوقف نجاح المبادرات و الإصلاحات و التمكين على أرض الواقع على العديد من العوامل،بما في ذلك القيادة السياسية و إلتزام الحكومة فضلاً عن غيرها من أصحاب المصلحة،كما يجب أن يستند التمكين إستناداً كاملا إلى حقائق الأمور بشأن الفقر و الإستبعاد،و هو يتطلب تغييرات في العلاقات بين الدولة                و الفقراء.


[1] جمال الدين إبن منظور ، لسان العرب ، المجلد الثالث ، بيروت : دار الكتب العلمية ، 2003 ، ص 412 .

[2]  Presse Université de France , La Rousse Super Major , Paris , 2006 , P 269 .

[3]  سارة بوسعيود،دور إستراتيجية مكافحة الفساد الاقتصادي في تحقيق التنمية المستدامة :دراسة مقارنة بين الجزائر و ماليزيا ،مذكرة ماجستير في علوم التسيير ،كلية العلوم الاقتصادية ، جامعة فرحات عباس ، سطيف الجزائر 2013،ص 15.

[4] علي عبد القادر علي ، مؤشرات قياس الفساد الاداري ،جسر التنمية : سلسلة دورية تعنى بقضايا التنمية في الدول العربية ، العدد 70 ،فبراير 2008 ،المعهد العربي للتخطيط ، الكويت ، ص 5 .

[5]  سارة بوسعيود،المرجع السابق،ص 16.

[6]  للإطلاع أنظر البنك الدولي ،كلفة الفساد ،على الموقع :http://go.worldbank.org/lga29gha8 . :تاريخ الدخول 02/03/2014.

[7]  يذهب فليب عطية من خلال كتابه "أمراض الفقر و المشكلات الصحية في العالم الثالث"  إلى إعتبار اللاعدالة في توزيع السبب في تعريفه للفقر في قوله"يعتبر الفقر بشكل عام بأنه ندرة المادة او تبديدها أو توزيعها على نحو غير عادل.أنظر : فييليب عطية،أمراض الفقر و المشكلات الصحية في العالم الثالث،الكويت:المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الاداب ،1992،ص10.

ويعرف عبد الرزاق فارس للفقر في "كتابه الفقر و توزيع الدخل في الوطن العربي" بالقول أن الفقر هو: "عدم القدرة على تحقيق مستوى معين من المعيشة المادية يمثل الحد الأدنى المعقول و المقبول في مجتمع من المجتمعات في فترة زمنية محددة". أنظر : عبد الرزاق الفارس،الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ، ،الطبعة الاولى ،2001، ص22.

وتعرف المرجعيات الدولية على غرار الامم المتحدة "للفقر على أنه العجز التام للأفراد و الاسر  داخل المجتمع عن توفير الموارد ،و عدم القدرة على تحقيق اقل قدر من اشباع الحاجات الاساسية التي تمكنهم من الاستمرار في الحياة و القيام بأعمالهم ،مما يستشف ان الفقر هو قصور القدرة الانسانية".أنظر : برنامج الامم المتحدة الانمائي ،تقرير اجتماعات الفقراء عن القضاء على ظاهرة الفقر و توفير سبل العيش المستدام في الدول العربية ، المجلد1 ،1996،ص 13.

[8]  علي عبد القادر علي،المرجع السابق،ص 3.

[9]  PNUD , Lutte contre la corruption , Note de pratique du PNUD , 2004 , p 3 . sur cite web : http://www.pogar.org/publications/finances/anticor/undp-ati04.pdf. date de entré : 04/05/2014.

[10]  أحمد صلاح عطية ، أصول المراجعة الحكومية و تطبيقاتها بالمنطقة العربية، مصر  الدار الجامعية ، 2008 ، ص222.

[11]  مرسي السيد حجازي ، التكاليف الاجتماعية للفساد ، مجلة المستقبل العربي ،العدد 266 ، أفريل 2001 ، ص 33 .

[12]  منظمة الشفافية الدولية ، الشفافية و مكافحة الفساد :حوار المجتمع المدني بين مجموعة الثماني و الشرق الاوسط الكبير و شمال إفريقيا ، البحرين : 2005 ،ص 11 .

[13]  خليل جبارة،مكافحة الفساد في لبنان من منظور برلماني بين النظرية و التطبيق ، دراسات بحثية و ورشات عمل حول بناء المؤسسات البرلمانية      و تعزيز مشاركة المواطنين في الدول العربية،15 و 16 جويلية 2008 ، بيروت ، ص 125.

[14]  Tomas Carothers , Aiding  Democracy Abroad : A Learning Curve , Carnegie Endowment for international peace , Washington , D.C , 1999, p 189.

[15]  محمود عبد الفضيل ، الفساد و تداعياته في الوطن العربي ، كجلة المستقبل العربي ، العدد 243 ، ماي 1999 ، ص 9.

[16] Geoff Handley ,and all ,Poverty and Poverty Reduction in Sub-Saharan Africa :An Overview of key Issues ,working Paper N°299,January 2009 Overseas Development Institute ,London,2009,p,p:7- 8.

[17] Op,Cit ,p8.

[18]  برنامج الامم المتحدة الانمائي ،الفساد و التنمية : مكافحة الفساد من أجل الحد من الفقر ، نيويورك ، ديسمبر 2008 ، ص 15 .

[19]  كريمة بقدي ،الفساد السياسي و أثره على الاستقرار السياسي في شمال أفريقيا :دراسة حالة الجزائر ،مذكرة ماجستير في العلوم السياسية ،كلية الحقوق و العلوم السياسية ،جامعة أبو بكر بلقايد ، تلمسان ، الجزائر ، 2011/2012،ص،ص :234-235.

[20]  تقرير حول ،مكافحة الفساد لتحسين إدارة الحكم ،شعبة التطوير الإداري و إدارة الحكم /مكتب السياسات الإنمائية ،13 نوفمبر 1998 ،نيويورك ،1998،ص 12.

[21]  نفس المرجع ،ص 13.